كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
اكتشفت، بعد قضائي شهوراً في الغرب، أنّ "ما هو ناقص عندنا متوفر هناك، وما هو ناقص عندهم متوفر هنا". في الواقع ما من مجتمع كامل على الأرض. الملكوت المنشود هو ملكوت الله، وهذا لا يوجد كاملا ًعلى الأرض، بل في قلوب البشر، الذين فتحوا قلوبهم عرشاً للربّ، ليكون السيّد الأوحد عليها، فغيّر حياتهم بالكليّة، ساكباً فيها نوره ونعمته وفرحه. "ملكوت الله في داخلكم" يقول المسيح. 
يتمتم البشر الملكوت على الأرض، يذوقون من حلاوته، لكنّه لا يكتمل إلا في الحياة الثانية، حيث لا يبقى من أثر للشرّ والخطيئة وما إليهما. كلّ المجتمعات البشرية تعتورها شرور ومخاوف وعيوب. بالركون إلى ربّك، فقط، تذوق كمال السلام والطمأنينة والراحة. الفردوس المنشود في قلب الإنسان، وفي ما ينعكس منه على المحيط الذي يعيش فيه.
أسوق هذا الكلام في غمرة انبهار بعضهم بثقافة الغرب، بسبب ما يلمسونه من بؤس وشقاء في شرقهم. أمام الألم الكبير والمعاناة الفظيعة، التي يواجهها الإنسان في مكان ما، يميل إلى تضخيم محاسن ما يراه أو ما يظنه مكاناً أفضل، كونه خالياً ممّا يعاني هو منه ويتألم بسببه.
في الحرب العالمية الثانية جرى على أرض أوروبا فظائع رهيبة، ما كانت تخطر على بال أحدهم. لم تجرِ وقائع هاتين الحربين في بلاد متخلفة، بل متقدمة وراقية؛ بلاد، اجتهد كثير من الشرقيين المتنورين لنقل ثقافتها إلى بلادنا، بغية النهوض بها، وإدخالها زمن الرقي والتقدم والعلم. 
إذا كانت مجتمعاتنا تعاني من نقائص كثيرة، فهذا لا يعني أنّ غيرنا من المجتمعات كامل بالكليّة. بل بالأحرى لديه نقائص كثيرة أيضاً، من نوع آخر مختلف عمّا عندنا. الحكيم هو من يحلّل واقعه تحليلاً موضوعيّاً، ويقتبس من غيره الحسن والمفيد له ولمجتمعه، ولا يستنسخه استنساخاً. المعرفة والعلم يحتاجان إلى الحكمة. الحكيم من يطعّم واقعه بما هو حسن وموافق وبنّاء، ليصير للأفضل. قد تنادي بالحقّ الصريح، لكن إذا لم يكن السامع قادراً على استيعابه، يبقى صوتك في الهواء.
تاريخ أوروبا، وما شابَهُ وأثّر فيه، طبع العالم بالثقافة الغربيّة، التي باتت مؤثرة في العالم كلّه اليوم، ويستقبلها بعضهم متبنّياً إيّاها كما هي، من دون استنساب، واختيار وتطوير ما يتلاءم منها مع مجتمعه، ويفيده ويرقّيه. بينما يرفضها بعضهم جملة وتفصيلاً، لينغلق على ثقافته الخاصة، ويحرم مجتمعه من التمتّع بما حقّقه الغرب من إنجازات في ميادين كثيرة. علماً بأنّ هؤلاء ينغلقون على أشياء منها، لا عليها كلها!!!
يهمّني في هذه العجالة أن أشير إلى الثقافة الإنسانويّة Humanism، التي طبعت ثقافة الغرب بطابعها بدءاً من العصور الوسطى. وهي مذهب يعتبر الإنسان مقياس كلّ شيء، وهو بذا، يستبعد الله كليّاً، من عمليّة رسم سياسة المجتمع البشري، في جميع حقوله. 
ثمّة تفريق ضروري بين الإنسانيّة Humanity والإنسانويّة Humanism. فالأولى صفة تفيد احتضان الإنسان ومحبّته والتحنّن عليه، بينما الثانية هي مذهب فلسفي يخيّم على طريقة العيش حاصراً إيّاها بالأمور الأرضيّة.
