كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
القدّيسون إنجيل حيّ. يقرأ المؤمن في سِيَرهم الإنجيل تطبيقيّاً. ويتعجّب، كلّما ازداد في عشرته لهم، من كثرة المواهب وتعدّدها وغناها. فكلّ قدّيس (أو قدّيسة) تمتّع بموهبة مميّزة أو أكثر؛ وكلّ منهم زرع في الأرض شهادةً حيّةً، للربّ يسوع المسيح، تتناسب والزمن الذي عاش فيه، والتحدّيات المطروحة على المؤمنين آنذاك. وقراءتهم ليست استنساخاً حرفيّاً لما تعاطوه وتصرّفوه، بقدر ما هي التقاط للروح الإلهي، الذي فعل فيهم وقدّسهم، وذلك عبر الاقتداء بمحبّتهم للربّ وأمانتهم له. ما عاشوه وسلكوا فيه انعكاسٌ لتسليمهم أنفسهم للرب بشكل تامّ. تشحن عشرتهم المؤمنين بحبّ الله والبشر، كما تقوّي دافع الاقتداء بهم، والتمثّل بمحبّتهم للربّ والإنسان.

ثمّة قدّيسون كثر غير معروفين عند غالبية المؤمنين في بلادنا، كالقدّيس قُزما الإيتولي، الذي يُعتبر واحداً من الشخصيات الأكثر أهميّة وجاذبية في القرن الثامن عشر، وفي اليونان تحديداً، حيث وُلد وعاش. وقد عُرف القدّيس باسم قُزما الإيتولي نسبة إلى مسقط رأسه، مقاطعة «إيتوليا»، الواقعة غرب اليونان. أمّا معاصروه فقد اعتادوا على مناداته، ببساطة، «أبونا قُزما».
محبّته واهتمامه بالناس العاديين، وعمله الدؤوب لخدمتهم، وتبشيره الصادق والعلني، مع تواضعه وشخصيته ذات الخلُق الرفيع والشجاع، ومحبّته ليسوع المسيح، وتكرّسه الكامل له، كلّ ذلك أكسبه ألقاب «المعادِل للرسل»، و «معلّم الأمّة اليونانيّة»، و«رسول الفقراء». وساهمت نبوءاته، التي تحقق الكثير منها، في ازدياد شعبيّته.
يظهر تأثير الأب قُزما على الناس ــ علمانيين وإكليريكيين ــ في اعتبارهم إيّاه قدّيساً، قبل موته بسنوات كثيرة. ويعود سرّ نجاحه، أولاً، إلى أنّه لم يبشّر بالإنجيل فقط، بل عاشه بطريقة جعلت قلوب الناس الذين يسمعونه تتحرّك وتتبع خطواته. 
يصف أحدّ الكتّاب عمله في جزيرة «كيفالونيا»، فيقول: «وصل المتوحّد والأب الراهب قُزما إلى جزيرة كيفالونيا في العام 1777. وبشّر أولاً في المناطق الريفيّة، ومن ثمّ في المدينة. لقد تبعه ألوف السكان من كلّ طبقة وجنس. سبّب تقشّف عيشه، وبساطة كلماته الإنجيليّة، وقوّة حججه، تحوّلًا في حياة الكثيرين. فالعائلات التي كانت متعادية صارت متحابّة كالإخوة، وتتبادل قبلات السلام، وتسأل بعضها بعضاً المغفرة. أمّا الرجال، الذين ارتكبوا جرائم خطيرة، فكثيراً ما شوهدوا يبكون خطاياهم بمرارة. وكم من الزيجات الفاشلة، بسبب الخصومات الكثيرة، عادت وانصلحت. كذلك، بغايا كثيرات هجرن عملهن المعيب وعُدْنَ ممتلئات توبةً وتعقّلاً، وسيّدات شابّات، من أكثر الطبقات غِنىً، تخلّين عن مجوهراتهن القيّمة للفقراء أو الكنائس. حيثما مرّ القدّيس توقفت مرافعات المحكمة، وأُعيدت المسروقات إلى أصحابها. وارتدّ كثير من الأشرار عن شرّهم، وسلكوا في الحياة الرهبانيّة تابعين المبشّر. باختصار، لقد تغيّر مظهر الجزيرة كلّياً».
