كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

مجمّع نجيب نعمة الرعائي، حلم طبيب شابّ، لم يمنحه المرض فرصة تحقيق ما يصبو إليه، فتابع والداه تحقيق حلمه. قدّم دير القدّيس يوحنّا المعمدان (دوما، لبنان)، من أملاكه، أرضاً مساحتها أحد عشر ألف متر مربّع. وقدّم والدا نجيب المبلغ المطلوب، وتابعا، بالتنسيق مع الدير، مراحل التنفيذ. في شرق الأرض، شًيّدت كنيسة حجرية جديدة، غاية في البساطة والجمال والإتقان، في المكان الذي كانت فيه، في القرن العاشر، كنيسة على اسم القدّيسين سرجيوس وباخوس.
يضمّ المجمّع حاليّاً، عدا الخيم العديدة، ثلاثة أبنية مختلفة التصميم، قادرة على استقبال حوالى ثمانين شخصاً. يتوسّطها مقرّ سكنيّ وإداريّ للمجمّع، لوالدة صاحب الحلم، وهي ووالده، الذي رحل منذ سنة ونصف، أستاذان جامعيّان، يحملان شهادة الدكتوراه. وما تزال الأعمال جارية، فالمجمّع لم يكتمل بعد، ولكنّه بدأ بفتح أبوابه لاستقبال النشاطات الشبابيّة، بخاصّة، بالتعاون مع حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة. 
تحتلّ الشبيبة مكانة خاصّة في قلب هذه العائلة، ويشكّل اهتمامها بالشبيبة وتحدّياتها وسلامتها الدافع الأقوى، إن لم يكن الأوحد، الذي جعل هذا المجمّع حقيقة. 
في ذلك المكان، كانت لي، مؤخراً، بركة مرافقة بعضٍ من شبيبتنا الجامعيّة في خلوة روحيّة، دعت إليها حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، وشارك فيها عدد تجاوز الأربعين، من مختلف أبرشيّات الكرسي الأنطاكي الأمّ، أعني سوريا ولبنان. كانت الخلوة النشاط الافتتاحي لهذا المجمّع. هناك قضينا يومين ونصف في جو من روحانيّة فرحة، خيّم عليها حضور سماويّ.
كان النهار يبتدئ بقراءة فرديّة حرّة، في الطبيعة، للكتاب المقدّس. ومن ثمّ يتوزّع البرنامج اليومي بين صلوات، وتأمّل إنجيلي تطبيقيّ، وحديث روحيّ، وحوار مشترك حول أقوال بعضٍ من آباء الكنيسة وأمّهاتها، وبعد ذلك ثمّة سهرة مشتركة حواريّة. كذلك اختبر المشاركون تناول بعضٍ من وجبات الطعام بصمت، بغية الدخول في اختبار تناوله بفعل شكر لله وامتنان له، كونه تقدمة إلهيّة.
لم يساعدنا عدم اكتمال الأعمال الإنشائيّة، في المجمّع، على تتميم البرنامج المقرّر بدقّة، لكنّه ساهم، عن غير قصد، في إشاعة جوّ من العفويّة والحيويّة، أغنى الخلوة، وقدّم خبرة إيجابيّة مهمّة. والأهمّ فيها هي الشبيبة، لأنّها الغاية والهدف. 
حقّقت الخلوة أكثر ممّا كان متوقّعاً منها. فبعد انقطاع طويل عن اختبار الخلوات الروحيّة وممارستها، كان انخراط المشاركين في فقرات البرنامج، الروحيّة الصرف منها بخاصة، إيجابيّاً ومتفاعلاً بجديّة عفويّة. أمّا تجاوبهم، أكان في الأسئلة أو الحوار أو عرض بعض الخبرات الشخصيّة، فكان على سويّة بسيطة ورفيعة في آن؛ إنْ دلّت على شيء، فإنّما تدلّ على انفتاح لامتصاص رحيق الغذاء الروحي لنفوسهم العطشى إلى الحب والفرح والسلام الحقيقيين، عندما يقدَّم لهم بفرح وجمال وحبّ.
أثارت خبرة اللقاء فيّ شؤون التلمذة وشجونها. تلك التي أوصانا ربّنا بها، عبر تلاميذه، قبل صعوده إلى السموات، قائلاً: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يعملوا بكلّ ما أوصيتكم به، وها أنا معكم طوال الأيام، وإلى انقضاء الدهر، آمين" (مت28/19-21). 
تعني التلمذة أنّ رسالة الكنيسة تكمن في أن تجعل الناس تلاميذ للمسيح. والتلميذ، بديهيّاً، بحاجة إلى معلّم يتتلمذ على يديه. واضح من كلام الربّ هنا، أنّه على الكنيسة أن لا تكتفي بتعميد الناس. المعموديّة هي بدء انطلاقة الحياة المسيحيّة، التي هي، أساساً، تلمذة متواصلة، حتّى بلوغ ملء الحياة، التي أرادها الله لنا؛ وهذا سعي وعيش يستغرقان زمن الحياة على الأرض مهما طال. 
