كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

المسيحيّ مدعوّ إلى أن يتحوّل، باستمرار، من الإنسان الطبيعي إلى ما فوق الطبيعي، أي من الإنسان الواقع تحت وطأة الخطيئة والشرّ، إلى الإنسان الحرّ منهما. هذا يقتضي أن يسلك بما يوافق إنجيل المسيح ومقتضياته. 
في كتابه القيّم، عن الشيخ الروحي صُفروني (زخاروف)، تلميذ القدّيس سلوان الآثوسي، يورد المطران إيروثيوسفلاخوس، على لسان الشيخ، وفي سياق حديث يقارن فيه بين الغربيين والشرقيين، القول التالي:
"لقد فقد الغربيّون الإيمان، وصارت طريقة عيشهم جسدانيّة، لكن بما أنّهم يمتلكون ثقافةً، ولو أنّها إنسانيّة وعقلانيّة، إلا أنّها تحفظهم من السقوط إلى ما هو أدنى من مستوى معيّن، فتراهم ينحدرون تدريجيّاً. عندهم درجة عالية من اللياقة، تمكّنهم من رسم خطٍّ، لا يتجاوزونه، فلا يصلون، في انحدارهم، إلى أسفل التلّة. أمّا الأرثوذكس، فليس لديهم ثقافة إنسانيّة تضبطهم، إذا ما فقدوا إيمانهم، ولذلك تراهم يصيرون للحال عند أسفل التلّة". 
هذا كلام عميق وواقعي جدّاً، صادرٌ من إنسانٍ مستنير، ينتظر العالم المسيحي كلّه، لا الأرثوذكسيّ فقط، إعلان قداسته رسميّاً. وهو، إلى ذلك، إنسان خبيربثقافات الشرق والغرب الدنيويّة، الفلسفيّة والفنيّة بخاصّة. لذا يجدر بنا التوقف طويلاً، والتأمّل مليّاً، في قوله هذا. 
في الواقع، ثمّة فجوة كبيرة، عند الكثير من المؤمنين، ومنهم الأرثوذكس، قائمة بين إيمانهم، وبين تجسيده في حياتهم اليوميّة. في المنظور الأرثوذكسي، عندما تلتقي بقدّيس حقيقيّ، سكن الروح القدس فيه، بعدما تنقّى وتطهّر، تلمس لديه رقّة وحنوّاً وشفافية، مع حزم وصلابة وشجاعة دونما تناقض، وخلواً من التزمّت. إذا ما أمعنّا النظر في قراءة سِيَر بعض قدّيسي القرن العشرين، كالشيخين بورفيريوس الرائي وباييسيوس الآثوسي، على سبيل المثال لا الحصر، المعروفَين جيّداً في وسطنا الأنطاكي، نرى كم كانا رحومَين ومحبَين ورقيقَيْن في تعاملهما مع الإنسان الآخر، وكم كانا، بالمقابل، حازمَين وقاسيين على نفسيهما. 
إنّ تفهّمهما للناس ومحبّتهما لخلاصهم بادٍ، بوضوح، في سلوكهما معهم، بما يليق بروح الربّ. 
يتجاوز الممتلئ من ربّه، في سلوكه البشريّ مع الآخرين، الآداب البشريّة وأصول اللياقات الاجتماعيّة، إلى ما هو أسمى، أعني إلى التصرّف، لا وفقاً لأصول التهذيب المتعارَف عليها، بل وفقاً لأصول المحبّة الإنجيليّة، التي لا تطلب ما لنفسها، بل لنفس ذاك الأخ الآخر. هذا يعني أنه يجب أن يكون أكثر تهذيباً وأدباً ولطفاً ممّا تتطلّبه قواعد التعامل والإتيكيت الإنسانية، لأنّه ينطلق، أساساً، وعلى مثال سيّده المسيح، من رؤية خلاصيّة للبشر. 
لا يتناقض موقف المسيحي الأصيل هذا مع صلابته في الحقّ. لأنّه يميّز، بنور الله، لا بمنطقه وانفعاله البشريين، بين الإنسان المُخطئ وبين فعله. فيحكم بلا هوادة على الخطأ ويسمّيه باسمه، ويحتضن الخاطئ، بغية تخليصه ممّا هو فيه، إلا إذا رفض ذاك، هذا الاحتضان، واستمرّ في غيّه، متحلّلاً من كلّ نصيحة أو إرشاد أو حكم، ممّا يؤول إلى خلاصه وشفائه. 
هكذا يسلك الأرثوذكسي المستنير. ولكن ماذا عن غير المستنير؟ هذا سؤال برسم الإجابة من كلّ مخلص، يتوخّى الدقّة والإخلاص للإنجيل، والتمييز الدقيق ما بين انفعاله ومتطلّبات إيمانه. 
تكملةً للتوسّع في قول الشيخ صُفروني، نلاحظ تمايز الغربيّين، بتهذيبٍ ولطفٍ ملموسَين،على صعيد تعاطي البشر بعضهم مع بعضهم الآخر. لكنّ هذا التهذيب يبقى على مستوى الأصول والقواعد، ولا ينطلق، بالضرورة، من محبة شخصيّة. تلاحظ محاسب السوبر ماركت، مثلاً، يبتسم لك، ويكلّمك بلطف ويُسمِعك كلمات حلوة. هذا عندهم من باب ما يسمّونه بِ"آداب المهنة". لكنّه قد يراك في الطريق بحاجة ماسّة للمساعدة ولا يعيرك اهتماماً شخصيّاً. 
