كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

+كتاب إشعياء

يتألّف من 66 فصلاً لا تعود جميعها إلى القرن الثامن. قسم علماء الكتاب المقدَّس بدءاً من القرن الثامن عشر كتاب النبيّ إشعياء إلى ثلاثة أقسام، منها ما يعود للنبي مباشرة ومنها ما يعود لتلاميذه أو ما يُسمّى في علم الكتاب المقدَّس "مدرسة إشعياء". من المهم أن نلحظ أنّ ذلك الزمان لم يكن يعرف الطباعة ولا حقوق النشر ولا الملكيّة الأدبيّة ولا التقنيات المعاصرة، وكذلك لم يعرف التبويب الزمني (الكرونولوجي) المعروف اليوم. فكانت الأمانة تقوم على حفظ تعليم أتباع النبي وتلاميذه كلمات معلّمهم ويحفظونها.
يقول النبيّ إنّه، بعدما رفض الملك آحاز نصيحته، انسحب من الحياة العامة، لكي "يدوّن الشهادة" و "يختم التعليم بين تلاميذه" (8/16-18؛ 30/8). وهكذا دوّن إشعياء أو تلاميذه أحاديثه وحفظوها بشكل أمين. ثُمِّنت هذه الكتابات وروجعت، في ما بعد، في ضوء تعليم إشعياء اللاحق، وتسلّمها تلاميذه من بعد موته، وأضافوا عليها ما كانوا قد حفظوه من تعليم معلّمهم. 

تقسيم الكتاب
يقسم كتاب النبي إشعياء إلى ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأول: ويمتد من الفصل 1 إلى الفصل 39. تعود أحداثه إلى القرن الثامن حينما عاش النبيّ في مملكة يهوذا الجنوبيّة. يشدّد هذا القسم على قداسة الله وخطيئة الإنسان. كما يدعو إلى الالتجاء إلى الله لأنّه المخلِّص الوحيد. ويفضح إشعياء الممارسات الدينيّة الطقسيّة الخالية من روح الشريعة، ويُنذر بيوم الربّ الديّان الذي لن يكون، كما يظن الشعب، يوم سلام وهناء بل دينونة وتمحيص.
ـ القسم الثاني: ويمتدّ من الفصل 40 حتى الفصل 55. يركّز على الله الخالق الذي يُعيد خلق الشعب، شعباً جديداً، روحيّاً، من خلال خروجٍ جديد، مؤكِّداً على أمانة الله لشعبه ووعوده. تعود أحداث هذا القسم إلى فترة الجلاء في بابل (القرن السادس).
ـ القسم الثالث: ويمتّد من الفصل 56 إلى الفصل 66. يركّز على شجب الخطيئة التي تشكّل العائق الأساسيّ أمام الخلاص، ويؤكّد على أمانة الله من جديد. يَنهَى الشعب عن عبادة الأوثان ويبّين بطلانها وسخافة طقوسها، ويشدّد على العبادة بالروح دون التقليل من أهميّة الطقوس. تعود أحداثه إلى زمن العودة من الجلاء (أواخر القرن السادس).

دعوة إشعياء
تعتبر رواية دعوة إشعياء (الفصل6) من النصوص الكلاسيكيّة في الأدب النبويّ، والأساسيّة في الإيمان المسيحيّ لِما تحتويه من معلومات لاهوتيّة قيّمة.
يرى النبيُّ السيّدَ الربّ جالساً على عرشٍ عالٍ وأطراف ثوبه تملأ الهيكل وحوله ملائكة السيرافيم، يهتفون :"قدّوس قدّوس قدّوس الربّ القدير..". وهي صورة ترِد مراراً في العهد القديم. إنّها صورة الربّ الملك الجالس وسط مجلسه السماويّ. 
يرى النبيّ نفسه، وسط هذا المجلس القدسيّ، إنساناً دنِس الشفتين وغير طاهر. في حضور الله لا يمكن أن يحيا أيّ دنس أو نجاسة، لذلك يقول: "ويلٌ لي لقد هلكت".
فيأتي أحد السيرافيم ويمسّ فمه بجمرةٍ علامةَ تطهيره، قائلاً: "انظر هذه مسّت شفتيك فأُزيل إثمك وكُفِّرت خطيئتك"(6/7). يحتاج النبيّ إلى أن يتطهّر قبل أن يصبح رسول الله. وعندما يسمع صوت الله وهو يسأل عمّن يرسل؟ يجيب إشعياء: "ها أنا لك فأرسلني". فيُفهِمه الرّب أنه سيُرسَل إلى شعب "قلبه قاسٍ وأذنيه ثقيلتين وعينيه مغمضتين". يؤمن النبيّ، كسائر الأنبياء، أنّ جميع الأحداث تأتي من يد الله. وكما أنّ النور المبهر يعمي العيون، هكذا ستزيد كلمات النبيّ وآياته في عمى الشعب، مع أنّ نيّة النبيّ ليست هذه. يبدو من عمل إشعياء أنّ خطايا الشعب وافتقاده إلى الحسّ الإلهيّ سيضطَرّان الله إلى الدمار، حتّى يمسح كلّ شرّ ويعود الشعب ليطلع كالفَرع الذي ينمو من ساقِ "بلّوطة أو بطمة قُطعت وبقي ساقها".
قداسة الله التي اختبرها إشعياء في رؤياه تلازمه، وعلى ضوئها يرى هشاشة شعبه وخطاياه. هذا حمّله مسؤوليةَ خلاص هذا الشعب الجاهل الذي يسعى إلى هلاك نفسه بعيداً عن الإله القدّوس. قداسةُ الله تفترض قداسةَ الشعب، أليس هذا ما يطلبه سِفر التثنية؟ أوليس هذا ما طلبه المسيح من أتباعه؟ أمام القداسة الغائبة يصرخ إشعياء هكذا "للكهنة المملوءة أيديهم من الدماء، ولأغنياء أورشليم الذين عبدوا أموالهم، ولأمراء الشعب الذين يضلّونه، ولبنات صهيون اللواتي وضعن رجاءهن في زينتهن ونسين الربّ، ولسياسيّي صهيون الذين خانوا عهد الربّ وتابعوا عقد المعاهدات السياسيّة مع الشعوب التي لا تعرف القدّوس". أوَلا يُفترَض بالنبيّ أن يُنذِر بكلمة الخلاص ويدعو إلى تسوية الطريق إليها؟

