كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

هل قرأ العهدَ القديمَ، على ضوء المسيح، وكيف، أولئك الذين ساندوا رئيس الولايات المتحدة، في قراره الكارثيّ (الاعتراف بالقدس عاصمة لِ "إسرائيل")، والذين يغزون بلادنا، تحت أسماء مختلفة، بغية تفتيت الكنيسة الشرقيّة، والقضاء عليها؟ 
أما قرأوا في سفر تثنية الاشتراع، أن اختيار الله لشعب العهد القديم، كان بقصد أن يكون له دور محدّد: خميرة لخلاص كلّ الشعوب، بمجيء المسيح المخلّص منه؟ أوَما قرأوا أنّه اختير، لا لامتياز فيه، ولا امتياز مُنح له، بل "لأنّه أقلّ الشعوب"(تث7/7)، لكي يظهر مجد الله فيه باعتباره نتاجاً إلهيّاً محضاً، لا نتاجاً بشريّاً، حضاريّاً أو فلسفيّاً، أو حتّى دينيّاً؟ 
أوَ ما قرأوا، وكيف، أنّ الربّ قد وبّخ "شعبه"، وعاقبه، وأدبّه، مراراً وتكراراً، لأنّه "شعب قاسي الرقبة"، كما تصفه الأسفار، وعلى لسان الربّ ذاته؟
فتاريخ العهد القديم، بحسب تعليم أنبيائه الأصيل، يُظهر مقاومة الشعب لله، وتأديب الله لهم، في سبيل تطهّرهم، حتى يكون لهم فكر الله لا فكرهم. وقد وصل التأديب الإلهي إلى درجة هجر الله للقدس، والسماح بتدميرها وتدميرهيكلها، في العام 587 ق م. لأنّ ساكنيها، آنذاك، كانوا قد هجروا العدل، وأقاموا لهم ملكاً يستعيضون به عن الله، ونظّموا أنفسهم شعباً كغيره، لا شعباً روحيّاً، كما أراده الله. 
وفهم أنبياؤهم وأصفياؤهم، في السبي، الدرس جيّداً. فعادوا، إلى القدس، بعدما سمح لهم الملك الفارسي كورش، جماعةً روحيّةً، لا ملك عليها سوى الله. كما عرفوا أنّ الله إله جميع الشعوب، وحاضر في كلّ مكان. وما عادوا يتساءلون: "على أنهار بابل، هناك بكينا... كيف نرنم لله في أرض غربة" (مزمور 137).
وهكذا استمروا حتّى مجيء المسيح، فانفتح الخلاص واسعاً أمام جميع الشعوب، وصار البشر، على تنوع أعراقهم، شعب الله. وانهدم الهيكل لأنّ دوره انتهى. 
إعلان القدس عاصمة يهوديّة، ليس انتهاكاً لقرارات الشرعيّة الدوليّة والأمم المتحّدة فحسب، بل انتهاك، أيضاً، لمشيئة الله. إنّه قتل حقيقيّ للشعب الفلسطينيّ بأكمله، وقتل روحيّ لأتباع الديانات الثلاث.

يحمل هذا الإعلان تنكّراً جديداً لعمل الله في التاريخ، واستعاضة عنه بكيان دولة، تقوم على الظلم والسلاح الفتّاك. إنّه عودة إلى الوراء عن فعل الله الخلاصيّ، الذي أراده، لجميع البشر.
قال النبيّ قديماً: "يقولون سلام، سلام، وما من سلام"(إرمياء 6/14). وكان شعبه، آنذاك، قد ابتعد عن الله، وجعل الدين مطيّة لأهوائه، [وهي تجربة جميع الناس حينما يستقرون ويسترخون]، والبابليون يحاصرونه. "يقيمون الظلم، ويدوسون رؤوس الضعفاء، ويبيعون البارّ والمسكين". حتّى صاح الله فيهم على لسان نبي آخر: "هاءنذا أسحقكم في مواضعكم، كما تسحق الأرضَ العَجَلةُ المملوءةُ حزماً (أي الثقيلة الوزن). فيستحيل الهرب على خفيف القدم... والشديد القلب بين الأبطال يفرّ عارياً في ذلك اليوم. يقول الربّ"(عاموص 2/13-16).
