كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

ثمّة ظروفٌ وحركة تاريخيّة ساهمت في نشوء الفكر الإنسانويّ، وبلوغه مرحلةً تضخّم فيها دور العقل على حساب القلب، ودور المعيشة الماديّة على حساب الروحيّة، وتالياً، تاه الإنسان في أدغال الحياة، التي تزداد تعقيداً، يوماً بعد يوم.
قلنا في المقال السابق، إنّ بدايات هذه النزعة تعود إلى العصور الوسطى، في أوروبا. وكانت في بدايتها حركة إنسانيّة مدعومة من الكنيسة. فأمام البؤس الإنساني العميم، تحرّكت كثرةٌ من القلوب، بدافع المحبّة المسيحيّة، وتعاونت لتأسيس هيئات تساهم في تخفيف شقاء البشر وفقرهم. وقد وقفت الكنيسة إلى جانب هذه الهيئات، ودعمتها ومنحتها صلاحيّة العمل والقيام بالخدمات الإنسانيّة، على أنواعها. خلقت هذه المبادرات المسيحيّة واحاتٍ، في صحراء البؤس السائد. لكنّها، وإن لم تغيّر أنظمته، إذ لم يكن الوعي الاجتماعيّ قد تطوّر بما يكفي لخلق تغييرٍ جذريّ، في النظم الحاكمة للمجتمعات، إلا أنّها سلّطت الضوء عليه، وبدأت بمواجهته، ممّا ساهم، إنسانيّاً، في تسريع نمو العلوم الاجتماعيّة، في إطارالبحث عن نظام اجتماعي جديد، يرنو إلى بناء مجتمعٍ أكثر عدلاً وإنصافاً وحريّةً. 
فبدأت المذاهب الاجتماعيّة المختلفة بالظهور، ودعا معظمها، مدفوعاً بردّة فعل على هيمنة الدين وتسلّط الكنيسة الزمني، آنذاك، إلى الحثّ على الانفصال عن الكنيسة، في تدبير شؤون الحياة. 
أرست هذه النزعات، بمرور الزمن، فلسفات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة عديدة، تلتقي جميعها في استلهام الإنسان، وتالياً العقل، وحده، مرجعاً لها. وكان اللاهوت الغربي قد سبقها، في اعتماد العقل سبيلاً إلى معرفة الله. فالتقى معظمها حول تنظيم أمور المجتمع خارجاً عن الله. توجز عبارة أحدهم: "أبانا الذي في السموات، ابقَ فيها"، موقف الإنسانويّة من الله.
ساعد فصل الدين عن الدولة كليّاً، بنسخته الأوروبيّة الغربيّة المعاديّة للكنيسة، [يبدو أنّ أصواتاً، في الغرب، بدأت تطالب بإعادة النظر في الممارسة العلمانيّة الحاليّة. فقد دعا الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي إلى ما سمّاه العلمانيّة الإيجابيّة]،على تقوية هذه النزعة، فبات الله خارج مسار شؤون الإنسان، إلا في المجال الشخصي. في الواقع، إنّ نمط الحياة السائد يعيق، عمليّاً، عيش الإنسان لإيمانه. وإليكم أحد الأمثلة.
يقول الربّ في إنجيله المقدّس "اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه، والباقي كلّه يُزاد لكم". أمّا الثقافة الإنسانويّة الحاليّة فتطلب "الباقي" وتترك، في أحسن الأحوال، حريّة طلب "الملكوت وبرّه"، للإنسان على صعيده الفردي، معتبرةً الأمر يخصّ حريّته الشخصيّة. لكنّها، في الواقع، لا تأبه لمساعدته على عيش إيمانه "الشخصي" هذا. لا بل، وبسبب اقتصارها على أمور الدنيا فقط، بمعزل عن الله، تخلق عقبات كثيرة، أمام الإنسان الحرّ داخليّاً، وليس المؤمن فقط. 
يحيا الإنسان وثنيّاً، عن وعي أو من دونه، عندما يطلب "الباقي"، الذي قال الإنجيل عنه إنّه "يُزاد لكم"، إذا "ما طلبتم أوّلاً ملكوت الله وبرّه". "فالوثنيون يطلبون هذه أوّلاً"(متى6/31-34).
المجتمعات البشرية غارقة، اليوم، في طلب "الباقي" الذي يتكلّم عنه الإنجيل، وهو ما تسميه الثقافة الرائجة "ضرورات الحياة". في الواقع، لا تكمن المشكلة في تأمين هذه "الضرورات"، بل في أنّها "ضرورات" لا تنتهي، ولا تقف عند حدّ. "ضرورات" تستنزف طاقة الإنسان وقدرته وحيويّته وسني عمره، في اللهاث خلفها. فتركيبة المجتمع الحديث توهمه بلزومها، وإلا فحياته تكون ناقصة!!