يوم الربّ
إذا ما عدنا إلى الفصول الأولى من كتاب النبيّ نجد أنّ موضوع رؤية دعوة إشعياء موضحة بتفصيل أدقّ. يؤكّد النبيّ ويكرِّر تأكيده بطرق وأحوال مختلفة، أنّ يهوه عالٍ ورفيع وسيّد التاريخ بكلّ صراعاته وهيجاناته وصراعات الأمم المحمومة. ويقول إشعياء، على غرار النبيّ عاموس، إنّ يوم الربّ لن يكون يوم ضياء بل ظلام – يوم دينونة ضدّ كلّ رموز الكبرياء البشريّة والاكتفاء الذاتيّ: ضد الفضّة والذهب، والأحصنة والمركبات، والمدن الحصينة والسفن العظيمة التي تصل إلى أماكن بعيدة (2/6-21). ليست هذه الكنوز الحضاريّة سيّئة بحدّ ذاتها بل تصبح سيّئة عندما يترفّع البشر "كأرز لبنان"، ويبدؤون بوضع ثقتهم بأنفسهم فيصبحون هدفاً للوثنيّة – لأنّ الوثنيّة تكمن في الثقة في أيّ شيء ليس الله. 
سيأتي الوقت، يقول النبيّ، عندما يطرح الشعب "أوثانهم للجرذان والخفافيش". وأحاديث يوم الربّ تلّخصها هذه اللازمة:
"سينخفض تشامخ الإنسان، وينحطّ ترفّع البشر، والربّ وحده يتعالى" (2/17).
مجيء الربّ لكي يدين شعبه هو موضوع نشيد الكرمة المفضَّلة عند إشعياء(5/1-7). يبدأ النبيّ نشيده الذي يُخبر عن خيبته. فقد فعل كلّ ما بوسعه ليحصل على ثمر جيّد، فرأى أنّ كرمه أثمر حصرماً بريّاً. فيسأل سامعيه أين الخطأ، أيّ شيء يُعمل للكرم بعد؟ ثم يعلن ما هو مزمع أن يفعله. سوف يدمّره ويزيل سياجه ليصير مرعىً ويطلع فيه الشوك والعوسج. وفجأة على غير توقّع يشير النشيد إلى أنّ الكرم هو بيت إسرائيل، وغرسُ بهجتِه شعبُ يهوذا، ويُظهر أنّ المقصود بالكرم هو شعب يهوذا الذي سبّب خيبة للربّ الذي "انتظر الحقّ فإذا سفك الدماء، والعدل فإذا صراخ الظلم"(5/7).
رسالة إشعياء الأولى إذن أن يذيع يوم الربّ كما أُمر في الفصل السادس. فالربّ يرفع دعوى ضدّ شعبه ويدعوه إلى المرافعة أمام قضاتهم (1/18-20؛ 3/13-15).
"يقول الربّ: تعالوا نتعاتب. إنْ كانت خطاياكم بلون القرمِز، فهي تبيَضّ كالثلج؟ وإن كانت حمراء غامقة، فهي تصير بيضاء كالصوف؟ لو كنتم سمعتم لي، لأكلتم خيرات الأرض. ولكنكم رفضتم وتمرّدتم عليّ فكنتم طعاماً للسّيف. أنا الربّ تكلّم". 
"الرّب ينهض عن كرسي قضاته ويتهيأ ليدين شعبه. الربّ يدعو إلى القضاء شيوخ شعبه وحكّامهم، فيقول: أنتم الذين نهبتم الكروم وسلبتم المساكين وملأتم بيوتكم. ما بالكم تسحقون شعبي وتطحنون وجوه البائسين؟ يقول السيّد الربّ القدير".
يقول النبيّ إشعياء إنّ الشعب غير طاهر ومُثقَل بالإثم (1/4-6). ومع ذلك فإنّ هدف الله ليس الخراب، بل استعادة إسرائيل إلى الصحة، وجعله شعباً مقدَّساً لائقاً بخدمة الملك القدير. وكما أنّ شفتَّيْ إشعياء تطهّرتا بالجمرة، سوف يسعى الربّ إلى تطهير شعبه كما بالنار. فمن خلال آلام ذلك الزمان الهائلة سوف ينقّي الربّ الخَبَث والشوائب لتصير أورشليم مدينة البرّ (1/24-26).
