كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
(صليب العلاقات)
تقول الفلسفة الوجودية الملحدة: "الجحيم هو الآخر"، أمّا الوجودية المسيحيّة فتقول: "الفردوس هو الآخر"؛ وقد اعتاد القديس سلوان الآثوسي على القول: "أخانا هو حياتنا". فالآخر، الذي هو "القريب"، بحسب الإنجيل، لم يعد، في المسيح، آخر. فكلّ آخر أو غريب، متى كان موقفك منه كموقف السامري الصالح (لوقا 15)، صار قريباً لك. هكذا، إذا عملت على أن يكون موقفك، من جميع البشر، موقف المحبّ والمتحنّن، ترى أنّهم، جميعاً، أقرباء. لكن عليك أن تعي، أنّك إنْ كنت تشعر بالمسؤوليّة تجاه أحد ما، فرداً أو جماعة، فأنت تحت صليب هذه المسؤوليّة دائماً.
ثمّة صليب ثقيل هنا، في علاقتنا مع الناس، بالتحديد، بدءاً من أفراد عائلتنا، وليس انتهاء بعدوّنا. يأتي الصليب من رغبتنا في حفظ أحبّائنا، ومساعدتهم، والوقوف إلى جانبهم، في محنهم وضيقهم، بينما هم، قد لا يريدون مساعدتنا، وقد لا يرغبون في اتّباع نصائحنا، وقد يفهموننا بشكل مغلوط. وأحياناً قد يعادوننا بمقدار محبّتنا لهم، لأنّهم يطلبون تعبيراً، لمحبّتنا لهم، مختلفاً عن تعبيرنا، وقد يناقض مبادءنا وأخلاقنا.
لا يمكن لنا في هذه الدنيا، إلّا أن نحمل المسؤوليّة، تجاه كلّ ما يمكن أن يهدّد حياة الذين نعتني بهم، ونحبّهم من أخصّائنا أوّلاً، ومن الذين نحتكّ بهم، بشكل أو بآخر.
في مشاركتنا إيّاهم لحمل صليبهم، يزداد صليبنا ثقلاً، بمقدار ما يكون صليبهم وازناً. فمشاركتنا لهم، في مسؤوليّة حياتهم، هي مصدر همّ وضغط كبيرين لنا. هل لك أن لا تهتّم بأولادك؟ أو زوجتك؟ أو والديك؟ أو إخوتك؟ تراهم يسلكون في طريق تودي بهم إلى الهلاك، ماديّاً أو روحيّاً، عاطفيّاً أو علائقيّاً، فتدفعك محبّتك، عفويّاً، إلى أن تكون إلى جانبهم، وتعضدهم، وتساندهم، وتشاركهم في الألم والمعاناة.
وقد تكبر أحزانك بسبب هذا القرب منهم. بالأخصّ، لأنّهم قد يرفضون ما تقدّمه لهم، أو يفسّرون سلوكك بحسب مصلحتهم، كما يرونها هم، والتي قد ترى أنت عكسها. تحزن عليهم، وتحمل همّهم بمقدار ما أنت عارف بالنهاية البشعة، التي سيصلون إليها. 
بهذا المعنى قال القدّيس سلوان :"تعظم الآلام بمقدار ما تعظم المحبّة". لا يمكنك أن تغضّ الطرْف عمّن تحبّه. قد تحاول أحياناً تغييبه، لكنّك، ما إن تسمع سوءاً عنه، حتّى تتفجر محبّتك المكبوتة لوعةً عليه. هذا صليب يقودك إلى الشفافيّة واللانفعيّة، ويسمو بك إلى التشبّه بحنان ربّك. بمقدار ما تزداد آلام محبّتك، ترقّ وتشفّ وتترقّى. 
ثمّة معنى ثانٍ للصليب في العلاقات، نراه في أناس كثر يتصرّفون بعدوانيّة واضحة تجاهنا، حتّى لو لم نكن قد أخطأنا بحقّهم.هذا صليب قد نضطر إلى حمله حتّى الموت. لماذا يشعر بعضهم بعدوانيّة تجاه إنسان ما، لم يؤذهم ولم يتعرّض لهم؟ في الواقع تتجاذب الإنسان دوافع مختلفة، وغالباً ما لا يعيها، بل يتركها تسوقه، وتالياً، يتعامل مع غيره انطلاقاً من مشاعره لا غير، والمشاعر خدّاعة ومزاجيّة. كثيراً ما تلعب حالة الإنسان النفسيّة دوراً في رسم العلاقة مع غيره. 