ولد الأب قُزما في قرية جبلية تدعى «Mega DendKron» (الشجرة العظيمة)، في العام 1714، من أبوين سكنا مقاطعة «إيتوليا»، بسبب عملهما حائكَين. واعتمد هناك باسم كوستاس. وظلّ يعمل مع والديه حتّى بلغ العشرين من عمره. حتى تلك السن لم يكن قد تلقَّى سوى ثقافة بسيطة جداً. سبّبت له ثقافته البسيطة ألماً وحزناً، بسبب عدم قدرته على قراءة الإنجيل، الذي كان يحبّ جدّاً سماعه في الكنيسة. لذلك قرّر أن يغادر قريته وأهله ليحصّل علمه.
درس أولاً في مدرسة في إحدى القرى. وانتقل في ما بعد إلى مدرسة أخرى، حيث درس على يد معلّم مشهور، وأظهر بعد أربع سنوات تقدّماً ملحوظاً في دراسته، حتّى إنّه عُيِّن أستاذاً مساعداً في المدرسة عينها. 
لم يقصر نفسه على التعليم فقط، بل غالباً ما كان يعظ في الكنيسة، معطياً بذلك شعوراً مسبقاً لما سيكون عمل حياته في ما بعد.
انتقل من تلك المدرسة إلى أخرى أرفع مستوىً. هناك درس اليونانية واللاهوت وشيئاً من الطبّ. وقد كان علم الطبّ مساعداً عظيماً له، في ما بعد، خلال عمله بين الفقراء والأمّيين، الذين شعر بالدعوة لخدمتهم. 
لا نعلم كم بقي الأب قُزما في تلك المدرسة، ولا نعرف تفاصيل عن حياته خلال السنوات العشر التي تلت إقامته هناك. فقلّما كان يتكلّم عن نفسه، بسبب تواضعه الجمّ. أمّا كاتب سيرته، تلميذه سافيروس كريستوذوليدس، فقد صبّ اهتمامه على تعليم القدّيس والمعجزات التي رافقت تبشيره، أكثر ممّا اهتّم بتفاصيل حياته الشخصيّة.
شعر القدّيس، مرّةً، بضرورة تقديم نفسه إلى مستمعيه، فقال: «مسقط رأسي الأرضي الباطل والعديم الثمر هو إقليم «أرتا»، في مقاطعة «أبوكورو». أفراد عائلتي مسيحيّون أرثوذكسيّون أتقياء. ومع ذلك، أيّها الإخوة، فأنا رجل خاطئ، وأسوأ من أي ّشخص. لكنّني خادم لربّنا يسوع المسيح الذي صُلب... تركت مسقط رأسي منذ خمسين سنة، وسافرت إلى أماكن كثيرة... وخصوصاً إلى القسطنطينية. لقد قضيت الفترة الأطول في الجبل المقدّس (آثوس)، سبعة عشر عاماً، حيث كنت أبكي على خطاياي».
نعلم بأنّ الأب قُزما ذهب إلى جبل آثوس في العام 1749، لكي يتابع دروساً في الأكاديميّة اللاهوتيّة، التي أسّسها هناك، في العام نفسه، البطريرك كيرلّس الخامس (1748؛ 1751 ــ 1752، 1757)، في دير اللافرا الكبير. وفي «الأثوسيّة»، وهو الاسم الذي عُرفت به الأكاديميّة؛ درس القدّيس قُزما على يد معلّمين كهنة معروفين جداً.
بعد عشر سنوات ظهرت اضطرابات ومشاكل في الأكاديميّة. فتركها قدّيسنا وغادرها،ودخل دير «فيلوثيو» حيث أصبح راهباً، وغيّر اسمه من كوستاس إلى قُزما. 
يقول الأب قُزما عن تلك الفترة: «قضيت الفترة الأطول في الجبل المقدّس، سبعة عشر عاماً، حيث كنت أبكي خطاياي. ومن العطايا، التي لا تُعدّ، التي منحني الربّ إيّاها، أنّه جعلني مستحقّاً لأن أكتسب معرفة اليونانيّة فأصبحت راهباً».
بعد أشهر قليلة، استجاب قُزما لدعوة إخوته الرهبان ورُسم شمّاساً فكاهناً. لكنّه، في ما بعد، شعر بحاجة قوية إلى أن يغادر هدوء الدير، ويدخل «العالم»، ليخدم إخوته المسيحيّين. يقول في هذا الصدد:
«وجدت في دراستي الإنجيل المقدّس، تعاليم كثيرة ومختلفة، وكلّها جواهر. ووجدت من بين هذه النفائس ذلك التعليم الذي أعطانا إيّاه المسيح: وهو: على المسيحيّ، رجلاً أم امرأة، ألاّ يهتّم بخلاص نفسه فقط، بل بخلاص إخوته أيضاً، لئلا يقعوا في الخطيئة».
