كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
 
ينادينا الربّ، قائلاً: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والمثقلين وأنا أريحكم" (متى11/28). ما الذي يُتعب البشر؟ وما الذي يثقل عليهم؟ أمرٌ واحدٌ لا غير، ويظهر بأشكالٍ متعددةٍ، ويحملونه، بألمٍ ووجعٍ، بطرقٍ مختلفة ومتنوّعة؛ إنّه الشرّ الكامن في دواخلهم، أو بلفظة أخرى: الخطيئة.
الشرّ هو ما يُتعب الإنسان، ويحوّل حياته إلى جحيم. فالشرّ ميلٌ فيه نحو تغذية أنانيّته، وانحصار همّه في تحقيق مصلحته الذاتيّة، ولو على حساب الآخرين. الشرّ نقيض المحبة، ومضادّ لتعليم الإنجيل.إنّ الفعل الخالي من المحبّة، ولو كان صالحاً، يبقى شرّاً،لأنّه يحمل، في طيّاته،الأذى للآخرين، ولو معنويّاً. لا يتوقف الشرّ عند حدّ. إذا لم تقاومه يتملّكك، ويقودك إلى الهاوية، فتصير سبباً لهلاك نفسك والكثيرين.
عندما يسيطر الشرّ على الإنسان يصبح شرّيراً، بمعنى أنّه يؤذي، أو يسبّب الأذى لغيره، عن عمد أو عن غير عمد. لا ينشغل الشرّير إلا بمآربه الخاصّة. وإذا ما استمرّ في فعل الشرّ، ولم يحاربه، ويتحرّر منه، يستسهل فعله، لا بل يصل إلى وقت يستلّذ به. آنذاك يصبح تلميذاً مطيعاً للشيطان.
لا يواجهنا الشرّير، مباشرة،على الدوام. وغالباً ما يُلبس الشرّ ثياباً مختلفةً، لكي يخدع الانسان، ويدفعه إلى الاعتقاد، أو التوهم، بأنّه صالح لا شرّير، فيما يكون الشرّ متمركزاً في قلبه. يأتيك الشرّير بأفكارٍ ظاهرها صالح، فيما هي في حقيقتها غير ذلك. فقد يدفع الإنسان إلى فعل الخير، لا محبّةً فيه، بل طلباً لمجد باطل، وصيت حسن! وقد يدفع الإنسان إلى انتهاج أعمال غير أخلاقيّة، يغطيّها بأعمال الإحسان! ناهيك عن المواقف الداخليّة من ترفّع واستكبار وازدراء...إلخ . الأمثلة لا تُعَدّ. 
ويبقى قلبُ الإنسان مخزنَ الشرّ.كيف يتربع الشرّعلى القلب البشريّ، ولماذا؟ 
يصير القلب مرتعاً للشرّير وشرّه، عندما تنتفي مخافة الله من الإنسان. فعندما يقصي الإنسان الله من حياته، يفقد معيار التمييز بين الخير والشرّ، ويحلّل لنفسه ما يهواه. يقول دوستويفسكي: "إذا كان الله غير موجود، فكلّ شيء مباح".
كذلك لا يستطيع القلب البشري أن يبقى فارغاً. فعندما لا يمتلئ من حضور الله ومخافته، يملأه الشرّير. عندما لا يكون القلب مهيّأً للمسيح، يكون جاهزاً للشرّ، لا محالة. إمّا المسيح وإمّا الشرّير. وقد جاء في الإنجيل المقدّس:
"إذا خرج الروح النجس، من إنسان،هامَ في الصحارى يطلب الراحةً فلا يجدها، فيقول: أرجع إلى بيتي، الذي خرجت منه. فيرجع ويجده خالياً نظيفاً مرتّباً. فيذهب ويجيء بسبعة أرواح أخبث منه، فتدخل وتسكن فيه. فتكون حال ذلك الإنسان في آخرها أسوأ من حاله في أوّلها!" (متى12/43-44).
يُجرَّب المؤمنون، الذين يهتّمون، على الأقلّ، بتتميم واجبات إيمانهم، بالاعتقاد بأنّهم مؤمنون ممتازون، بدليل قيامهم بالفرائض والواجبات الدينيّة، وتالياً، يقتنعون بأنّهم تمّموا الإيمان، فلا يعودون يطالبون أنفسهم بشيء آخر. هذا هو شيطان التضليل. وقوعهم في هذه التجربة دليل على أنّهم ما بلغوا إلى ديانة القلب، بعد. كذلك هي علامة على أنّهم لا يفحصون دواخلهم، على ضوء الكلمة الإلهيّة. فكيف، وحالهم هكذا، يعرفون كمّ الخطايا والشرور والميول الرديئة والدوافع السيئة، الموجودة فيهم، والتي تبعدهم عن فرح حياة الفضيلة، وتشدّهم نحو ارتكاب المعاصي المختلفة، التي تنتج ثقلاً وتعباً وقلقاً وغمّاً وفراغاً؟!!