غالباً ما يعاديك بعضهم لأنّك، باستقامتك، تفضح اعوجاجهم، ولو لم تتصرّف تصرّفاً واحداً مزعجاً تجاههم. وجودك يؤذيهم، ويقول لهم "أنتم مخطئون". لا يريدون أن يسمعوا لضميرهم، الذي تذكّرهم به ولو بقيت صامتاً، وبعيداً عنهم. ارتباطك بقناعاتك يستدعي خططهم الشرّيرة إلى قلب النور، كما يستدعي نواياهم السيّئة إلى الظهور.
وكم عليك أن تتحمّل صليب الذين لا يفهمونك، أو يسيئون فهمك، أو يتحاملون عليك بناءً على تصوّرات وتحليلات لم تخطر على بالك يوماً. 
ويزداد ثقل هذا الصليب عندما تكون نيّتك على النقيض، تماماً، ممّا يقرأونه في سلوكك. إلى ذلك، يرفضون منك أيّ تفسير أو توضيح. أنت تنشد سلامتهم، الماديّة والجسديّة، وتسعى إلى مساعدتهم في تنمية كيانهم روحيّاً وإنسانيّاً، وهم يرون العكس. 
في حالة كهذه، عليك أن تتحمّل عدم استيعابهم لنواياك الحسنة، صليباً، يدفعك إلى مراجعة ذاتك، والتدقيق فيها بغية معرفة نقاط ضعفك أو خطئك أو عدم لياقة تصرّفك.... اترك مكاناً في داخلك لمسؤوليّتك عن عدم استيعابك، ولو كنت متأكّداً من ظلمهم لك. نبرة صوتك، نظرة عينيك، حركة يديك...كلّها أو بعضها قد تثير، عندهم، استفزازاً ما، لا تريده ولا تقصده. ، في أثناء حوار معه. فسجد القدّيس أمامه معتذراً عن تسبّبه باستفزازه!
إلى ذلك احملهم في صلاتك دوماً. ولا تدع ذاكرتك تسترسل في مراجعة تفاصيل ما حدث، ولا تتكلّم فيها كثيراً. اطلب لهم رحمة الربّ. اذكرهم، بأسمائهم، في صلاتك يوميّاً. وستكتشف أنّهم، على الرغم من عدوانيتهم، قريبون منك، وفي قلبك، من جهتك على الأقلّ.
كلّ واحد من جهودنا، في سبيل نشر الصلاح والاستقامة وثقافة الحبّ والغفران، مترافق بصليب نحمله. لكنّنا إن تجنّبنا، هذا الصليب، فإنّنا، في الحقيقة، نتنكّر للنضال والجهاد في سبيل القيام بما هو صالح، وفي خدمة المحبّة، ونخسر، تالياً، بركته والنعم التي يفيضها الله علينا بسببه.
أن تتجنّب الصليب، يعني أنّك ترفض حمله، فتحرم نفسك من اكتشاف عمق القوى والطاقات الكامنة فيك وعظمتها. تنسى أنّك مخلوق على صورة الله، وآثار الصورة الإلهيّة في داخلك في حالة كمون، والله ينتظر منك أن تُخرجها. ويرتضي الصليب لك أداة لإخراجها.
أيّ تغيير في الذات يستدعي تمزّقاً، نعيشه صليباً. كلّ ترقٍّ يتطلّب هجراناً، لما اعتدنا عليه وارتحنا إليه. الصليب ضروريّ لأنّه يصقلك، لتصير مرآة صافية تعكس إنسانك الحقيقي الجديد، ذاك الذي على مثال خالقه. 
يقول القدّيس يوحنّا السلّمي، ما معناه: افرح إذا ما وُجد بين إخوتك من هو فظّ وخشن، لأنّه يُخرج من داخلك الأفاعي النائمة، كالغضب والكبرياء والغرور وقلّة الصبر والتحمّل، وضعف المحبّة وضعف القدرة على المسامحة...إلخ. ويقول، في مكان آخر: تكون حوافّ الحجارة حادّة وقاطعة، عند منبع النهر، لكنّها، في طريقها إلى المصبّ، تتكسّر شيئاً فشيئاً، بارتطام واحدتها بالأخرى، بسبب تيار الماء الجارف. وهكذا تنصقل مع الوقت، لتصير حصىً ملساء جميلة، في آخر النهر.
افرح بصليبك، واحمله بشجاعة وصبر، لتذوق جمالات ما خطرت على بالك يوماً.