كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
بسم الآب و الأبن و الروح القدس الإله الواحد آمين.
أُعطينا جميعاً، في هذا اليوم المبارك، نعمةً خاصّة، أيها الأحبّة، وهي أن نجتمع معاً، في هذه الكنيسة المقدّسة، وأن نشترك سويّاً في عشاء الربّ، في أوّل قدّاس إلهيّ يُقام فيها. إنّها لبَرَكة عظمى، شاءها الله لنا. فلنشكره لأجلها.
في إنجيل اليوم، نرى الربّ يسوع حاضراً، مع تلاميذه وجموع كثيرة، ممّن يصفها الإنجيل "مثل قطيع لا راعيَ له". هكذا يرى المسيحُ الشعبَ، ولذلك كان يتحنّن عليه. يرى المسيح وجع الناس. يرى حاجتهم و يؤمّنها لهم. أمّا التلاميذ، الذين رافقوه، وقضوا معه سنوات ثلاث، فما كانوا قد بلغوا بعد هذا الحنان الفيّاض، الذي في قلب الربّ. لذلك قالوا له: "إنّ المكان قفر، والساعة قد فاتت، فاصرف الجموع ليذهبوا إلى القرى، ويبتاعوا لهم طعاماً". كلامهم هذا يدلّ على أنّهم يعرفون أنّ الجموع جائعة، وبها حاجة إلى الطعام. لكن وجهة نظر التلاميذ كانت محصورة في قيامهم بواجبهم لا غير! لقد اكتفوا بمرافقة السيّد، والاستماع إليه، ولعلّهم حفظوه من تدافع الجموع، التي، برأيهم، بما أنّها قد سمعته، وحصلت على كلام الحياة منه، فلتنصرف إلى تدبير أمورها المعيشية! قال لسان حالهم: لقد انتهى عملنا! فلماذا هم باقون!! 
أليس هذا منطقنا البشري في غالب الأحيان؟! ألا نرغب في العمل في حقل الربّ، ونفرح بخدمة شعبه؟. لكنّنا نقصر خدمتنا على أعمالٍ محدّدة بعينها، ونبرّر لأنفسنا تقصيرنا عن فعل الاحتضان، بإراحة ضمائرنا لكوننا قد قمنا بالواجب المطلوب منّا؟
المسيح الحنّان لم يقم بكل ما قام به، بدافع الواجب، بل بدافع المحبّة. وهذا لم يفهمه الرسل إلا بعد حين. ونحن أيضاً بدورنا كثيراً ما لا نفهمه، و ما لا نبلغه!
"اصرفهم لكي يذهبوا و يبتاعوا طعاماً". ألا تعني دعهم يتدبّرون أمورهم بأنفسهم، فها نحن وقد أنهينا خدمتنا لهم؟ لكنّ جواب المسيح كان على العكس ممّا يعتقدون. أجابهم: "لا حاجة لهم إلى الذهاب. أعطوهم أنتم ليأكلوا". إلى أين يذهب من هو مع المسيح؟ إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك يا ربّ. من يلازم المسيح لا يجوع، لأنّ الرب يتكفّل به. أَمَا قال لهم: أعطوهم أنتم ليأكلوا؟ وهو يعرف بأنّهم لا يملكون إلا القليل القليل من الطعام؛ خمسة أرغفة وسمكتين! وبقوله هذا حمّل التلاميذ مسؤولية إطعام هذه الجموع.
ليست مسؤوليّتنا، أيّها الأحبّة، نحن الذين نخدم في الكنيسة، مقصورة على عمل محدّدٍ بعينه يُسند إلينا. هذا نقوم به لأنّه أُسند إلينا، لأنّه طُلبَ منّا. لكن هذا لا يعني أنّنا لسنا معنيين بالأمور الأخرى، التي يحتاجها شعب الله.
"أعطوهم أنتم ليأكلوا"، تعني اهتمّوا أنتم بهم، لا تقولوا لهم اذهبوا و دبِّروا أنفسكم، فأنتم معنيّون أيضاً بحاجاتهم.
