كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
يقول المغبوط أُغسطين:"أعرف ثلاثة رجال. واحد يخلِّص بالصليب، وآخر يخلُص بالصليب، والثالث يُدان بالصليب". المسيح فقط ينتمي إلى الفئة الأولى. وكلنا، البشر الآخرون، ننتمي إلى واحدة من الفئتين الأخريين. 
الصليب منتصبٌ أمام جميع البشر. ما من أحد إلا وله صليب أو أكثر. طالما أنّ الموت حاضر، فالصلبان موجودة في حياتنا الشخصيّة. يشعر الإنسان، في حالته الساقطة، عبر زوال العالم الحاضر، وزوال وجوده هو، بألم ووجع وحزن، لأنّه يربط المشاعر، التي تشكّل جزءاً من كيانه، بصورة هذا العالم الزائل.
والإنسان أمام خيار من اثنين: إمّا أن يهرب من الصليب ويتجنّبه، أو أن يواجهه بجرأة وإيمان ورضى. الهروب يزيد من ثقل الصليب، ولا يفعل أكثر من تغيير اسمه. إنّه، في الواقع، استبدال صليب بآخر، يزين للهارب بأنّه أخفّ وزناً، لكنّه، في الحقيقة، أثقل من الصليب الذي يهرب منه. أمّا المواجهة، فتقضي بقبول الصليب، برضى في بداية الطريق، إن لم يكن بفرح، سعياً إلى استخراج معنى له، ودور في تشكيل شخص حامله ونحته. 
كان الصليب، قبل المسيح، سبباً للموت؛ فصار، بالمسيح، سبباً للحياة. كان الألم والوجع يقودان إلى اليأس، واليأس موت روحيّ؛ فصارا، في المسيح، طريقاً إلى التحرّر واكتشاف الحياة الحقّة، التي تتجاوز معطيات الحياة الوقتيّة المتعارَف عليها. نقول في صباح كلّ أحد: "بالصليب أتى الفرح لكلّ العالم". ألم يسبق الصليب القيامة، والحياة المتفجرة البارزة من القبر! 
قد يعيق نمط الحياة الحالي التلاقي مع الحياة الحقّة. فكثيراً ما يقف المرء أمام عطايا هذا العالم الجميلة، فيغرق فيها، وينحصر في شهوة امتلاكها، غير منتبه إلى ما وراءها، ولا، حتّى، إلى معطيها. وهي ببريقها تشدّه لكي يستزيد منها، ويصبح مع الوقت أسيراً لها. وهكذا تنقضي حياته في إطار ضيّق قائم على تأمين شهوات الحياة الدنيويّة لا غير.
هذا العالم الجميل، الذي نحن فيه، هدية من الله، أو هكذا ينبغي علينا التعامل معه. فكما نعتني بالهدية، ونستقبلها بفرح وابتهاج، ونهتمّ كثيراً في الحفاظ عليها، ويغمرنا الامتنان تجاه من قدّمها لنا، هكذا علينا العناية بهذا العالم، والمحافظة عليه، والامتنان الدائم لله، من أجله. 
في الواقع، لقد تحوّل "كوكبنا الجميل"، بفعل جشع البشر ونهمهم الأناني في استغلال موارده، استغلالاً ربحيّاً استهلاكيّاً قاتلاً، "إلى مسلخ"، على حدّ تعبير القدّيس يوستينوس بوبوفيتش. 
عندما نتلقّى عطية من أحدهم، ينبغي أن نتطلّع، أوّلاً، إلى الشخص الذي قدمّها، وأن لا تتسمّر عيوننا على العطية بحدّ ذاتها. لقد أضعف المجتمع الاستهلاكيّ روح الشكر في الإنسان المعاصر، على حساب تنميته لحبّ الاقتناء. فبات نظر الإنسان مسمّراً على المنتَج فقط. وهكذا بدأ يُصبح عبداً، شيئاً فشيئاً، ودونما انتباه، وفي أحوال كثيرة عن غير قصد، للهدية.
الصحّة هدية. جمال الطبيعة هدية. الهواء النقيّ هدية. العائلة هدية. العمل والإنتاج هدية. المدخول هدية. الترفيه الهادف هدية. الأصدقاء هدية. .....إلخ. ما أكثر هدايا الله لنا. فهل نحن واعون لها؟ وهل نعيشها بفرح وشكران والتصاق أكثر بمعطيها؟ وهل نصل منها إليه؟
الإنسان الطبيعيّ يحبّ المعطي لشخصه، لذاته، لا لهديّته فقط. والمسيحيّ يحبّ الله، لشخصه، لا لعطاياه فقط. الحكيم هو الذي لا يقف عند الهدية، وكأنّها الحقيقة الأخيرة. بل يعرف أنّها زائلة في النهاية، وأنّ الفرح الذي تعطيه، إنّما وقتيّ وله زمن يخفت وهجه فيه. فيتطلّع إلى المعطي، مصدر الهدية الدائم والحاضر أبداً، أعني الله.

