كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

عيد التجلّي عيد المجد. إنّه عيد التمجيد: تمجيد الإنسان، بعودته إلى ما كان عليه في الفردوس، قبل سقطة آدم وحوّاء، بل إلى اكتمال المجد الذي كانا سيصيران إليه، لو لم يسقطا.
لو خُلق الإنسان ليعيش سنوات مهما كان عددها على الأرض، ومن ثمّ ليموت، فما هو معنى عيشه؟ لقد خُلق للمجد الإلهي، خُلق ليلبس هذا المجد.
معرفة المجد هي الحاجة الأكثر عمقاً وترسّخاً في قلب الإنسان. إنّها حاجتهالملتصقة بطبيعته دوماً. حتّى الأطفال يتوقون إلى المجد ولو من دون معرفة، وذلك عندما يريدون أن يتميّزوا. أمّا البالغون فيجدون فيه دافعاً لتفوّقهم ولأعمالهم العظيمة، أو، في حال كونهم أشراراً، دافعاً لأفعالهم القبيحة. 
لا يستطيع الإنسان أن يكتفي بوضعه ويقبل به، إنّه يتوق إلى الأفضل بشكل دائم ومستمرّ. والإنسان أفضل ممّا هو عليه، ولو لم يعرف ذلك. ففي داخله جمالٌ يغطّيه بقباحات ما يراه ويتحسّسه ويشعر به، ممّا هو قريب إليه ومحسوس منه. لكنّه يشعر بهذا الجمال، ويتحسّسه في حالات خاصّة. فيسعى إليه بطلب المجد، لكنّه، بعيداً عن الله، يبقى توّاقاً إليه، مهما حصّل من أمجاد.
ولكن ثمّة مجد ومجد آخر: مجد الأرض ومجد الملكوت، مجد البشر ومجد الله، مجد آنيّ ومجد أبديّ، مجد ظاهريّ ومجد داخليّ، مجد مؤسَّسٌ على الصليب ومجد مؤسَّس على صلب الآخرين، مجد يمرّ بالصليب ومجد يرفض الصليب. ترى أيُّ مجدٍ هذا الذي تبتغيه؟ 
المجد الذي وعدنا به الله هو "شركة إرث القدّيسين" (كول1/12)؛ إنّه مجد القداسة، ذاك الذي جعله الله مستطاعاً لنا، بواسطة الصليب. "إنّي أحسب أنّ آلام هذا الدهر لا تُقاس بالمجد المُزمَع أن يتجلّى فينا" (رو8/18)، و"لأنّ ضيقنا الحالي الخفيف يُنشئ لنا ثقل مجدٍ أبديّاً لا حدّ لسموّه"(2كو4/17). لذلك كان موسى وإيليا يتحدّثان معه "عن خروجه المزمع أن يتمّمه في أورشليم" (لو 9/31).
إنّ لفظة "خروجه"، وباليونانية exodus، تشير إلى موته. موت المسيح مرتبط صميميّاً بمجد التجلّي. لأنّ المسيح يتمجّد بواسطة موته (يو12/23). يأتي عيد التجلّي، في الدورة الليتورجيّة السنويّة، قبل عيد الصليب بأربعين يوماً، مُظهِراً الترابط القائم بين مجد المسيح والصليب. وتكشف لفظة "خروج" أنّ آلام المسيح تحقيقٌ لفصح العهد القديم، والخروج الحقّ من العبودية إلى الخلاص.
كذلك يؤكّد انكشاف هذا المجد الإلهي على أنّ موت المسيح الآتي قريباً، ليس أمراً مفروضاً عليه من قوى خارجيّة، بل كان تقدمةَ حبٍّ مجانيّة. لأنّ ما من جندي كان بإمكانه أن يقاوم هكذا مجد، عند القبض على يسوع، لو لم يبقَ المسيح صامتاً (مت26/53). نرتّل في قنداق العيد "وحسبما وسع تلاميذك شاهدوا مجدك، حتّى عندما يعاينونك مصلوباً، يفطنون أنّ آلامك طوعاً باختيارك".
يسبق رواية حَدَث التجلّي كلام الربّ عن آلامه القريبة للتلاميذ، وعن قيمة إهلاك النفس من أجل خلاصها. تبدأ الرواية هكذا: "وبعد هذا الكلام". وفي هذا دلالة على ارتباط الصليب بالقيامة. فيكون حَدَث التجلّي كشفاً مسبقاً لمجد المسيح، لكي يقوّي التلاميذ، الذين رأوه، ويثبّت إيمانهم بمعلّمهم ومسيحانيّته. يروي الإنجيل أنّ الربّ أخذ هامَات تلاميذه، وهم بطرس ويعقوب ويوحنا، ليروا مجده هذا. 