ذكّرتني الشبيبة، بتجاوبها، في هذه الخلوة، بكلمة اعتراف نبويّة، خاطب بها المطران ميليتون الشعب الأرثوذكسي، في ختام المؤتمر التمهيدي الثاني للمجمع الكبير، قائلا: ".. لقد اكتشفنا ما هو أهمّ، ... أنتم جميعاً الذين عمّدناكم على اسم الآب والابن والروح القدس، في جرن معموديّة الإيمان الأرثوذكسي، ونسينا في ما بعد أن نغذّيكم بالتعليم المسيحي، واكتفينا بالطلب إلى عرّابيكم، أن يردّدوا عنكم دستور الإيمان، وتركناكم في ما بعد إلى مصيركم". 
شعب الله، والشبيبة منه بخاصّة، بحاجة إلى أن يعرف، أوّلاً، الحياة في المسيح، من ينابيعها الأصيلة، وبصورتها الحيّة المشرقة، وملامستها لواقعه. ليست شبيبة اليوم متمرّدة كما قد يظن الكبار أحياناً، بقدر ما هي غير عارفة بالغنى الموجود في كنيستها، لأنه لا يُقدّم بصفائه. لا تحتاج الشبيبة إلى معلومات علميّة عن الله، بقدر ما هي ظمأى إلى الدخول في شركة حياة معه، وإلى مرافقة شخصيّة لها، في مسيرة اختباراتها، إيجابيّة كانت أم سلبيّة.
كذلك لغتنا التعليميّة بحاجة إلى استخدام مفردات من واقع حياة شبيبة اليوم. لا يجب أن تبدو المسيحيّة وكأنّها تخاطبهم من التاريخ، بل من حاضرهم وتحدّياتهم وفرحهم وحزنهم وتخبّطهم، وحتّى في سقطاتهم...إلخ. إنّ استيعاب المرشد لما يعانونه، لا على صعيد ممارسات أخلاقيّة بعينها، وإنّما على صعيد حياتهم الداخليّة، لأكثر من ضروريّة. وهذا لا يتعلّمه المرشد نظريّاً، بل روحيّاً. كما يلعب إصغاؤه لهم دوراً مهمّاً في اكتسابه لهذه المعرفة.
الانطلاق من الجمال الموجود في الإنجيل يلعب دوراً أساسيّاً في رسم صورة حقيقيّة للمسيح الحيّ، المحبّ، الآتي طالباً "رحمة لا ذبيحة"، والمفتقد "المرضى لا الأصحّاء"، والمقدِّم حياةً لا فروضاً، و"حياة يريدها أوفر". يقول المطران أنطوني بلوم، في حديث له عن معرفة الذات، ما مختصره: "الإنسان أيقونة تالفة. ركّزوا على الأجزاء السليمة فيها، وعوا جمالها، ومن ثمّ ابدأوا في نقل هذا الجمال إلى الأجزاء التالفة والمشوّهة. هكذا تكتمل الأيقونة، وتضجّ بالجمال". 
كيف نقدِّم الحياة في المسيح لشبيبة اليوم؟ سؤال أكثر من مهمّ. ثمّة فرح ونور وجمال عظيم في إنجيل المسيح، لا يحقّ لنا تغييبهما، بل يجب الانطلاق منها. يقول دوستويفسكي: "الجمال سيخلّص العالم". لماذا نتقصّد الجمال في طقوسنا؟ أليس لنعكس جمال ملكوت الله؟!!
أمّا الإنجيل المعاش فقضيّة أخرى في غاية الأهميّة. لمست في هذه الخلوة، بعضاً من اندهاش، عند الشبيبة، من أنّ الإنجيل يمكن أن يلامسهم إلى هذا الحدّ، الذي اكتشفوه، وتجاوبوا معه بفرح. للأسف طغى على وسطنا التعليمي، في العقدين الأخيرين، البعد المعرفي، العلمي والنقدي، للإنجيل، والكتاب المقدّس بعامّة، على كلّ الصعد التعليميّة، بما فيها الوعظ، على حساب تأوين كلمة الله، لتحيي الإنسان "الآن وهنا". 
إلى ذلك، تراثنا الروحي الآبائي ثريّ جدّاً، وعلينا اختيار النصوص التي تتناسب والمستوى الروحي للشريحة التي نخاطبها ونتحاور وإيّاها. وإلا نفّرناها من المسيح، بدلا من أن نقرّبها منه. يبدي الكثيرون استغراباً إيجابيّاً عندما يلتقون بكاهن يحاورهم بلغة إيجابيّة، متفهّماً أسئلتهم، وعارفاً بخلفيّاتها، بسبب من ثقافته؟ ألا يجب أن يكون هذا حال جميع الكهنة والمعلّمين، أو أقلّه غالبيّتهم؟ كيف ندرّبهم على اكتساب إمكانيّة التواصل هذه؟
يبقى الأهمّ، وهو أن يترك المعلّم المجال للروح القدس، لكي يتحدّث من خلاله. فحقيقة المسيح، المعاشة في التواضع والبساطة والمحبّة، تفعل إلهيّاً بالنعمة. ما لم ينفتح القلب على النعمة، يبقى مغلقاً. 
تلمذة البشر للمسيح، وتعليمهم ما أوصى به، هي وصيّته الأخيرة، والكنيسة الحيّة، إكليروساً وشعباً، تضعها في صدارة أولويّاتها.