بعد أن تبيّن له أنّ دعوته للتبشير حقيقيّة، ومن الله، حصل على إذن من البطريرك صفرونيوس الثاني، بطريرك القسطنطينية (1757 ــ 1761). وبدءاً من العام 1760، ولمدة تسعة عشر عاماً، صار الأب قُزما مبشّراً جوّالاً. صرف معظم وقته بين إخوته الأكثر فقراً وتعاسة. لقد قام خلال حياته الرسوليّة بثلاث رحلات «رسوليّة»، جاب فيها معظم بلاد اليونان وألبانيا. وكان يتنقّل مشياً على الأقدام، أو على الحمار، وأحياناً بواسطة السفن، يتبعه العشرات، وغالباً المئات، وحتّى الآلاف من الرجال والنساء والكهنة والرهبان. 
إنّ تواضعه ومماثلته للناس الذين يعمل ويتحرّك بينهم، كانا من العوامل التي ساهمت في نجاحه العظيم مبشّراً. قال عن نفسه ذات مرّة: 
«لست فقط غير مستحق أن أعلّمكم، بل لست مستحقّاً أن أقبّل أقدامكم. لأنّ كلّاً منكم له قيمة أكثر من العالم بكامله».
وقال في مرّة أخرى: «إنّي خادم للربّ، يسوع المسيح ابن الله الذي صُلب. أنا لست مستحقّاً لأن أكون خادماً للمسيح، لكنّه هو تنازل بدافع تحنّنه ليجعلني خادماً له».

تكلّم القدّيس قُزما لغة الناس، واستعمل أمثلة وإيضاحات من واقع حياتهم، ومن مألوف أوضاعهم. كان منكراً لذاته، ويقضي كلّ وقته، ويصرف كلّ طاقته، في خدمة الآخرين، رافضاً قبول قرش واحد مقابل خدماته.
«أيّها الإخوة، عندما سمعت أجمل تعليم من مسيحنا، ألا وهو أنّه يتوجّب علينا العمل بين إخوتنا من دون أجر، بدا لي صعباً جدّاً في البداية. لكنّه صار حلواً جدّاً، مثل قرص عسل، في ما بعد. فمجّدت مسيحي آلاف المرّات، لأنّه حفظني من هوى المال. وهكذا بنعمة ربّنا وإلهنا يسوع المسيح، المصلوب، لا أملك محفظة ولا بيتاً ولا خزانة ولا كيساً آخر سوى الذي أحمله». 
على الرغم من كونه راهباً، ويؤمن بأن الرهبان يستطيعون تخليص العالم، فقط، ببقائهم في أديرتهم، فقد تشاور مع نفسه قبل أخذ القرار. يقول عن هذا الأمر: «لا يستطيع الراهب أن يخلُص إلا بالابتعاد عن العالم. لكنّكم قد تقولون لي: لكنّك أنت راهب! فلماذا تدور في العالم؟
أنا أيضاً يا إخوتي أخطئ بفعلي هذا. لكن بسبب سقوط جنسنا في الجهل، قلت لنفسي: فليخسرني المسيح، ليخسر خروفاً واحداً، في مقابل أن يربح آخرين. وربّما أخلص أنا أيضاً بعطف الله وصلواتكم».
لقد عمل على تغذية الجسد والعقل، إضافة إلى تغذية النفس. فرفع صوته ضدّ ظلم الفقراء والأمّيين ومعاناتهم، وضدّ عدم التساوي الحاصل بين المرأة والرجل. وكان عدوّاً لدوداً للأمّية ومدافعاً قويّاً عن التعليم.
دونك بعضاً ممّا قاله في الظلم الاجتماعي وعذاب الفقراء الاقتصادي:
«إذا كنّا نرغب، أيّها الإخوة، أن ندعو الله أباً، فعلينا أن نكون عطوفين على إخوتنا، ونعمل على جلب الفرح لهم. وعند ذلك نستطيع أن ننادي الله أباً... فإذا كنّا قساة القلوب وغير رحماء، فإنّنا نفسد إخوتنا، ونميت قلوبنا».
وقال في مرّة أخرى: 
«يا كبار هذه القرية وأسيادها، إذا أردتم أن تخلصوا، يجب أن تحبّوا كلّ المسيحيين كأولادكم، ويجب أن تجبوا الضرائب بحسب قدرة كلّ شخص على الدفع ولا تفرّقوا».

يتبع ...