في الحقيقة، تستلزم كلّ عطية صليباً معيّناً. بمعنى أنّ هذا الصليب يرينا أن كلّ هذه العطايا ليست هي الحقيقة النهائيّة والأخيرة. هنا يكمن صليب هدايا عالمنا الحقيقي. إنّه صليب ناجم عن التناوب بين الحصول على الهدية وفَقْدها. لا تتحقّق أحلامنا كلّها، وفي كلّ مرّة نريدها فيها. لذلك ترى حياتنا بين نجاح وإخفاق، همّة وفتور، فرح وحزن. ما نرغب فيه، قد يتحقّق بالكليّة، وقد يتحقّق جزء منه، وبالمقابل قد نفقده جزئيّاً أو كليّاً. هذا صليب أكثر إيلاماً لمن لم يعتد على الشكر، ولمن لم يفقه، بعدُ، معنى الحياة الحقّة، وبقي حاصراً إيّاها في إطار الحياة الدنيا. 
غياب العطيّة، أو فقدها، يجعلنا نطرح السؤال حول السبب. كذلك يجعلنا فقدها أكثر وعياً لمكانتها ودورها في حياتنا. وبمقدار ما تكون العطيّة المفقودة مهمّة وأساسيّة، تكون إمكانيّة ترقّي الذي فقدها أسمى وأرفع. 
تأثرت، في شبابي، بسيّدة فاضلة، رقدت بالرب منذ زمن. هذه قضت سنة ونصف في المستشفى، وأجرت عدّة عمليات متتابعة، وطلّقها زوجها في أثناء استشفائها، ولم ترزق بأولاد. تألّمت كثيراً، وكان صليبها الثقيل دافعاً لها للتساؤل عن معنى ما حدث لها، واكتشفت، بمساعدة أبيها الروحي، وأصدقائها الخلّص، أنّها مدعوة إلى رسالة سامية. فكرّست حياتها لتعليم التمريض، في وقت لم تكن ثمّة مدارس له، وللتعليم اللاهوتي الروحي الصافي، وكان نادراً آنذاك!
يحمل المسيحيّ صليب العالم هذا، وصليب وجوده هو، لا برضى فقط، بل بنوع من الفرح، لأنّه يعرف أنّ ثمّة حياة لا تفنى، بعد هذا الصليب. يرى المسيحي، بهذا الإيمان، العالم مصلوباً وميتاً بالنسبة له. كما يرى أنّه هو، وكلّ ميوله، مصلوب وميت عن العالم الحالي. يعمل المؤمن على تطوير وضع العالم الحالي، السائر إلى الزوال والموت. فيطوّر بذور القيامة المستقبلية الكامنة فيه، عبر سعيه إلى قيامته الشخصيّة وقيامة هذا العالم - الهدية. 
في مسيرته الحياتيّة هذه، يكتشف الإنسان، عبر المآسي والمعاناة، معنى فقده لبعض الأمور، التي هي في نظره أمور أساسيّة. لكنه قد يكتشف، مرات عديدة، نعمةً في خسارتها. فيوجّه شكره لله، لأنّه ما كان ليلاحظ الأمور الأكثر أساسيّة، لو بقي متنعّماً بتلك التي فقدها. هذه حال بعض الذين قضوا سنين في سجون انفراديّة بسبب إيمانهم. لقد اختبروا وذاقوا، في مأساة ما عاشوه، نعمة إلهيّة أمدّتهم بسلام عميق، افتقدوه حينما خرجوا من السجنّ. فصقل هذا الصليب شخصياتهم وجعلها أكثر شفافية، ما هيأهم للعب دور جوهري في ما بعد. 
بهذا المعنى، يقول الأب، اللاهوتي الروماني، ديمتري ستانيلوى إنّ العالم ووجودنا فيه هما الصليب، الذي يجب أن نحمله، حتّى نهاية حياتنا الأرضيّة. نشعر بطبيعة هذا العالم الوقتيّة صليباً مستمراً. لكن بإمكاننا، انطلاقاً من إيماننا المسيحي، ونعمة الله، أن نعيش هذا الصليب برجاء القيامة. ولهذا نعيشه بفرح!