كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
+ صليب المتعة +

يربط معظم المؤمنين الصليب بالألم والمحن والشدائد، على أنواعها. بينما، قلائل هم الذين يعرفون أنّ الصليب، الناجم عن طلب المتعة خارج الله، أثقل وأقسى من الصلبان الأخرى.
يُنتج صليب المحن شدّة وقوّة وصبراً، ورهافةَ مشاعر وحسّاً إنسانيّاً رفيعاً، إنْ استقبلناه باسم المسيح. كذلك يستجلب نعماً غزيرة. إنّه صليب يقود إلى القيامة، حقّاً وفعلاً. صليب معزٍّ، وتعزيته تجعله عذباً. 
أمّا المتعة، خارج الله، فتسبّب فراغاً قاتلاً، يسعى الإنسان إلى ملئه باسترجاع المتعة إيّاها، والاستغراق فيها، ظنّاً منه أنّه، بالعودة إليها والانغماس فيها، بطاقةٍ أقوى، يتخلّص من الشعور بالضجر والملل، واعتقاداً منه بأنّه يُشبع التوق إلى ملءٍ، يجهل أنّه يطلبه في المكان الخاطئ. لكنّه، في الواقع، يستكشف، شيئاً فشيئاً، استعباد ذاته للمتعة، ويخور أمامها مستسلماً لها، ويائساً من إمكانيّة النجاة منها. وهذا صليب قاتل لا قياميّ.
لماذا يشعر الإنسان بالصليب في المتعة؟ فالمتعة شعور باللذّة والنشوة، وكلاهما بهيج؟ لأنّ الواقع يقول إنّ كلّ انغماس في المتعة، يجلب ألماً وحزناً في أعقابه. فالمتعة وقتيّة، ينتهي وهجها بانتهائها، ليكتشف المرء أنّه كان واهماً، وها قد عاد إلى ما كان عليه وفيه. والشرّير يصوّرها، قبل تنفيذها، واعدةً، محققةً لكلّ المباهج، التي يبحث الإنسان عنها، وملبّيةً ما يطلبه، وجالبةً له السلام الذي يحلم به. لكنّه، في الحقيقة والواقع، يختبر أنّه، ما عاد إلى ما كان عليه فقط، بل عاد ليشعر بفراغ أكبر، وضجر أقسى، ويأس أشدّ سواداً.
ومع ذلك، ولكي يهرب من مواجهة واقعه الجديد هذا، يندفع، في محاولة أخرى، إلى الاستغراق في متعة أبعد. وهكذا يصحّ فيه ما يقوله القدّيس يوحنّا السلّمي: "عاد الكلب إلى قيئه". 
لننظر بهدوء إلى تسلّط متعة أو أكثر علينا. وإذا ما صعب علينا التدقيق في الأمر، فلننظر إلى المدمنين على الجنس أو المخدرات....إلخ. ألم تبدأ الثورة الجنسيّة بالمطالبة بحقّ الإنسان بممارسته، وتحليله له حينما يرغب في ذلك؟ ماذا كانت النتيجة؟ لم يشبع الإنسان ممّا حصّله، فتعدّاه إلى ابتكار فنونٍ في ممارسته، ومن ثمّ اتجه إلى الجنس الأحادي، حتّى بتنا نسمع، بين الحين والآخر، بأنّ حفل زواج قد تمّ بين إنسان وكلب!!! 
يتحدّث القدّيس مكسيموس المعترف عن المتعة العمياء، وهي متعة تغيب عنها رؤية الروح، متعة لا تتطلّع إلى مسؤوليتنا أمام الله والقريب. متعة لا تهتم إلا بإشباع رغبات صاحبها وميوله، باعتباره فرداً، وعلى صعيده الفردي فقط. إنّها متعة أنانيّة بامتياز. تستخدم الجسد لتأمين متطلبات الروح وتحقيقها. فتستعبد صاحبَها الشهواتُ الجسديّة، من جراء انفلاشها فيه، وتجرّه إلى الإفراط فيها، حتّى يصل إلى درجة الإدمان القاتل. 
كلّ المتع التي يطلبها الإنسان خارج الله، تنحو لتكون متعاً عمياء. لا تنظر إلى ما بعدها، بل تكتفي باللحظة الآنيّة. إنّها جسدانيّة بامتياز. فيها يسقط الإنسان في الشهوانيّة من دون أيّ أفق. يسقط في ظلام الأنا التي تنخفض إلى مستوى شهوانيّة لا تجد تعبيراً لها، إلا في العالم المادّي، الذي يزداد، بواسطتها، ثقلاً، ولا يعود يصلح سبيلاً موصلاً الإنسان إلى الحقائق الأعظم.