هكذا هو حنان ربّنا؛ حنان يغمر الناس، حنان يحضن هذا العالم. وعلينا جميعاً، نحن تلاميذه، أن نتشبّه به، ونغرف من هذا الحنان، من عشرتنا له، من التصاقنا به، لكي نصير على مثاله، ونبلغ بصورته، التي فينا، إلى مثاله، ونعانق هذا العالم بحبّنا. هذه هي مسؤوليّتنا، باعتبارنا مسيحيين؛ لا بل هي مسؤوليّتنا الأولى، والعامّة، والرئيسة، و الجوهريّة. أمّا من بعدها فمن له موهبة ما فليعمل بموهبته أكثر ممّا يعمل في الحقول الأخرى. فذاك أمرٌ تقني لا أكثر.
من المهمّ جدّاً أن يكون إحساسنا، وشعورنا، ووعينا، أنّنا حاضرون لكي نحضن هذا العالم، بكل ما أعطانا إيّاه الله من قدرة وقوة وإمكانيّة. المهمّ أن يكون عندنا هذا الموقف دائماً، أن نكون مستعدين، ولو قلبيّاً، على الدوام. فلنتذكّر أنّنا، حتّى في الأوقات التي نرى أنفسنا فقراء جدّاً، إلى درجةٍ لا نملك فيها شيئاً لكي نعطيه، مادّياً كان أو معنويّاً، حتّى في هذه الحالة، لدينا ابتسامة، لدينا رمشة عينٍ، لدينا التفاتة، لدينا يد تحنو برقّة، فتُحيي كثيراً ممّن هم في الإحباط واليأس والاكتئاب.
إن كنّا تلاميذ المسيح حقّاً، فعندنا الكثير ممّا لا نعرفه، والربّ بحنانه سيكشفه لنا، إن فتحنا أنفسنا على حنانه والتحنّن على عالمنا.
ثمّة أُناس يعطيهم الله من المادّيات ما يستطيعون أن يقدّموا به خدمة عظيمة، و ثمّة أُناس يعطيهم القليل من المادّيات. ليس الكمّ هو المهمّ، أيّها الاحبّة، بل الموقف. نحن في هذا اليوم نشكر الله كثيراً، و من عمق القلب. نشكره بفرح وتهليل، لأنّه دائماً ما يُنعم علينا بوجود أُناس يحبّونه، وقد ملأتهم محبّتهم له بفيضٍ على شعب الله، وعلى كنيسته. وما هذا المجمّع، الذي نحن فيه، والذي بدأنا فيه خلوتنا الروحيّة إلا عطيّة من محبّته المتجسّدة في واقعنا. لم يكن هذا المجمّع ليوجد لو لم يوجد أُناس غمرهم الله بفيض حنانه، فأفاضوه بدورهم على شعب الله، ووضعوه في خدمته، رغبةً منهم في نموّه في المسيح. هذا المجمّع أيضاً، لم يكن ليوجد لو لم يكن عندنا شركة رهبانيّة، هي بدورها مملوءة من حنان الله، ولا تقول نحن نكتفي بتوزيع كلمة الله، أمّا الحاجات الأخرى "فلينصرفوا و يبتاعوا لهم طعاماً". لا! تقول نحن شهود لمدّ حبّ الله و حنانه إلى كلّ مكان؛ ونحن نعطي من كلّ ما أعطانا، لكي نكون على صورته؛ نحن نعطي والله يبارك.
بدأ هذا المجمّع برؤية أصغر ممّا هي عليه اليوم، لكن الله باركه، وسيباركه، دائماً، ليكون أكبر وأقدر على الوفاء بحاجة شعب الله، وعلى الامتلاء منه، والوجود فيه، لكي يُرفع التسبيح و التمجيد له في كلّ حين.
"أعطوهم أنتم ليأكلوا"، هي وصيّة لكلّ مسيحيّ، ولكلّ عامل في حقل الخدمة بخاصّة، ولمن يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن التعليم والتربية ومدّ حبّ الله إلى جميع البشر، الذين من أجلهم مات المسيح وقام. إنّها وصيّة تخصّ من يعتبرون أنفسهم معنيين، وهم كذلك، بشؤون الكنيسة ونهضتها الروحيّة، قبل أي شيء آخر، إذ هي أساس جميع مظاهر النهضة الأخرى.
"أعطوهم أنتم ليأكلوا"، وصيّة، ضعوها في قلوبكم، وفي أذهانكم، حتّى يبارك الله خبزاتكم القليلة و السمكات الأقلّ التي بحوزتكم، وهكذا، بنعمته تصير، ببركة الربّ، وفيرة وكافية لكلّ الشعب الذي تخدمونه، آمين.