كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
+صليب الجهاد الروحي
++وحده المسيح حمل الصليب بغير ذنب. 
الإنسان، في واقعه الساقط، خليط من الشرّ والخير، من القداسة والنجاسة، من الطهارة والدنس، من البراءة والذنب. فالطهارة فيه موجودة إلى جانب عدم الطهارة، والبراءة مع الذنب. يحمل، في كيانه، كمخلوق على صورة الله، الميل إلى الخير، والتوق إلى عيشه بملئه. ويحمل فيه أيضاً، كمخلوق قد سقط، الميل إلى الشرّ، والانجذاب إلى الرسوخ فيه. فيه طبيعتان تتصارعان. يتوق إلى مصدر لا يعرفه، غالباً، ولا يدركه، إلا عبر المحسوسات، وهذه بدورها كثيراً ما تضلّله عن الهدف الأصلي، وتلهيه عنه بها، فيخضع تارة لها، وتارة ينتفض عليها، وعلى ذاته، راغباً في تحقيق ذاته، والوصول إلى ملء الحياة. 
"لا أفهم ما أعمل، لأنّ ما أريده لا أعمله، وما أكرهه أعمله. وحين أعمل ما لا أريده، أوافق الشريعة على أنّها حقّ. فلا أكون أنا الذي يعمل ما لا يريده، بل الخطيئة التي تسكن فيّ؛ فإرادة الخير هي بإمكاني، وأمّا عمل الخير فلا. فالخير الذي أريده لا أعمله، و الشرّ الذي لا أريده أعمله. وإذا كنت أعمل ما لا أريده، فما أنا الذي يعمله، بل الخطيئة التي تسكن فيّ" (روم 7/14-20).
ويأتي الصليب إلينا، بسبب إخفاقنا، بالذي نسمّيه خطيئتنا. فالخطيئة بمعناها الروحي، تعني "أخطأ الهدف". هذا هو معنى لفظة "خطيئة" في اللغة اليونانيّة، وفي العربية أيضاً. كثيراً ما يخطئ الإنسان الهدف، بسبب التشويش الناشئ، في داخله، عن الخلطة بين النور والظلام، أو بكلام آخر، بين حضور عدم الطهارة، فيه، ضمن الطهارة، التي يعطيه المسيح إيّاها.
هنا يكمن الصراع الداخلي في الإنسان. يعيش في داخله صراعاً عنيفاً بين الخير والشرّ. فالإنسان قادر على أن يصير من كبار الأخيار، وبالمقابل قادر، أيضاً، على أن يصير من كبار الأشرار. ينهكه هذا الصراع أحياناً، فيميل، يائساً، إلى الرضوخ إلى واقعه. لكن نفسه لا ترتاح، وتظل تصرخ، ولو بصمت، طالبة استقراراً وسلاماً مفقودين، فيتحرّك ما فيه من الله، فيمتلئ حماسة وتصميماً، بخاصّة، إذا ما ذاق، من حين إلى آخر، بعضاً من فرح انتصاره للنور الإلهي، الذي يغذّيه المسيح فيه. 
في صراعه الداخلي هذا، لا يصارع الإنسان نفسه فقط، بل قوّات الشرّ الروحيّة أيضاً، الشياطين. لأنّ "مصارعتنا ليست مع لحم ودم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحيّة في السماوات"( أفسس 6/12). لذلك يكتسب، المجاهد، روحيّاً، بنعمة الله، وبثباته، قوّةً ومناعةً إلهيتين ضدّ الشرّ، تحرّرانه منه بالكليّة، ليشعّ خيراً وبهجةً وسلاماً، أينما حلّ وحيثما وُجد. 
يزداد ثقل صليب المؤمن بمقدار ما يحارب الشرّ فيه، وقد يتساءل، أحياناً، لماذا هذا الجهد؟ ولماذا هذا الصليب لي أنا بالذات؟ وفي اختباره إرهاقاً قاسياً قد يظن أنّ الله يعاقبه على ذنب أو أكثر قد اقترفه. لكنّه بعدما يجتاز إحدى جولات هذه الحرب الروحيّة، ويأتيه الله بلمسة تعزيةٍ إلهيّة منه، ينسى كلّ تعبه، ويتشجّع على متابعة هذا الصراع، حتّى يقضي على جذور الشرّ فيه. يستعذب هذا الجهاد الداخليّ، لأنّ ما يذوقه من فرح، بالانتصارات التي يحقّقها، وبالتعزيات الإلهيّة وافتقادات الله له، لا يمكن أن يُقارَن بمباهج الأرض، على أنواعها. 