يمكنك، على سبيل المثال، بجسدك القويّ، أن تخدم، وأن تأتي بأفعال عظيمة، ويمكنك أن تسخّره لمتعك الأنانيّة، غير آبهٍ بغيرك البتّة! عقلك إنْ شغلّته، قد تستخدمه في نثر البهجة في ما حولك، وتطوير سبل عيش أفضل، لك ولغيرك، وقد تستغلّه لتأمين ما هو أفضل لك فقط، ولو على حساب غيرك، وغالباً ما يكون هكذا!
ليست العلّة في الجسد أو المادّة. العلّة فيك، في روحك، في نفسك. ماذا تطلب روحك، وكيف تسعى إلى تأمين متطلّباتها؟ أين الله في حياتك، وكيف يتجسّد إنجيل المسيح فيك؟ وإلى أيّ حدّ أنت مستعد للمضي قدماً مع المسيح؟ 
بينما يستطيع الإنسان أن يرفض المتعة بمشيئته، لا يستطيع، أبداً، أن يتفادى الألم والحزن الناجمين عنها. هو يبقى أمام واحد من خيارين، أحلاهما مرّ. فإمّا أن يهرب منهما، بإلقاء ذاته في طلب المزيد من المتع، وابتكار طرق جديدة في طلبها وتأديتها، إلى أن يذبل الجسد، ولا يعود قادراً على التجاوب مع ما تطلبه نفسه، التي يكتشف، آنذاك، أنّها باتت شهوانيّة، أكثر من جسده بما لا يقاس. آنذاك يفقد التعزية التي قضى عمره في طلبها، فيبدأ بطلبها عند غيره، ليزداد قهراً على قهر. أو أن يستسلم لليأس والكآبة، اللذين يقودانه إلى فَقْدِ معنى الحياة، فيحرمانه من رؤية محبّة الآخرين له، كما يمنعانه من أن يحبّ غيره، فيقضي حياته في عزلة نفسيّة خانقة، ووحدة قاتلة. 
يستطيع الإنسان أن يتغلّب على حزنه، فقط، إذا لمسته نعمة الله، واختبر فرح العيش معه. آنذاك يبدأ بالبحث عن المتعة الحقّة، التي تدوم، وتنبع من داخله، وبالتحديد من حضور الله فيه. حين يستبدل عشقه للأرضيّات بعشقه للإلهيات، يرى أنّه ربح الاثنين معاً، ولكن بعدما يكون قد دخل في خبرة التوبة، التي تعني "تغيير ذهنه". طالما أنّنا ملتصقون بالأرضيّات، يبقى صليبنا أثقل من أن نحمله، إلا إذا قابلنا الله، الذي ينتظرنا عند كل مفترق طرق، محاولاً تحريرنا، وفاتحاً يديه لمعانقتنا.
يغيّر توقنا إلى الإلهيّات، إلى حضور الله فينا، نظرتنا الداخليّة إلى كلّ شيء، فيصير لكل شيء معنى مختلف. هذا لا يتحقّق من دون تعب، أو صليب. فإلى أن يتحرّر الإنسان من استعباده للأرضيّات، يختبر التجارب والأتعاب، صلباناً محرِّرةٍ ومانحة للحياة. وهكذا يترقّى من حالة إلى أخرى أسمى، حتّى يبلغ الحالة التي يصفها الرسول بولس بهذا الكلام الجميل: "يشتدّ علينا الضيق من كلّ جانب ولا ننسحق، نحار في أمرنا ولا نيأس، يضطهدنا الناس ولا يتخلّى عنّا الله، نسقط في الصراع ولا نهلك"(2كو4/8-9).
يمنع الصليب ميول العالم والجسد الأساسيّة من التضخّم، لكنّه يمنحها، أيضاً، إمكانيّة التجلّي، والعبور بالصليب إلى الرؤى الحقيقيّة، والحريّة الكاملة، فيصحّ فينا وصف الرسول: "مجهولين ونحن معروفون، مائتين وها نحن أحياء، معاقَبين ولا نُقتَل، محزونين ونحن دائماً فرحون، فقراء ونغني كثيراً من الناس، لا شيء لنا ونحن نملك كلّ شيء"(2كو6/9-10).
يعلّمنا آباء الكنيسة أنّ من يتغذّى بالصليب يتغذّى من شجرة الحياة.