كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

الفرّيسيّة، صفة تطلق على المؤمنين، الذين يتمسّكون بحرفيّة الشريعة الإلهيّة، ولا يدخلون إلى جوهرها. الفرّيسيّ مؤمنٌ ملتزمٌ، غيورٌ على الدين ونواميسه، متعلّق بحذافير الشريعة ومظاهرها. همّ الفرّيسيّين إتمام الوصايا الإلهيّة، سُنُنَاً وقوانين وما إليها، لا غير، والاكتفاء ببرّ ذاتيّ، يتوهّمونه من جرّاء تنفيذها. ضميرهم مرتاح، لأنّهم يعتبرون أنفسهم أبراراً، ويوجّهون الانتقاد واللوم الجارحَين والهدّامَين إلى غيرهم، لتقصيرهم في تتميم واجباتهم الدينيّة. 
أناس قساةٌ على غيرهم، وقد تصل قسوتهم إلى حدود الظلم والاضطهاد. بينما يعلّمنا القدّيسون الكبار أن نقسو على أنفسنا ونرحم الآخرين. 
إلى ذلك هم مترفّعون، يعتبرون أنفسهم صالحين، لأنّهم ملتزمون بحرف الناموس، ويحافظون على التقاليد، ولو عاكست روح الناموس وهدفه. إنّهم مدافعون عن حقوق الله؛ وكأنّ الله يحتاج إلى محامين ومدافعين!! أو قد وكّلهم هم!! ولهم الحقّ كلّه، وفق رأيهم، في توبيخ الآخرين وتقويمهم، كونهم خطأة ومفرّطين بحقّ الله!!
تتمثّل خطورة الروح الفرّيسية، في الانغلاق على نعمة الله، وتحجّر القلب، وتالياً، عدم الوصول إلى قلب الله. تحوّل الروح الفرّيسيّة الدين إلى ممارسات محدّدة، يُستغنى بها عن العلاقة الحيّة بالله الحيّ. لذا تراهم، كلّما ازدادت غيرتهم، ازدادت غلاظة قلوبهم، ما يمنع الروح القدس من دخولها، وتغييرها. يعلم الفرّيسيّون كلّ ما يجب أن يُعرف بما يخصّ العمل بالوصايا، أمّا ما يخصّ الكيان فلا يعرفون عنه شيئاً. أَمَا استهزأ الربّ بهم، مراراً، قائلاً: "الحقّ أقول لكم إنّهم قد أخذوا أجرهم"!!
لم يكتشفوا، قطّ، قصّة الحبّ القائمة بين الله وخليقته. يرون في تديّنهم صفقة ًتُربحهم الرضى الإلهي، والاغتباط الذاتي، أكثر ممّا يرون فيها بنوّة تحثّهم على التشبّه بأبيهم السماوي. يعرفون الكثير عن الله، لكنّهم لا يعرفون شيئاً عن شخصه. ولو عرفوا الله حقّاً، لذابوا حبّاً في سبيل خليقته، على غرار ما فعل هو وما يزال. أَمَا جاء في الإنجيل الشريف: "هكذا أحبّ الله العالم، حتّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة"(يو3/16)!
لم يكن غريباً ظهور الفرّيسيّة، في العهد القديم، لأنّ ناموسه "كان مؤدّبنا إلى المسيح، لكي نتبرّر بالإيمان" (غلاطية 3/24). والناموس التأديبي التربوي يقوم على الأوامر والنواهي، أكثر ممّا على الإيجابيّات. البرّ، في الناموس الموسوي، يقوم على الامتناع عن فعل الرذيلة: "لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشتهِ مقتنى غيرك...إلخ"(خروج20). المستغرب هو وجودها، في العهد الجديد، الذي دشّنه المسيح وأكمله!! إنّها خيانة عظمى للمسيح نفسه، لا لشريعته فقط. 
التطويبات شريعة العهد الجديد، وهي تقوم على الفضائل: "طوبى للمساكين بالروح، للودعاء، لصانعي السلام، للرحماء...إلخ (متى 5). لقد أكمل المسيح العهد القديم بالجديد، بنقله الشريعة من فعل الامتناع، إلى فعل الانطلاق، إلى رحاب الحياة الحيّة مع الله، والمؤدّية إلى الكمال الذي لا نهاية له. "قيل لكم لا تقتل، فمن يقتل يستوجب حكم القاضي، أمّا أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القاضي، ومن قال لأخيه: يا جاهل استوجب حكم المجلس، ومن قال له يا أحمق: استوجب نار جهنّم"(متى5/21-22).
شتّان ما بين الناموسين. وأكثر من هذا. ما وبّخ المسيح أحداً بالقسوة التي وبّخ بها الفرّيسيّين ومعلّمي الشريعة. لنقرأ سويّاً الفصل 23 من إنجيل متى، لنرى كم كان المسيح قاسياً معهم، وصريحاً في وصفهم.
