كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

ثمّة خطر دائم يهدّد الكنيسة من الداخل؛ إنّه الانشقاق. كثيرون يستسهلون الانفصال، منهم مَنْ يعتبر نفسه الأمين الوحيد، على وديعة الإيمان المسلّمة للقدّيسين، ويشكّك في إيمان غيره، ويدين الكنيسة برمّتها. 
لا شكّ في أنّ زمننا، ولأسباب كثيرة، لا مجال لتفصيلها في هذا المقام، بات يشهد عودة إلى الانغلاق والتزمّت، اللذين يسهّلان اتّهام الآخرين بالهرطقة، على جميع الصعد، والدينيّة منها بخاصّة.
أبسِّط، في هذه العجالة، بعضاً ممّا ورد على لسان الشيخ أفرام الآثوسي، في حديث له مع بعض من أبنائه الروحيين، حول إدانة أتباع التقويم القديم للكنيسة الأرثوذكسيّة، وقطع شركتهم معها.
تتلمذ الشيخ أفرام على يدي الشيخ يوسف الهدوئي، المعروف بصرامة نسكه. كان الشيخ يوسف يطلب من تلميذه أفرام أن يأكل جيّداً، لأنّه سوف يشهد للمسيح بقوّة، وسوف يعظ أمام كثيرين. ما كان الشيخ أفرام يفهم ما يقوله شيخه الروحي له آنذاك. لكنّه عرف، في ما بعد، أنّ الربّ يدعوه إلى تأسيس أديرة هدوئيّة في أميركا الشماليّة.
أطلق الشيخ أفرام نهضة روحيّة، بدءاً من تسعينيّات القرن الماضي. فقد أسّس سلسلة أديرة، رجّاليّة ونسائيّة، بلغ عددها عشرين ديراً، في الولايات المتحّدة الأميركيّة وكندا. يُعتبر دير القدّيس أنطونيوس الكبير، في أريزونا، الدير الرئيس، لذلك بات الشيخ يُعرف بأفرام الأريزوني.
الشيخ أفرام أب روحيّ رفيع، يشهد له جميع آباء العالم الأرثوذكسيّ، وفي مقدّمتهم رهبان جبل آثوس.
وقعت على حديث طويل للشيخ أفرام، يتناول فيه، مع عدد من أبنائه الروحيين، قضية التقويم القديم، التي هزّت، ولا تزال، الكنيسة الأرثوذكسيّة في عشرينيّات القرن الماضي. فبعدما اتّبعت بعض الكنائس الأرثوذكسيّة، ومنها الأنطاكيّة، التقويم اليولياني المصحّح (الغربي) في الأعياد المتنقّلة، انشقّ، عن الكنيستين اليونانيّة والقبرصيّة، عدد من الذين رأوا في تغيير التقويم هرطقةً توجب الانفصال عن الكنيسة.
هؤلاء، اليوم، مع بعض من المنشقّين، في أميركا، عن الكنيسة الروسيّة، التي لا تزال تتبع التقويم القديم في روزنامتها الطقسيّة، يلتقون على تحريك هذه القضيّة في بعض الكنائس، ومنها الأنطاكيّة. قوم لا يأبهون لشقّ ثوب المسيح، ويستغلّون أيّ حدث إشكاليّ في الكنيسة، ليبدأوا ببثّ روح الإدانة والإعثار والتشكيك، بين المؤمنين الأتقياء، وبخاصّة الذين لا يتمتعون بمعرفة لاهوتيّة كافية. إلى ذلك يركّزون، بشكل أو بآخر، على مهاجمة رموز الكنيسة الكبار، من الأساقفة وغيرهم، وإظهارهم بمظهر الخونة للإيمان الأرثوذكسي وللتقليد الرسولي، بغية زعزعة ثقة البسطاء بكنيستهم، تمهيداً لفصلهم عنها في وقت لاحق.
يُسمّى أتباع التقويم القديم، في اليونانية، بالمتزمّتين. هؤلاء يعتبرون الكنيسة الأرثوذكسيّة اليونانيّة، وسائر الكنائس الأرثوذكسيّة التي اتبعت التقويم الجديد، هرطوقيّة، ولا يعترفون بشرعيّة حياتها الليتورجيّة والأسراريّة. حتّى إنّهم لا يعتقدون بقداسة القدّيس نكتاريوس العجائبي، ويكتبون ضدّه، لأنّ البطريركيّة المسكونيّة، وهم منشقّون عنها، أذاعت إعلان قداسته!!
أترك المجال لكلام الشيخ أفرام، الذي يمكن لمن يريد قراءته كاملاً، بالإنكليزيّة، الوصول إليه بفتح الرابط التالي:http://orthochristian.com/91448.html
جاء في حديث الشيخ أفرام: "حدثّني، مرّة، كاهن راهب فاضل وتقيّ، في دير ستافروفوني، (يعتبر بمثابة آثوس قبرص)، عمّا فعل به أحد الآباء الرهبان المتزمّتين من أتباع التقويم القديم. وكان هذا الراهب، واسمه يوحنّا، قد فرّ من إسقيط (قرية نساك) القدّيسة حنّة، في آثوس، وأتى إلى قبرص. هناك حاول أن يخلق مناخاً مؤيّداً للتقويم القديم. زار هذا الراهب دير ستافروفوني، وبدأ يمدح، أمام آباء الدير، أتباع التقويم القديم، ويهاجم الكنيسة القبرصيّة. فاعتبر أنّ القداديس المقامة في دير ستافروفوني ليست شرعيّة، وكذلك الأسرار التي يتمّمها آباء الدير ليست أسراراً شرعيّة، أي لا يعمل الروح القدس فيها. [ذلك لأنّ الدير في شركة مع الكنيسة الأرثوذكسيّة القبرصيّة].
