كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

كتب أحد أبناء المطران أنطوني بلوم (+2003) الروحيين، وهو محامٍ، يسأله البركة، ليستقدم مدبّرة جديدة له بعد وفاة المدبّرة القديمة، التي نشأ على يديها، بحكم كونها مربّيته. فكان له ما طلب. لكنّه، بعد عدّة أشهر، كتب له ثانية يسأله البركة من أجل صرف المدبّرة. وجاء في رسالته: "إنّها شيطانٌ دخل إلى مكتبي، منذ أن بدأت بمزاولة عملها. فلا أطلب منها شيئاً وتنفّذه كما أريد. وحينما أقول لها لا تلمسي هذه الملفات، أجدها وقد أعادت ترتيبها، دونما فهم، فتخلط أوراق الدعاوى، ما يدعوني، وأنا في حالة من الغضب الشديد، أن أصرف وقتاً طويلاً في إعادة ترتيبها. لم أعهد نفسي غضوباً وعصبيّاً إلى الدرجة التي أجد ذاتي فيها اليوم. اسألك البركة في صرفها".
فأجابه المطران أنطوني: يا بنيّ، هذه الفتاة الجديدة أخرجت الشيطان، الذي كان قابعاً ساكناً في داخلك، ولم تستقدمه من الخارج. فمدبّرتك القديمة هي من ربّاك، وتالياً، كانت تفهمك من نظرة عينيك، وتعرفك أكثر ممّا تعرف ذاتك. ولذلك كانت تفعل ما ترغبه، حتّى قبل أن تسألها. لم تكن تغضب، لا لأنّك لست غضوباً، بل لأنّ رغباتك جميعها محقّقة، وما من داعٍ للغضب أو "النرفزة". أمّا هذه، لأنّها لا تفهم عليك، فقد كشفت لك كمّ الغضب والأنانيّة وقلّة الصبر وعدم التحمّل الموجودين في داخلك. لا تصرفها يا بنيّ، بل اقبلها ملاكاً أتاك لكي يُخرج منك كلّ هذه العيوب. إنّها ملاك لك يا بنيّ، وليست شيطاناً".
أتذكّر هذه الحادثة كلّما واجهت، شخصيّاً، موقفاً مشابهاً، ممّن هم حولي أو ممّن أصادفهم، وأذكرها لمن يكشف عن دواخله أمامي، وهو يلقي باللوم على هذا وذاك، ناسباً غضبه الدائم وعصبيّته المستمرة لغيره. 
في الواقع، لا شيء يأتينا من الخارج. الآتي من الخارج يحرّك ما في الداخل فقط. فالإنسان مثل بحيرة ساكنة، ترسو في قعرها أنواع مختلفة من الطحالب والقواقع والكائنات التي تحيا على الظلمة. هذه لا تخرج إلا حين تشتدّ الرياح، وتضرب الأمواج هذه البحيرة، فتتقيأ ما في داخلها، وترميه على الشاطئ. لنذكر كلمة الربّ "لأنّ من القلب تخرج الأفكار الشرّيرة: القتل والزنى والفسق والسرقة وشهادة الزور والنميمة، وهي التي تنجّس الإنسان"(مت15/19).
يستسهل الإنسان رؤية السبب في الآخرين، لأنّ تصرّفهم وعيبهم منظوران. ولأنّ العقل البشري الساقط يحبّ المنطق وتفصيل الأسباب، يؤخذ بالذي أمامه. ومن ثمّ، تأتي الدوافع الداخليّة، من عاطفة وانجذاب واستساغة أو عكسها تجاه الطرف –المشكلة - فتلعب دوراً مهمّاً في تقييم تصرّفه وانعكاسه عليّ، وتالياً تحديد موقفي منه: تسامح وغض نظر، أم غضب ومشاعر انتقام. 
لا يحبّ الإنسان، بعامّة، أن يرى عيوباً فيه، في حين يستسهل رؤيتها في غيره. لذلك قال المسيح في إنجيله: "لماذا تنظر إلى القشّة في عين أخيك، ولا تبالي بالخشبة في عينك؟" (لو6/41). من هنا ينطلق الشؤم والنظرة السوداويّة في رؤيتك إلى الآخرين. لو أنّك تلوم نفسك قليلاً، في ما تلوم الآخرين عليه، بخصوص ما يحدث معك، من مشاكل وعوائق ومصاعب، لسهّلت الأمر عليك كثيراً، ولوضعت قدمك، في الخطوة الأولى، على الطريق السليم. 
الإنسان كتلة علاقات: داخليّة على صعيد ذاته، وخارجيّة، على صعيد علاقته بالمجتمع. تشكّل علاقاته هذه إمكانيّة هائلة، لتطوير ذاته وتنقيتها ونحتها، بغية ارتقائه الإنسانيّ وصولاً إلى الإنسان الكامل. 
ومسيحيّاً، عنده عنصر أساسيّ مضاف، أعني المحبّة المطلوب منه عيشها تجاه الخليقة كلّها، والإنسان بخاصّة. تأتيه المحبّة عاملاً مساعداً وقويّاً، في تحمّله لأخطاء الآخرين وهفواتهم، وتصغيرها في عينيه. بينما غياب المحبّة يضخّمها، لا بل يجعلها أضخم من حقيقتها بكثير.
يقول القدّيس يوحنّا السلّمي، ما مفاده: إن وُجد بين إخوتك من هو فظّ وخشن المعاملة، فافرح به. لأنّه، بخشونته، يكسر كلّ النتوءات التي فيك، ويخلّصك منها، فيهذّبك، ولو عن غير قصد.
لا تلقِ اللوم بالكليّة على غيرك. ولا تقبل بأن تحمّله كلّ المسؤولية. ابدأ بقبول مساهمتك، ولو قليلاً، عن معرفة أو عن جهل، بما حدث، تجد أنّك بدأت برؤية الحلول، بدلاً من أن تقاتل الهواء. لأنّك في النهاية لا تستطيع أن تغيّر الآخرين. لك أن تغيّر نفسك أنت، لا غيرك. "وكيف تقدر أن تقول لأخيك: يا أخي، دعني أخرج القشّة من عينك، والخشبة التي في عينك أنت لا تراها؟ يا مرائي، أخرج الخشبة من عينك أولاً حتّى تبصر جيّداً، فتخرج القشّة من عين أخيك"(لو6/42).
عندما تغضب من إنسان ما، حاول، بعدما يهدأ غضبك، أن تركن إلى نفسك، وتراجع ما حدث، وتبحث عن دورك أنت في تزكية الغضب. ستجد، حتماً، ما ساهمت به أنت. آنذاك تكون قد بدأت السير في الطريق إلى معرفة ذاتك، ووضعت اللبنة الأولى في بناء بيت فضائلك.