وبّخهم لأنّهم يحزمون أحمالاً ثقيلة شاقّة الحَمْل، ويلقونها على أكتاف الناس... ولا يعملون عملاً إلا ليشاهدهم الناس... ولأنّهم يغلقون ملكوت السموات في وجوه الناس، فلا هم يدخلون ولا يتركون الداخلين يدخلون... ولأنّهم يقطعون البرّ والبحر ليكسبوا واحداً إلى صفّهم، فإذا نجحوا، يجعلونه يستحقّ جهنّم، ضعف ما هم يستحقّون!...
ودعاهم بالجهّال والعميان، لأنّهم لا يفرّقون بين الذهب والهيكل!... لأنّ الأعظم هو الهيكل الذي يقدّس الذهب الذي عليه، ولأنّهم لا يميّزون بين المذبح والقربان!... لأنّ الأعظم هو المذبح الذي يقدّس القربان.
ولأنّهم يطبّقون شريعة التعشير في الأمور الخفيفة كالنعناع والصعتر والكمون (أي محاصيل زراعتهم)، ولكنهم يهملون أهمّ ما في الشريعة: العدل والرحمة والصدق...
ولأنّهم يهتمّون بطهارة الأمور الخارجيّة، بينما باطنهم ممتلئ بما حصّلوه بالنهب والطمع. لقد شبّههم بالقبور المبيّضة، التي ظاهرها جميل، وباطنها ممتلئ بعظام الموتى وبكلّ فساد. وقال لهم علانية: "وأنتم كذلك، تظهرون للناس أبراراً، وباطنكم كلّه رياء وشرّ".
هكذا خاطب الربّ فرّيسيّي زمانه. تراه بماذا يخاطب فرّيسيّي زماننا!
تتبدّل القضايا المطروحة، والتحدّيات، وطرق مواجهتها، وقد يختلف المؤمنون على التمييز بين التقليد الشريف والتقاليد المرافقة، تلك المرتبطة بالثقافة المحليّة المتغيرة، بتسارع لا يمكن تجاهل ملاحظته. لكن الروح، التي نقارب فيها كلّ هذه الأمور، قد تبقى فرّيسيّة، إذا أعمتنا كبرياؤنا، ورفضنا أن نصحو.
كيف تظهر فرّيسيّتنا اليوم؟ 
• عندما ننصّب أنفسنا مصلحين، لا شغل لنا سوى مراقبة الإخوة شكّاً بأمانتهم، وتوزيع الانتقاد يمنة ويسرة، وتعثير الإخوة الصغار، وتشكيكهم...
• عندما نصرف الوقت والجهد، ونستعمل ما أعطانا الله من عقل وذكاء وإيمان، في سبيل مهاجمة الجسم الكنسي، ومحاسبة خدّامه وشتمهم، أيّا يكن موقعهم، على ما نعتبره أخطاء وتعدّيات!! وكثيراً ما نكون مخطئين، وغير مطّلعين على الحقائق والوقائع بكلّيتها. 
• عندما نهتمّ بالحفاظ على الشكليات والمظاهر، ولو دفنت المعنى والجوهر، وندين غيرنا ونرسله إلى جهنم، لمجرّد مخالفته لنا في الرأي. 
• عندما نحتكر الحقّ، فنستسهل الاتهام بالهرطقة، على "الطالع والنازل"، وكأنّ الله قد تنازل عن مهمّته بفرز المستقيمين عن الهراطقة، والأشرار عن الأخيار، وتركها لنا!!
• عندما نتعامى عن الجميل والحَسَن في الكنيسة، ونسوِّد صورتها، وننشر روح الإحباط واليأس، ونبخس الجهود الصادقة المبذولة في سبيل خدمتها!!
• عندما نعتبر أنفسنا أنقياء، لمجرّد اتّباعنا هذا أو ذاك من المعلّمين... أو قيامنا ببعض الممارسات الروحية، من صوم وصلاة ومعرفة وما إليها.. 
• عندما نشوِّه تعاليم القدّيسين ونحرّفها، مخرجين إيّاها من سياقها، لكي نثبت صحّة رأينا واستقامته.
• عندما نفصل أنفسنا (وهذا معنى لفظة فرّيسيّ أساساً) عن الكنيسة، ونتصرّف وكأنّنا، وحدنا الكنيسة، ونقارب أمورها بروح الغضب والحقد، طارحين المحبّة خارجاً.
والأمثلة أكثر من أن تُعَدّ.
تكمن خطيئة الفريسي العظمى، في أنّه لا يتعاطى أمور البشر كما تعاطاها المسيح، أي بروح المحبّة والتحنّن، بل، على العكس، يتعاطاها بروح الإدانة والاتهام والعجرفة. تنازل الله ليخلّصنا، بينما يتعالى الفرّيسيّون ليدينوا، مُصدرين أحكامهم بلغةٍ تخلو من نبرة المحبّة. القانون الجامد هو سيّدهم، لا المسيح. 
تقود ذاتك إلى الفرّيسيّة، إن نصّبت نفسك معلّماً فوق إخوتك، لا إزاءهم. آنذاك لا تستغرب إن سمعت صوت الله ينكرك، لأنّك رفضت التواضع الذي يقودك إلى المحبّة كمال الناموس.