تقول طروبارية العيد: "لمّا تجلّيت أيها المسيح الإله على الجبل، أظهرتَ مجدك للتلاميذ حسبما استطاعوا". وتؤكّد بدورها على أنّ التلاميذ رأوا بقدر ما كان باستطاعتهم أن يروا. فالروح القدس ما كان قد حلّ عليهم بعد.
يحصل على هذا المجد من جاز الصليب، أيّ من تحرّر من الأنا البغيضة، ومن حبّ الذات. رفضُ الصليب يجعل الإنسان يطلب المجد في تأكيد ذاته، فيبقى مجده آنذاك مجداً أرضيّاً محكوماً بالفشل، لا يمنحه الملء والشبع المطلوبين. وهذا ما يظهر في عدم اكتفائه بأيّ ربح يحصل عليه، وفي سعيه الدائم إلى الاستزادة ممّا صار إليه. 
"فإنّه ليس على هذا المثال يسلك كثيرون، ممّن قلت عنهم مراراً، وأقول الآن أيضاً باكياً إنّهم أعداء صليب المسيح، وعاقبتهم الهلاك، وإلههم البطن، ومجدهم في خزيهم وهمّهم في الأرضيّات"(فيلبي3818-16). "الذي يُرى إنّما هو وقتيّ، وأمّا الذي لا يُرى فهو أبديّ"(2كو4/18) ولا تقتصر كلمة أبديّ على الحياة الثانية، بعد الموت، بل تشمل، الحياة الأرضيّة أيضاً.
فالمجد الأرضيّ فانٍ بحدّ ذاته، ووهميّ في الحياة الثانية، وسببٌ للهلاك. أمّا المجد الموعود، مجد تجلّي الإنسان في النور الإلهي، اكتمال الصورة بالمثال الإلهي، فهو المجد الدائم والأصيل، وغاية خلق الإنسان.
إنْ كان هذا المجد، الغاية، غير موجود، فما هو مبرّر حياة البشر؟ وما الذي يجعلهم يتحمّلون آلامهم الشخصيّة وآلام الغير؟ وما الذي يزوّدهم بطاقة الاستمرار في جهد العيش المضني؟ تصير الحياة من دون هذا الهدف الإلهيّ عبوراً لا مبالياً بين غرباء يواصلون طريقهم بلا نفع، حياة "من البطن إلى القبر". ويصبح التاريخ مجرّد تتابع سراب بلا جدوى. والحياة، حياة كلّ إنسان سلسلة قصيرة من أحداث لا مبرر لماضيها، ولا معنى لحاضرها، ولا نهاية محتملة لآلامها. يصبح ذكر آلام البشريّة وعذابات الإنسانيّة شيئاً لا يُطاق ولا يمكن تحمّله.
لكنّنا نعلم أنّ الحال ليس هكذا. فالله يعلن عن أنّه في كونه صار إنساناً أيضاً، سيُظهِر لتلاميذه التبدّل الذي سيطرأ على البشر في ملكوته السماوي، عندما سيدخلون هم أيضاً في المجد. "لأنّ من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي يجدها... لأنّ ابن البشر مزمع أن يأتي في مجد أبيه مع ملائكته. وحينئذ يجازي كلّ أحد بحسب أعماله(متى6/25،27- لوقا9/24،26). وأيضاً الحقّ أقول لكم: إنّ قوماً من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتّى يروا ملكوت الله"(لوقا9/24)، "حتّى يروا ابن البشر آتياً في ملكه"(متى16/28).
التجلّي إذن هو نموذج حالة الإنسان الطبيعي. إنّه جمال الإنسانيّة المُستعاد. جمال المخلوق الأصيل وغير المشوَّه. عرف كثيرون هذا الجمال – المجد، واختبروه ههنا على الأرض. ذاقه موسى النبي عندما لمع وجهه، وما استطاع العبرانيون أن ينظروا إليه. وعرفته كثرة من المستنيرين، الذين، بصفاء سيرتهم ونقاء جهادهم، تحرّروا من فساد طبيعتهم الساقطة، وصاروا هيكلاً لسكنى الله، كالقديس سيرافيم ساروفسكي، وكثر غيره.
فليؤهلنا الله لطلب هذا المجد. آمين