كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

يذكر ربيع جابر في روايته "دروز بلغراد"، مراراً، مباشرة وتلميحاً، طيبة الشعب الصربي. لكن القراءة عن خصال شعب ما شيء، والاحتكاك الشخصي به شيء آخر. في زيارتي، وبعض الإخوة المطارنة، لصربيا، لمسنا هذه الطيبة لمس اليد. تجدها في كرم الناس واستقبالهم وضيافتهم، كما تجدها في فقرهم المقرون بعفّة النفس وعدم الشعور بعقدة الدونيّة، والاعتذار عن قبول المساعدة التي تعرضها عليهم. لم نشعر بأنّنا ضيوف مرَحَّبٌ بهم، بل بأننا في عائلتنا الواحدة. فاستقبالهم لنا تجاوز، بما لا يُقاس، آداب الضيافة وواجباتها.
انتقلت يوغوسلافيا السابقة، كما بلدان المعسكر الاشتراكي، من نظام ملكيّة الدولة لكلّ شيء، إلى نظام السوق الحرّة، فجأة ودونما مرحلة انتقاليّة. فخسر الناس كلّ ما كانت الدولة تؤمّنه من خدمات مجانيّة للشعب. ووجدوا أنفسهم، فجأة، أمام واقع لم يألفوه، ولم يهيّئوا أنفسهم له. ناهيك عن عيشهم السابق بحسب مبدأ "خبزنا كفافنا". فعمّ الفقر عند عموم الشعب، وظهرت مظاهر الثراء عند القلّة منه. 
ترافقت تداعيات هذا التغيّر باشتعال الحرب وتفتيت البلد إلى ست أو سبع بلدان. تشكّل صربيا الحاليّة قلب يوغوسلافيا السابقة، والبلد الأكثر فقراً فيها. 
وعلى الرغم من مآسي حرب التسعينيّات، تشهد الكنيسة فيها اليوم نهضة عمرانيّة، على الصعيدين البشري والحجري. ثمّة تماهٍ تامّ بين الهويّة الروحيّة والهويّة الوطنيّة، فإنّك إذا محوت الهويّة الأرثوذكسيّة للشعب،تمحو هويّته الوطنيّة. هذا يفسّر بعض مظاهر التآلف والتعاون القائمين بين الدولة والكنيسة، وإن كانت كلاهما لم تتخلّصا، بعد، من تأثير الفكر الإلحادي، اجتماعيّاً، عليهما.
تساهم الدولة هنا وثمّة في بناء الكنائس، لكنّها لم تُعِدْ للكنيسة جميع أملاكها حتّى الآن، كما إنّها لا تسمح للكنيسة بالعمل في المجال الاجتماعي والإنمائي. ما يفسّر، جزئيّاً، عدم دخول الكنيسة ميدان الخدمات في الحقل الاجتماعي، كالتربية والتعليم والعمل الاجتماعي المؤسّساتي. وفي الوقت ذاته، لا ترى الكنيسة هذا الأمر ضروريّاً. وكأنّ وجدان قادتها وشعبها لا يزال يعتبر الخدمات الاجتماعيّة من مهامّ الدولة فقط. يشجّع الكنيسة على هذا الموقف، اقتصار تعاطي الشعب المؤمن مع الكنيسة على البعد الروحي فقط. استغرب عدد من الشباب حديثنا معهم حول دور الكنيسة الاجتماعي. يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن دعم الكنيسة بشريّاً ومادّياً، وهي بدورها تؤمّن لهم الخدمات الروحيّة. لذلك يرفضون أن يأخذوا منها شيئاً مادّياً، معتبرين أنّ واجبهم يقضي بإعطائها لا الأخذ منها. 
تضمّ كليّة اللاهوت في جامعة بلغراد 1500 طالبٍ، بالإضافة إلى ست مدارس لاهوتيّة في الأبرشيّات. ويعود أحد أسباب إقبال الشباب على الكهنوت إلى تمتّع الكاهن بمستوى معيشي مقبول، إذا ما قورن بأيّ مهنة أخرى. علماً بأن الكاهن لا يتقاضى راتباً، وإنّما يعيش من الشعب مباشرة!!
تجاوب أحد أهمّ المطارنة اللاهوتيّين بجديّة مع سؤالي حول حاجة الكنيسة إلى تفعيل خدمة الشموسيّة في عالمنا المعاصر. وبدا متأثراً بجديّة كاملة بسؤال وجّهته له في هذا المجال. فيما مطران آخر نَشِطٌ رعائيّاً أجاب بأنّ الأولويّة، حاليّاً، تتركّز على تأمين الخدمات الليتورجيّة، والقدّاس الإلهي بخاصّة، للشعب المؤمن. كرّس هذا المطران خمساً وثمانين كنيسة في أبرشيّته، خلال خمس عشرة سنة من خدمته أسقفاً فيها!! وهو يقيم القدّاس الإلهيّ يوميّاً، في كنائس رعاياه، وفق برنامج يغطي السنة، فيزورها جميعاً.