داخل الشكّ هذا الكاهن الراهب، وبدأ يتأرجح بين الشكّ واليقين، بخصوص كلام يوحنّا. إلى أن حدث مرّة، وهو يخدم القدّاس، وفيما كان يستعد لتقسيم الحَمَل المقدّس، فإذ به يرى الخبز المقدّس، وقد تحوّل إلى لحم. فسجد وبدأ يبكي، ويلوم ذاته لأنّه، بشكّه، تسبّب بحرمان المؤمنين من المناولة المقدّسة، كونه لن يستطيع أن يناولهم لحماً. لكنّه، بعد قليل، وفيما كان يرفع رأسه، إذا به يرى اللحم وقد عاد خبزاً. فشكر الربّ، وعرف أنّ ذلك المتزمّت كان على ضلال، وأنّ قوله هراء أمام الله.
ويتابع الشيخ أفرام حديثه ليقول بأنّ أتباع التقويم القديم، قد جعلوا الأمر "أذيّة عقائديّة وكنائسيّة"، بينما هو ليس عقائديّاً، بل أمر كنسيّ، يتعلق، ببساطة، بقضية تقويم، لا أكثر. 
ويشرح بالتفصيل انقسام حزب التقويم القديم في ما بينهم. فيقول: "نرى، الآن، في اليونان، عدّة أجسام كنسيّة لأتباع التقويم القديم". ثمّة أكثر من مجمع، وأكثر من رئيس أساقفة لهم. لأنّهم قد تشتّتوا إلى عدّة فرق. ويستشهد برئيسهم الأوّل أسقف فلورينا، الذي رفض أن يرسم لهم، قبل موته، أسقفاً يخلفه، لأنّه أدرك خطأه، وطلب من الربّ أن لا يُقم له خطيئته، كونه زاغ عن الطريق الحقّ، وانشقّ عن الكنيسة بسبب التقويم. ويتابع الشيخ أفرام كلامه بالتفصيل، وبالأسماء، مظهراً اللاشرعيّة الرسوليّة التي لجأ إليها بعضهم، لكي يرسموا أسقفاً يسوس هذه الجماعة. 
يستشهد الشيخ بقول للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "إنّه لمن الأفضل لك أن تكون على خطأ، وأنت ضمن الكنيسة، على أن تكون دقيقاً وأرثوذكسيّاً خارج الكنيسة". ويشرح الشيخ أفرام معنى قول القدّيس هكذا: "إنّه من الأفضل أن تكون على خطأ بشأن التقويم، وأنت في الكنيسة، على أن تتظاهر بأنّك أرثوذكسيّ، أو حتّى سوبر أرثوذكسي، وأنت خارج الكنيسة، وتجعل للأمر بعداً عقائديّاً، بقولك إنّ الأسرار الإلهيّة غير شرعيّة، وتحكم على غيرك بعدم الخلاص".
ويتابع قائلاً: "منذ سنوات مضت، كنت في أثينا لعمل ما، ومضيت إلى مكتب رئيس أساقفة التقويم القديم، اكسانتيوس، وكان معه أسقفان. حالما رآني رئيس الأساقفة، الذي أعرفه جيّداً، قال لي: "أيّها الأب أفرام، لا تعظ بأنّ أتباع التقويم الجديد يمكن أن يخلصوا". فأجبته: "سامحني، صاحب الغبطة، لن أعظ كفراً؟ أبداً... ". فقال: "لا..أنا لا أؤمن بأنّ أسرار الكنيسة (يقصد الأم) غير شرعيّة"، ومضى. فبقيت مع الأسقف أكاكيوس الشابّ، الذي بدأ يقول لي جملة من الأشياء ويتهّم الناس. وقال لي: " أيها الأب أفرام، أنا أعيد مسح الذين أتوا إليّ ممن كانوا على التقويم الجديد، بالميرون. ولا أذكر إذا ما ذكر أمامي أنّه يعيد معموديّتهم".
"فقلت له: سيدنا أنت على خطأ. فغضب وبدأ يضرب كفّاً بكفّ، قائلاً: كيف أكون على خطأ؟ فأجبته: يجب أن تكون، باعتبارك أسقفاً، عارفاً بأنّ إعادة المسح بالميرون، تتم فقط في حالة عودة المؤمن إلى الكنيسة، بعدما يكون قد تركها وأنكر إيمانه، معلناً إلحاده أو متبعاً هرطقة ما. ولا يوجد في الحالة التي تتحدّث عنها لا هرطقة ولا نكران للمسيح، فكيف تعيد مسحهم بالميرون المقدّس؟".
ويختم الشيخ حديثه بالقول: "أريد أن أقول بأنّ حركة التقويم القديم بدأت أرثوذكسيّة ومستقيمة، لكنّها، وببطء، تحوّلت إلى جسم خطر. وهي اليوم جرح جدّي في الكنيسة الأرثوذكسيّة، لأنها انفجرت متحوّلة إلى شظايا متنوعة. قبل مغادرتي جبل آثوس، وصلنا كتيّب من أميركا، يقول بأنّ جماعة التقويم القديم، التابعة للأسقف متّى، الذي وصل إلى أميركا، قد صار عندهم بطريرك مسكوني! 
من له أذنان للسمع فليسمع.