ذات ليلة، صارع القدّيس أنطونيوس الكبير الشيطان حتّى هزمه. وعند الفجر، ظهر له السيّد، متجلبباً بالنور، وهو ينظر إليه برقّة. فصرخ القدّيس إليه: "أين كنت طوال الليل يا ربّ، وأنا في هذا العراك؟". فأجابه الربّ بعذوبة: "كنت إلى جانبك أشدّدك، وأفرح لانتصاراتك، يا أنطونيوس".
صليب هذا الصراع صليب تنقية وتطهير ونموّ ونضج، بامتياز. لا ينضج الإنسان إلا بالتجارب. لذلك كان بعض الآباء يحزنون عندما تغيب التجارب عنهم لفترة طويلة، معتبرين أنّ الله لم يعد يفتقدهم. 
نحمل صليبنا هذا من أجل نموّنا، نحن، في الكمال، بينما المسيح قد حمله، لا من أجل نفسه، بل من أجل الآخرين، حصراً، من أجل كمالهم، ومن أجل خلاصهم. لذلك، عندما يعتبر المؤمن صليبه مشاركة في صليب المسيح، يتغيّر معناه، من صليب ألم إلى صليب قيامة وحريّة ونضج ومجد.
يمكن لصليبنا أن يستنير بقوّة بصليب المسيح، الذي حمله، وهو الكليّ الطهارة والبراءة، وهو الذي سيقيمنا، إذا لم نبقَ راتعين في ضعفنا. إنّ كمال طهارة المسيح وبراءته، مفعم بالقوّة الفاعلة، التي كُشفت في حقيقة حمله الصليب، محبّةً غامرة للبشر. وحيث إنّه ما من شرّ في المسيح، على الإطلاق، فإنّ قوّة صليبه وقوّة محبّته تبسطان ذاتيهما أمام البشر، الذين يريدون أن يفتحوا قلوبهم له، هو الذي تألّم من أجلهم.
من خلال صليب المسيح تصل هذه القوّة إلى الطبيعة البشريّة، إلى كلّ الذين يسعون إلى الاتّحاد بالمسيح. لذا يحبّ المسيحيّون الصليب كثيراً، ويرتبطون به ارتباطاً وثيقاً. ليس بإمكانهم التخلّي عنه، لأنّهم، بتخلّيهم هذا، يرفضون كلّ نموّ وتقدّم في مسيرتهم الروحيّة، على درب القداسة. غيابُ الصليب غيابٌ للمسيح العامل والفاعل في الإنسان، والمرافق له إلى الحياة الحقّة والأبديّة. للصليب قوّة مخلِّصة. هو صليب لا أحمله فقط بسبب خطاياي، بل على مثال المسيح، بسبب خطايا الآخرين أيضاً.
الإنسان الذي يعرف عثراته، ويعي ذنبه تجاه الآخرين، لن يفشل في أن يصبح إنساناً حقّاً. من يقبل أن يعترف بذنبه، يعِ مسؤوليّته الشخصيّة، ويدرك عدم كفايته في عمله، فيتطلّع، دوماً، إلى الأفضل، ولا يتوانَ عن تحمّل مشقّات مسيرته نحو الكمال في كل شيء.
لكن إذا لم يدرك الإنسان أخطاءه، فلن يعي مسؤوليّته، إلا بصعوبة فائقة. برفضه الاعتراف بأخطائه، يُظهر الإنسان رفضه لدور الشريك المسؤول في الحوار والعلاقة مع الله، ويتصرّف كمن لا يعترف، البتّة، بأنّ الله مرسلٌ له كلمة، وهو مدعوّ إلى الاستجابة لها.
ثمّة صليب آخر هنا، إنّه صليب الأنانيّة والجهل؛ صليب لا يتقصده الإنسان، لكن جهله يحمّله إيّاه، ويجعله من دون رجاء. ألم الإنسان الأناني، المتمركز على ذاته، أشدّ من ألم الإنسان الواعي مسؤوليّته، والراغب بتطوير ذاته ورقيّها. في رفضنا حمل المسؤوليّة، نقفز فوق الخطيئة، لأنّ حقيقة العالم وحقيقة شخصنا تعاش، بملئها وبشكل سليم، فقط، عندما نكون واعين لمسؤوليّتنا وأخطائنا، وراغبين في أن نحمل صليبنا بوعي وإدراك. 
قيل في أمثالنا: "من طلب العُلى سهر الليالي". من رامَ الحياة الجديدة، ارتضى لذاته حمل صليب خلع الإنسان القديم، ليبلغ، بالمسيح، إنسانه الجديد.