ثقافة عالمنا المعاصر الإنسانويّة، التي تنطلق من الإنسان، وتنتهي به، وصفها القدّيس يوستينوس بوبوفيتش، فيلسوف القرن العشرين الأرثوذكسي، هكذا: "حمّى أصابت البشريّة، اليوم، على نحو جامح، جعلت الناس يدمنون العقل ومسائل العقل، ولو في مستوى مبتذل أحياناً، والمدارس والعلم والثقافة، وكلّ ما هو للإنسان، فيما تنمو في النفوس حركة إعراض كياني عن الله. إنسان اليوم، بمن فيه إنسان الكنيسة، إلى حدّ بعيد، يمتلئ من نفسه، ... لا حاجة البتّة للجنس البشري إلى المسيح ... الإنسان هو السيّد الأعلى والمعلّم المطلق ... الإنسان "وليس آخر سواه"، بمعزل عن كلّ ما هو إلهيّ وغريب! كلّ ما يمكن أن يأتي من الله ليس سوى سمّ وأفيون ومخدّر! الإنسان كافٍ بذاته! ... يا إنسان كنْ إلهاً لنفسك، لأنّه ليس هناك آخر!...".
في حين تستند الإنسانويّة على العقل البشري، ليصير الإنسان المرجع الأوحد لذاته، ترى المسيحيّة، الأرثوذكسيّة بخاصّة، الإنسان الحالي، إنسان السقوط (من حضرة الله)، مرآةً مكسورة بالخطيئة، بحاجة إلى مرجع مطلق، هو الله، مرآته الأصلية. يستهدي المؤمن بالله في تسيير شؤون حياته، مطوّعاً عقله لروح الله، لا الإنسان، لينطلق متسامياً نحو الإنسان الحقّ، الذي هو على مثال الله.
لقد سقط الإنسان من حضرة الله، عندما رفض الإنسان الأوّل، "آدم وحواء"، العيش في كنفه، ولا يزال أبناؤهما يكررون خطيئتهما حتّى اليوم. فانحرفت أهواؤه؛ زرع الله فيه هوى الحبّ لكي يحبّ الله والخليقة، فصار يحبّ ذاته. خلق فيه هوى الكمال، فصار يطلب الكمال في أمور الدنيا....إلخ.
عندما يعتمد الإنسان على ذاته فقط، يعجز عن بلوغ ملء الحياة. فتصير قِيَمُه على قياسه، لا على قياس الله. تغذّي الثقافة الإنسانويّة نزعة تمركزه في ذاته، فينظّم أمور مجتمعه بما يراه، هو وحده، مناسباً له، فيخلق مجتمعاً تنقصه أبعاد لا تكتمل إنسانيّته إلا فيها.
باستبعاد الإنسانويّة لله من المجتمع، تصبح القيم بلا مرجع تستند إليه، إلا الإنسان الساقط. فيصير المقبول هو "ما أحبّه أنا"، والحلال هو "ما أشتهيه أنا". تتغيّر الأخلاق، وتتبدّل القوانين بما يرضي إنسان الخطيئة، لا الإنسان المتألِّه. وإذ يصير الإنسان هو المرجع والمعيار والمقياس، يقيس كلّ شيء على ذاته، فيخفّضه إلى مستواه، بدلاً من أن ينشدّ هو، ليصعد إلى المستوى الذي أراده الله له. إذ يرفض الإنسان الله ينتقل، على الصعيد الروحي، والإنساني تالياً، من إخفاق إلى إخفاق. الانبهار بالإنجازات المادّية لا يُشبع روح الإنسان. هذه لا يُشبعها الا دخولها في شركة مع خالقها.
الإنسان مرآة مكسورة، لا تُصلح بمقابلتها بمرآة مكسورة أخرى، بل بمرآة الخالق، الذي وضع في الإنسان بذوراً منه تعالى، لكي ينميها وينضجها، متشبّهاً بخالقه، ومرتقياً إلى مثاله الأصيل. 
خارج الله سيبقى الإنسان يتخبّط ويبحث عن جديد يروي به عطشه، ليكتشف بعد فترة أنّه ما ارتوى، فيعيد الكرّة. وهكذا دواليك، حتّى يلتقي بالإله الذي ينتظره فاتحاً ذراعيه له، ليحضنه، ويتكئ برأسه على صدره، ليغرف الأمان والسلام والراحة، التي أتعب نفسه جدّاً حتّى وجدها.
"لقد خلقتنا متجهين إليك يا ربّ، وقلوبنا لن تجد الراحة ما لم تستقر فيك" (المغبوط أُغسطين).