تذهلك تقوى الشعب المؤمن عندهم، خاصّة طريقتهم في طلب البركة من الأسقف. لا يكتفون بتقبيل الأيقونة أو الصليب الذي يحمله، يريدون البركة من اليد مباشرة. كنائسهم مفتوحة طوال النهار. ولم تخلُ كنيسة دخلناها من عشرات من المؤمنين الذين يضيئون الشموع ويقبّلون الأيقونات، أو يقفون في زاوية مغمورة وهم يبتهلون. كلّهم يقبّل أيقونة قدّيس الكنيسة، الموضوعة في الوسط، ويضع ما تيسّر له من تقدمة ماليّة بسيطة أمامها. 
سألنا عن مدخول الكنيسة الرئيس، فأتانا الجواب: من الشموع، التي تضاء في الكنائس، ومن تقدمات المؤمنين. ما خلا بعض الأديرة، التي استطاعت استعادة بعضٍ من أراضيها، التي صودرت إبّان العهد الشيوعيّ، لا تملك الأبرشيّات مشاريع زراعيّة أو تنموية أو إنتاجيّة. بعض هذه الأديرة بدأ باستثمار الأراضي المستعادة. أسّس أحد أديرة أبرشية "نوفي ساد" ضيعة جديدة، من جرّاء تأمينه فرص عمل للفلّاحين، الذين استقدموا عائلاتهم معهم، وذلك باستثمار أراضيه. 
جميع الأديرة منتجة. بعضها ممّن تقطنه وفرة من الرهبان ينتج أجباناً وألباناً ومشروبات ومأكولات، فيساهم في تأمين معيشته ومعيشة كثير من العمال وعائلاتهم. غير أنّ أكثر الأديرة يعاني شحّاً في عدد الرهبان أو الراهبات، إذا ما قورن عددهم الحالي بمساحة الدير. غير أنّ طلائع نهضة رهبانيّة هدوئيّة ناضجة، تتبلور، بوضوح، في غير أبرشيّة. ذكّرتنا بعض هذه الأديرة الهدوئيّة بالنهضة الرهبانيّة، التي بدأت كنيستنا الأنطاكيّة تشهدها، بدءاً من ستينيّات القرن الماضي. 
تتعجّب من كبر الأديرة الجديدة، وتتساءل متى وكيف تأمّن المال اللازم لبنائها؟ فيأتيك الجواب خَفِراًغير واضح: إنّها نعمة الله التي لا ندري كيف ترعانا. أمّا الكنائس، المبنيّة جميعها على الطراز المعماري المحليّ، المتعدّدة الأبراج والقباب، والمتفاوتة المساحات، فجميع جدرانها الداخليّة مغطّى بالأيقونات المرسومة على أجمل ما يكون من فن الأيقونة الأرثوذكسي. إلى ذلك يوثّقون تاريخهم وتراثهم على جدران الكنائس. ثمّة أيقونة جداريّة كبيرة، في إحدى الكاتدرائيات، لأربعين ولداً مع كاهنين في وسط اللهيب. إنّها تذكار شهداء أحرقهم العثمانيّون في مدرستهم القريبة من موقع الكاتدرائيّة. في كنيسة أخرى تجد رجلين بثياب مدنيّة معاصرة وهما يقدّمان مجسّم الكنيسة للقدّيس يوحنّا المعمدان. إنّهما وزير الدفاع وأخوه اللذان تبرعّا بهذه الكنيسة على اسم المعمدان. وفي كنيسة رائعة الجمال، في أبرشيّة أخرى، لفتتنا أيقونة قدّيسة شابّة بالثوب الفولكلوري التراثيّ المحليّ.
لا يتساءل المؤمنون عندهم، كما يفعلون عندنا، حول جمال الكنائس وتكلفته. رغبتهم في تمجيد الله بالفن والجمال أقوى من أيّ شيء آخر، وإلا لما استطاعوا تشييد كمٍّ هائلٍ من الكنائس المكتملة الجمال، في هذه الفترة القصيرة من السنين. العبادة ركيزة حياتهم الأساسيّة. لا مقاعد في كنائسهم. يؤدّون الصلاة وقوفاً. يقفون ساعات بورع واستغراق في الصلاة. ويتابع الكثيرون منهم سهرانيّات ليليّة قد تدوم ثماني ساعات وقوفاً!!!
يعود رسوخ الإيمان وثباته عندهم، على الرغم من الاضطهاد المستمرّ والشدائد المتلاحقة، إلى البيوت العامرة بالتقوى، التي خرّجت قدّيسين. ذكر أحد المطارنة اللاهوتيّين أنّ الفضل في حفظ الإيمان وثباته يعود إلى عشرة قدّيسين ظهروا في القرن العشرين. تجد أيقوناتهم في جميع الكنائس الجديدة، كما ترى التفاف الشعب حولهم حتّى الآن في حركة زيارات الحجّ المستمرّة إلى الأديرة، التي تحفظ ذخائرهم في كنائسها. هذه الذخائر معروضة أمام المؤمنين للتبرّك والتشفّع.
كنيسة معزّية ومشدِّدة. إنّها نموذج يبعث الرجاء في أعجوبة القيامة الدائمة من تحت ركام الحروب والمحن. كنيسة شاهدة لعمل الله وتأثيره في التاريخ، إذا ما كانت له الأولويّة، حقّاً، في قلوب من حملوا اسمه.