من لم يعِ أهميّة وضرورة العمل على تنقية داخله، عليه أن يبدأ اليوم، وإلا فيبقى على عتبة المسيحيّة، ولا يبلغ إلى قلب الإنجيل. يتمّ عمل المسيحيّ الحقيقي والفعّال، في داخله أوّلاً. قال الربّ لزكّا: "انزل سريعاً يا زكّا، لأنّي سأقيم اليوم في بيتك"(لو20/6). ويدعونا جميعاً، من خلال زكّا، إلى النزول إلى عمق أعماق داخلنا، حيث يلاقينا، وتلمسنا نعمته.
الأعمال الخارجيّة المنظورة، هي ما يبدر عن الإنسان، وما يظهر من سلوكه، وما يقوم به من أعمال صالحة وتصرّفاتٍ جيّدة، ومسلكيات مرضية لله. لكن هذه إن لم تكن تعابير طبيعيّة، لما في الداخل، وفيضاً تلقائياً لفعل نعمة الله، تبقى على هامش جوهر الإنسان. تكاد نيّة الإنسان تكون ذات أهميّة تضاهي الفعل ذاته.(ذكّرني ذلك بالحديث الشريف إنما الأعمال بالنيّات) 
والخبرة تعلّمنا كم أنّنا نفعل أموراً حسنة، بدافع الواجب، أو الخوف من العقاب، أو طلباً للرضى الإلهي؛ ولكنّها، في النهاية، "ما طالعة"من قلوبنا، كما نقول بالعاميّة.
المطلوب هو أن يكون كلّ ما نعمله ونتمّمه، نابعاً من الداخل، فيضاً عفويّاً للمحبة التي تسكننا، بعد أن نكون قد تنقّينا من ميولنا الشرّيرة. يعدّد الرسول بولس، بعضاً من هذه الأهواء، فيذكر العُجْب والغرور والكبرياء والغضب والحسد وعدم امتلاك روح الوداعة والإدانه والقسوة على الآخرين. هذه بعضٌ من الشرّور الكامنة في دواخلنا. ومن تعرّف إلى المسيح، معرفةً شخصية، وأحبّه، يدرك أنّه لا يستطيع أن يجمع بين هذه العيوب والمسيح.
ولذلك تراه يركّز دائماً على إصلاح نفسه، وتقويم ذاته، بهدف أن يترقّى، يوماً بعد يوم، في حياة الفضيلة، ويصير أقرب فأقرب من المسيح، إلى أن يصير مسكناً مهيأً لحضور الله فيه. 
هذا حال القدّيسين، الذين نسمّيهم أبراراً. هؤلاء قضوا حياتهم في سعي مستمر من أجل تنقية ذواتهم وتطهير أذهانهم. وانتهج الكثيرون منهم الحياة الرهبانيّة سبيلاً لذلك. والكنيسة، شعب الله، تجلّهم وتكرّمهم، لا لمجرّد عيشهم في الرهبانيّة، بل لأنّهم حقّقوا هدف الحياة الرهبانيّة، الذي هو جوهر الحياة المسيحيّة: سكنى الروح القدس فيهم. إنّها المعركة الداخليّة.(الجهاد الأكبر) البارّ هو الإنسان الذي يركّز كلّ قواه وطاقاته، على تنقية ذاته من الداخل، فيصير إنساناً خالياً من العيوب والشرّور. نسمّيه بارّاً لأنّه، بعد جهادٍ طويل، وصل، بنعمة الله، وبأمانته هو، إلى هذه البراءة. 
ولأنّ الأبرار يودعون الربّ أثقالهم كلّها، ويتحلّون بالصبر، يريحهم المسيح الراحة الحقيقيّة، ويتشبّهون به وبوداعته وتواضع قلبه. وقد لعب الأبرار، ولا يزالون، الدور الأهمّ في حياة شعب الله. عندما يكون الإنسان مرتاحاً، يجلب الراحة لغيره أيضاً.
عدوّنا الوحيد، إذن، هو الشرّ المستحكم فينا، من الداخل. فلنتعلّم، من الأبرار، كيف نركّز على عيوبنا الداخليّة، فنراها أوّلاً، ونعرفها ثانياً، ونقاومها ثالثاً، حتّى نتحرّر منها. ونصبح من الذين ينشرون نور الفرح والسعادة والراحة، للذين هم مِنْ حولهم. ينعم الله على الأبرار بحضوره، مكافأة لهم على إيمانهم وأمانتهم له. الإيمان والأمانة من جذر لغويّ واحد، وروحياً هما لا ينفصلان. 
لا يكتفي المؤمن بالإيمان، بل يقرنه بالأمانة. أن تكون أميناً لعيشك إيمانك، هو ما يفتح الأمداء أمامك، لتصير الإنسان المرجو.