لا شكّ في أنّ المسيحيّة ساهمت، إلى حدّ كبير، في تراكم هذه الأصول والآداب لديهم، على مرّ السنين. إلى ذلك، لعب تراكم الآداب، ونموّ وتطوّر الثقافة والعلوم الإنسانيّة والحرّيات الفرديّة وغيرها لديهم، دوراً هامّاً في الغرب، في تثبيت أصول التعامل والتعاطي ما بين البشر، ووجهّها نحو احترام الآخر، وتفهّم قناعاته، دون قبولها، مهما اختلفت مع قناعات محاوره.
يبقى التهذيب والآداب الحضاريّة، المتعارَف عليها، أصولَ تعاملٍ، ولا تتطلّب، بالضرورة، الوصول إلى القلب البشري أو المحبّة الشخصيّة. يبقى إطارها إطار نظرة إنسانيّة عامّة، وإن تخلّلتها المحبّة، تبقى محبّة عموميّة، لا شخصيّة، بالضرورة. إنّها لديهم مبدأ إنساني تجاه البشر والكون والحياة. 
احترام الآخر، وتفهّمه وقبوله، والسماح له بممارسة قناعاته، أمور حضاريّة تدلّ على رقيّ أصحابها. وقد صارت، عندهم، مبادئ مترسّخة، في النفوس، وثوابت محدِّدة للعلاقات.
في المسيحيّة عموماً، والأرثوذكسيّة خصوصاً، تعتبر هذه الآداب،أمراًبدهيّاً، لأنّها أساساً، يجب أن تنبع من القناعة الدينيّة، التي تعتبر الإنسان مخلوقاً على صورة الله، ما يوجب، على المسيحي، احترامه والاهتمام به، وكأنّه المسيح. لا تنظرالأرثوذكسيّة إلى الأخلاق والآداب، باعتبارها مبادئ وآداباً محدَّدة وثوابت اجتماعيّة، بل تطلبها من المؤمن، باعتبارها فيضاً طبيعيّاً، لانعكاس فعل النعمة الإلهيّة فيه. إنّها انعكاس طبيعيّ لنعمة الله الفاعلة في المؤمن. ينبع السلوك الحسن والصالح من الداخل، من قلب الإنسان، متجاوزاً الأصول والمعايير، باتجاه المحبّة الشخصيّة.
ولكن ماذا يحدث إذا ما كان الالتزام الإيمانيّ الشخصي ضعيفاً أو مشوّشاً أو شبه معدوم؟ أو كان إيماناً جاهلاً، قائماً على مجرّد تتميم فروض وواجبات؟
آنذاك، ينتفي البعد الإيماني الأصيل من التعامل مع الآخرين، وينحطّ المؤمن، سلوكيّاً وروحيّاً، إلى مستوى أخلاقي ولا أدنى! وأبشع ما في هذا المستوى أنّه قد يتزيّا باسم المسيح والدفاع عن الإيمان والكنيسة وما إليهما!!
ألا يصير، آنذاك، النموذج الإنسانويّ العلمانيّ الغربيّ، أكثر تعبيراً عن تعليم المسيح، ولو اقتصرعلى التعامل الخارجي؟ ألا يمنع الإنسان، باسم اللياقة والأدب، على الأقلّ، من الوقوع في الابتذال والوقاحة والفظاظة وما إليها. أمّا المعميّ بإيمان لا يترافق بتوبة دائمة، وشيء من اللطف، الذي هو ثمر الروح القدس، فيمسي الابتذال وقلّة الأدب، في نظره، فضائل، ولو شوّه كنيسة المسيح وأهلكها.
ليس ثمّة من أصول إنسانيّة تُعلَّم وتُدرَّس، في مجتمعنا الشرقي، إلا الأعراف الاجتماعيّة والمظاهر الدينيّة الخارجيّة. هذا هو السائد عند الغالبيّة العظمى، ما خلا بعض المؤمنين الملتزمين بإيمانهم التزاماً كاملاً واعياً ويقظاً، والذين يقيّمون أنفسهم على الدوام. لذلك، فإنّنا، كثيراً ما نرى تناقضاً، يكاد لا يُصدَّق، بين الإيمان المعلَن والتصرّف الواقعي. ليس نادراً أن ترى شخصاً يصلّي ويصوم ويخدم في هيئات دينيّة وخيريّة، ومع ذلك يزني، براحة ضمير، ويكذب ويستغلّ!!
ما تفسير استسهال بعضهم، للشتم والإهانة والعمل على تشويش الكنيسة والتعرّض لكراماتها، لمجرّد تعارض آرائهم مع الجهات الكنسية، في تدابير رعائيّة أو قانونيّة أو إدارية؟
يا ليتنا نكون مهذّبين، ولو اجتماعيّاً، إن لم نستطع أن نرقى إلى مستوى تهذيب الإنجيل. الافتخار بالجوهرة الأرثوذكسيّة والدفاع عنها يصبحان دينونة لنا، ما لم تتجسّد هذه الجوهرة، في تفاصيل سلوكنا اليومي، لطفاً وتهذيباً يغمران العالم بحنان المسيح.
قليلاً من الترقّي والأدب يا أحبّة، عسانا نلج منهما إلى الحياة الحقّة.
كم"صُفروني"، تحتاج إليه "أنطاكية"؟