وإذ ينخرط الإنسان في هذا السعار اليومي، سعياً إلى المتطلّبات "الضروريّة"، ينسى، شيئاً فشيئاً، أساسيّات حياته، تلك التي من دونها تصير "الضرورات الحياتيّة" هروباً متواصلاً إلى الأمام. لينقضي العمر، من دون إشباع النفس العطشى، دوماً، إلى الاكتمال والملء. وتصبح السعادة سراباً أو وهماً يتبدّد أمام أيّ مشكلة أو صدمة أو شدّة. 
يصحّ، في إنسان اليوم، قول الربّ لمرتا: "إنّك مهتمّة ومضطربة في أمور كثيرة والحاجة إلى واحد". كيف يعرف الإنسان المعاصر، وهو في وسط اهتماماته الكثيرة، أن يختار "النصيب الصالح الذي لا يُنزع منه"؟ من نافل القول، إنّه يحتاج أوّلاً إلى الخروج من الحلقة المفرغة، التي تأخذه بعيداً عن ذاته، ليتمكّن من رؤية حقيقته في واقعيّتها، وليكون قادراً على مراجعة ذاته، بغية إعادة ترتيب الأولويّات.
هنا للكنيسة دور أساسيّ، عليها أن تقوم به، في مساعدة إنسان اليوم، على إيجاد طريق خلاصه. فمن الضروري جدّاً، أن تلحظ الرعاية الروحية، التي هي رسالة الكنيسة الجوهريّة، المتغيّرات التي يحياها الإنسان المعاصر، وتعمل جاهدةً على مساعدته ومساندته على مواجهتها بما يلزم. لعلّ مساعدة الإنسان على اكتساب الهدوء الداخلي، عبر اختباره إيّاه في خدمات رعائية هادفة، يعتبر من أهمّ متطلّبات الرعاية، في هذا الزمن. 
يحتاج الإنسان إلى اختبار العيش، ولو قليلاً خارج إطار رتابة حياته اليوميّة. هذا يمكّنه من ملاحظة ما لا ينتبه إليه، عادةً، في غمرة انشغاله بمتطلّبات حياته المتزايدة. علينا الاهتمام بتأمين خلوات روحيّة، ولقاءات مشتركة وعائليّة، ورحلات قصيرة مبرمجة روحيّاً، وزيارات، غير سياحيّة، للأديرة...إلخ. وعلى هذه الأنشطة أن تأخذ، بعين الاعتبار، أعصاب الإنسان المعاصر، وتوتره وقلقه، فلا تطالبه، بقدر ما تفتح عينيه على عالم الله الداخلي فيه. يحتاج الناس إلى مناخات يتنفسون فيها حضور الله في الهدوء والطبيعة وحياة الشركة والتضامن والصلاة الهادئة الفرحة. كم أنّ صلاة يسوع ملائمة لإنسان اليوم!
لا يمكن، في هذه العجالة، تعداد كل ما يمكن، ويتوجب علينا، ككنيسة، أن نقوم به اليوم خدمة للإنسان في جوهر حياته وأساسها. لكن تبادل الخبرات، والبدء بهذا النوع من الرعاية، ببركة الله، يطوّران سبلها ويغنيانها أكثر فأكثر. 
لم تعد مجتمعاتنا الشرقية بعيدة، عمليّاً، عن العيش في هذا النمط الإنسانويّ. فهذه الثقافة تغزو جميع المجتمعات. وعلى الرغم من أنّ غلاف مجتمعنا الشرقي لا يزال دينيّاً، إلا أنّ قشرته رقيقة عند الأكثريّة. وإذا أضفنا إلى ما ذكرناه، القلق والتعب العصبيين، الناجمين عن الأوضاع الأمنية التي نشهدها، وصعوبة الوضع الاقتصادي، تصبح الحاجة ماسّة، أكثر فأكثر، إلى الاهتمام بجوهر وجود الإنسان. بتنا نعاني من الوحدة أكثر بكثير من ذي قبل. التوتر والقنوط يخيّمان على نفوس الكثيرين. الغالبية تشكو من عجزها عن الحبّ الصافي الأًصيل، وتطلب، في الوقت ذاته، أن تكون محبوبة هكذا!! الهروب إلى الأمام، خوفاً من مواجهة الواقع بات نمطاً سائداً في أوساطنا. لذلك ترى الإقبال على مظاهر البطر واللهو في تزايد، على الرغم من تدهور الوضع الاقتصادي. يواجه معظم البشر مخاوفهم بالهروب منها، بوعي أو من دونه، عن قصد أو عن جهل. هل من المعقول، أمام المعاناة البشرية المتعدّدة الأشكال، أن نكتفي، رعويّاً، بالنشاطات ذات الطابع الاجتماعي أو الخيري أو التقليدي، مهملين التوجه إلى قلب الإنسان الذي نخدمه، بغية مساعدته على اكتشاف "النصيب الصالح"؟!!! 
يحتاج الإنسان المعاصر إلى كلمة حياة حيّة محيِيَة، تعيد له إنسانه الأصلي. فهل نحن على مستوى هذا التحدّي؟!