"أنقي زغلكِ بالنطرون وأزيل كلّ أقذاركِ. وأعيد قضاتكِ إليكِ كما في الأول، ومرشديكِ كما في البداءة، فتُدعَين مدينة العدل، المدينة الأمينة".
آية عمانوئيل
تلعب الآية في الكتاب المقدَّس دور البرهان على حقيقة كلمة الله وأصالة إعلان النبيّ. ليست الآية عجيبة كما يتراءى للبعض، بل عمل يرتبط بالنبوءة التي يقولها النبيّ بشكل حسّي أو بالأحرى قد يمثّلها. 
ينصح النبيُّ إشعياء الملكَ آحاز بأنْ لا يتورّط في الحلف القائم على مقاومة آشور. ويعطيه آية ستحدث بعد عدّة سنين تبيّن أنّه إن سمع كلام الله ولم يتورّط سينجُ ومملكته من الدمار. يقول له إنّ العذراء ستحبل وتلد ابناً يُدعى عمانوئيل ومعناه "الله معنا". وقبل أن يميّز الصبيّ الخير من الشرّ سوف ينهار الحلف المقاوِم لآشور، ولكن ستأتي أيام صعبة جدّاً إذ سيُطبِق آشور على يهوذا. يقول النبيّ إنّ الخراب الذي ستجلبه آشور سيؤدي إلى دمار الموارد الزراعيّة بحيث لا يبقى من طعامٍ إلا الزبد والعسل . بهذا يشير النبيّ إلى وعد مستقبليّ بأنّ الخطر الآشوريّ لن يستمرّ وسيزول، وسيعتلي الصبيّ عرش الملك ويتمّم مشيئة الله.
حضور الصبيّ سيكون آيةً وتأكيداً على أنّ الله يقود شعبه بنار الدينونة الإلهيّة إلى فجر يوم جديد. سوف يشارك الصبيّ آلام شعبه ويعيش معهم في بريّة الدمار. ولكن لننتبه إلى أنّ "البريّة" تحمل معنى مزدوجاً عند الأنبياء، فهي زمن الدينونة والتأديب وفرصة بدايةٍ جديدة نقيّة. ليس الدمارُ غايةَ الله بل تنقية شعبه وتطهيره. وحالما ينسحب الآشوريون سوف يصعد الصبيّ على العرش ليحكم كوكيلٍ لله. وهكذا يصبح معنى اسمه "الله معنا" مفهوماً.
نعرف من كتاب الملوك أنّ آحاز رفض نصيحة النبيّ وطلب مساعدة آشور. وبعد مقابلته مع تفلات فلّصّر أمر ببناء مذبح في هيكل أورشليم على الطراز الآشوريّ (2ملو16/10-16)، كما قدّم أحد أبنائه ذبيحةَ استرضاءٍ للآلهة. عند ذلك انسحب إشعياء ليدوِّن نبوءته ويعتكف مع تلاميذه، الذين كلّمهم قائلاً: "فاطلبوا أنتم يا تلاميذي شهادة الربّ وشريعته ومن لا يفعل ذلك، فلا يضيء له الصبح..."(8/20)
تحقّقت هذه النبوءة جزئيّاً في ابن آحاز الملك حزقيّا كما سنرى لاحقاً، لكنّها اتخذت طابعاً ماسيانيّاً قويّاً، إذ تابع النبي كلامه في وصف الصبيّ الموعود بما تحقّق في شخص الربّ يسوع المسيح. 
"لأنّه يولَد لنا ولدٌ ويُعطى لنا ابن، وتكون الرئاسة على كتفه. يُسّمى باسم عجيب، ويكون مشيراً وإلهاً قديراً وأباً أبديّاً ورئيس السلام. سلطانه يزداد قوّة، ومملكته في سلام دائم. يوطّد عرش داود أبيه ويثبّت أركان مملكته على الحقّ والعدل"(9/1-6).