يفترض السلامُ العدلَ، وإلا فيهجر الله الأرض، بدلاً من أن يرثها، ويتركها للتأديب القاسي. وهذا ما حصل مراراً. فمن يتحدّث عن السلام، اليوم، ولا يقم العدل يتحدّث باطلاً وعبثاً. فأيّ سلام في سيادة الظلم والقهر؟ وأيّ سلام في سحق شعب بكامله، وهو صاحب الأرض؟
القدس عاصمة الروح عند المؤمنين، وإليها تهفو نفوسهم، لكونها رمز القدس النازلة من السماء في الآخرة، لكونها المدينة الأخرويّة التي ينتظرها أبناء إبراهيم.
فتلك المدينة التي يجلّها أتباع ديانات التوحيد الثلاث، هي المنطلق إلى رجاء جديد للعالم. لا لأنّها تحوي حجارة مقدّسة فقط، هذه قد نجدها في المتاحف أيضاً، [وباكتمال الكشف الإلهي بالمسيح، صار الإنسان، لا الحجر، مَقدِسَ الله]، بل لأنّها المختبر الذي فيه يجب أن تعيش الديانات الثلاث في مودّة الله وبرّه، حتّى تعمّ منها الأخوّة الروحيّة الحقّ في سائر أرجاء الأرض. 
الحوار الدينيّ والحوار الإنسانيّ لا يجدان لهما محلّاً كما في القدس. لأنّهما لا يتحقّقان إلا في الإطار الروحيّ، الذي القدس عاصمته. فأهل التوحيد، جميعاً، يجمعون على أنّها مدينةً تتخطّى ذاتها إلى الله. فأيّ حوار وأيّ رجاء للبشريّة، إذا ما استمرَ قتل شعبها، وقامت قدس أخرى على دماء الأبرياء؟
إن بقي الظلم في القدس سيظلّ العالم يبحث عن السلام عبثاً. ماذا يتوقّع العالم ممّن خسر بيته وأهله وأرضه وزيتونه؟ ماذا يتوقّع العالم عندما يزن بميزانين، ويسمّي الأسماء بعكسها، ويساوي بين الضحيّة والجلّاد؟ 
تهويد القدس صفعة لكلّ الأديان، وطرد لله منها، وتالياً لما تمثّله من روح، على مستوى العالم أجمع. إنّه مشروع يعتبر الله ملكاً لمجموعة تشغّله على هواها، وتقتل به سائر الشعوب. ألا يجدر باليهود والمسيحيّين والمسلمين الأصفياء أن يثبتوا للعالم أنّ الله لهم جميعاً، إله محبّ وإله السلام؟
لا يتحقّق السلام بين البشر، ما لم يقم البرّ والعدل في قلوبهم أوّلاً. وهل يتحقّقان من دون الله؟ واقع العالم اليوم، أنّه، في الغرب، هجر الله ووضعه في السماء فقط، منظّماً أمور حياته من دونه، فبقي في اللاسلام، ولم يستطع أن يحقّقه للعالم. وبالأحرى لم يجلب له إلا مضادّات السلام. وما إنكار القدس على أهلها إلا ذروة الظلم وانعدام السلام. هذا العالم (الغربي) خائف، اليوم، من انعكاسات سياسته المزدوجة، التي تكيل بمكيالين. أمّا العالم (الشرقيّ)، فيجعل الله منطلقه في كلّ شيء، لكنّه لا يزال أسير ردّة الفعل، على أفعال التاريخ المستمرّة، حتّى الآن، ضدّه، ولا تصل قيمه إلى الآخر، لأن لغته لا تزال أسيرة الماضي، ولم يلاقِ الحريّة بملئها بعد، ليساهم في كتابة التاريخ، ويؤثّر فيه. وكثيراً ما يدفعه خوفه إلى الانغلاق. إنّه يستعمل الله ليحقّق شهواته به، أكثر بكثير، مما يرقى هو إلى مستواه تعالى.
إن لم يتخطّ الإنسان ذاته إلى الله، فيجد الله فيه مسكناً له، لن يعرف السلام، وتالياً لن يساهم في صنعه. ومن أكثر من القدس يذكّرنا بانعطافات الله إلى البشر؟ أليس فيها انحنت السماء مرّة حين أرسلت المخلّص؟ ألم يكن العبور بها لازماً لإكمال الرسالة؟ من أكثر منها يذكّر البشر بمنطلقهم الحقيقي، ورسالتهم الصافية؟
مشروع السلام العالمي يبدأ من القدس وإلا فلن يكون. 
يبدأ من مقاومة الظلم والقهر بدءاً من القدس، وليس انتهاء بها. مشروع السلام يقوم على الحقّ والبرّ المتحقّقين في القلوب. هذا دور الأنقياء أولاً.