كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

++في الأمان والثقة قوتكم
قناعة النّبيّ إشعيا أنّ الرّبّ يسيِّر التّاريخ ويستخدم أشور لكي يحقِّق هدفه. يصوّر قناعته هذه بشكل جميل في الفصل العاشر:
«وقال الرّبّ: ويلٌ لأشور قضيب غضبي وعصا غيظي. أرسلتهم على أمّة كافرة، وأطلقتهم في شعبٍ أغاظني، ليسلبوا ثروتهم وينهبوا أرزاقهم ويدوسوهم كوحل الأزقّة» (10/5 ــ 6).
طبعاً أشور لا يدرك أنّه أداة في يد الرّبّ، ولا يعمل عمله خدمةً لله، فهو أساساً لا يعرفه ولا يعبده. إنّه يعتمد على قوّته وتجبّره وقسوته، ولذلك سوف يأتي دوره في الدّينونة، يقول النّبيّ: «وبعد أن يُكمل الرّبّ جميع عمله في جبل صهيون وفي أورشليم، يحاسب ملك أشور على عاقبة الكبرياء في قلبه والافتخار في عينيه الطامحتين» (10/12). لذلك على المؤمنين أن يخضعوا لا للنّير الأشوريّ، بل لنير الرّبّ. على المؤمن أن يقبل دينونة الله كنداء إلى التّوبة عن أخطاء المجتمع الفاضحة، وعليه أن ينتظر، بصبر، الوقت الّذي يحطّم فيه الله كبرياء الأمّة المغرورة. 
انطلاقاً من هذه القناعة نصح النّبيّ إشعيا الملك حزقيّا بعدم الثّورة على أشور. فالقوّة البشريّة لا تستطيع الوقوف في وجه دينونة الله وتمنعها. على غرار هوشع، أدان إشعيا التّحالفات السّياسيّة، وسمّاها «عهداً مع الموت» (28/18). كذلك أدان الاستقبال الحسن الّذي خُصّ به المندوبون المصريّون (فصل 18)، كما رفض مداولات حزقيّا السّرّيّة مع ملك بابل وأدان الّذين ذهبوا إلى مصر طلباً لمساعدتها واضعين ثقتهم في «المركبات الكثيرة» و«الفرسان الأقوياء» (31/1 ــ 3).
«فما المصريّون سوى بشر لا آلهة، وخيلهم جسد لا روح، فإذا رفع الرّبّ يده عثر النّصير وسقط المنصور وهلكوا كلّهم معاً» (31/3).
هذه الجهود السّياسيّة، في نظر النّبيّ، دلالة واضحة على عدم ثقة النّاس «بالسّيّد الرّبّ قدّوس إسرائيل» (30/1 ــ 15). لقد شدّد على بطلان الالتجاء إلى «ظلّ مصر»، مردّداً صدى نصيحته القديمة لآحاز (7/9). كما يوجز إشعيا ببلاغة معنى الإيمان هكذا: «في التّوبة والطّاعة خلاصكم، وفي الأمان والثّقة قوّتكم» (30/15).
ليس أمان يهوذا بسلوكها مسلك الأمم الأخرى، بل بالعودة إلى الله (التّوبة) والاعتماد على مشيئته، والثّقة بأنّ النّجاة منه وحده وفي الوقت المناسب. لكنّ الشّعب أجاب النّبيّ على دعوته بالرّفض «لا» (30/16). لقد أرادوا سبل القوّة كغيرهم ورفضوا النّداء إلى التّوبة. اصطدم إشعيا طول خدمته بعدم قبول النّاس سماعَ ما يقوله الرّبّ في أحداث زمانهم: لقد تكلّم الله «لكنّهم رفضوا أن يسمعوا» (28/12).
آمن إشعيا، أكثر فأكثر، بأنّ بقيّةً فقط من المؤمنين سوف تسمع وتخلُص من الدّمار. لأنّ الرّبّ سيضع أساساً في أورشليم لأجل «مدينة العدل المدينة الأمينة» (1/26)، سيضع حجر زاوية ثميناً ومختبراً مؤلّفاً من البقيّة الباقية الّتي وضعت ثقتها بالله.
« ها أنا أضع في صهيون حجراً مختاراً، حجرَ زاوية كريماً، أساساً راسخاً، فمَن آمن به فلن ينهزم» (28/16).
نداء الإيمان بالرّبّ ملك إسرائيل والعالم، كان الموضوع المحوريّ للنّبيّ.
زمن الملك حزقيا
عندما لم تلقَ دعوة إشعيا قبولاً، انسحب من الحياة العامّة واعتكف في وسطه النّبويّ مع تلاميذه حتّى وفاة آحاز. لكنّه خرج من اعتكافه بمجيء حزقيّا، ابن آحاز، إلى العرش. 
اعتلى حزقيّا كرسيّ المُلك في العام 715، وكان عهده نقطة انعطاف في تاريخ المملكة. كان قويّاً وحكيماً، على العكس من والده. قام بإصلاح دينيّ ألغى فيه أماكن العبادة الوثنيّة الّتي كانت منتشرة في المملكة، ودّمرها؛ حتّى إنّه أمر بسحق الحيّة النّحاسيّة الموجودة في الهيكل، تلك الّتي صنعها موسى النّبيّ بحسب التّقليد، خوفاً من الانزلاق بسببها نحو الوثنيّة. رمى حزقيّا إلى تنقية العبادة ومَرْكَزَتها في أورشليم. اللاّفت أنّ إشعيا لم يُعِرْ الإصلاح اهتماماً، ولم يتحدّث عنه. (سيتكرّر هذا الموقف مع النّبيّ إرميا بعد حوالي مئة عام). يرى النّبيّ بعيون الله، فكلّ إصلاح رسميّ ومفروض هو إصلاح خارجيّ. يريد الله إصلاحاً داخليّاً يغيّر قلب الإنسان. يبدأ تعليم الله، مع الأنبياء، بضرورة إصلاح داخل الإنسان. وتدريجيّاً سوف تعلو نبرة هذا التّعليم إلى أن تكتمل مع المسيح، ويصبح الدّين المطلوب دين النّقاوة الدّاخليّة، الّتي تصير الأعمال الصّالحة تعبيراً وانعكاساً لها وليست غاية بحدّ ذاتها( ). 
ككلّ الإصلاحات الدّينيّة، حمل إصلاح حزقيّا بعداً سياسيّاً معيّناً. فقد كان يرمي إلى إشعال الحسّ القوميّ بغية التّحرّر من النّير الأشوريّ. لذا، هدم المذبح الّذي كان أبوه قد أقامه في الهيكل استرضاء لملك الأشوريّين. وقد شّجعه على إصلاحه هذا انشغال سرجون بالقتال في جبال بلاد الرّافدين الشّماليّة. حفر حزقيّا نفقاً في الصّخر من أجل جلب المياه إلى أورشليم، وبنى بركة سلوام الشّهيرة لخزن المياه فيها. كذلك، رمّم الأسوار وحصّن المدينة تحصيناً جيّداً.
جُرِّب حزقيّا بالانضمام إلى التّمرّد القائم ضدّ أشور في العام 702. ويتكلّم الفصل (20) عن تمرّدٍ أشعله المصريّون في مدينة أشدود الفلسطينيّة. في تلك الفترة، جاب إشعيا شوارع أورشليم حافياً عارياً في عملٍ رمزيّ( )، ليدلّ على فشل التّمرّد، وعلى معارضته الدّخولَ فيه. وبالفعل، عاد سرجون إلى فلسطين، وأخمد الثّورة، بعد أن دمّر مركزها أشدود. ونجت يهوذا بتحييدها الّذي أدّى إشعيا دوراً فيه من خلال تأثيره في آحاز.
للمقال تتمة ......