الأم (الشيخة في اللغة اليونانيّة) مكرينا رئيسة دير باناييّا أوذيتريّا قرب مدينة فولُس، ابنة روحيّة للشيخ يوسف الهدوئيّ (+1959) والشيخ أفرام فيلوثيو وأريزونا. تابعت تأسيس أديرة ببركة الشيخ يوسف الهدوئيّ لأكثر من ثلاثين سنة، من 1963 إلى 1995. حازت على مواهب روحيّة كثيرة وبوركت بقامات روحيّة رفيعة.

 

"كانت إنسانة صلاة مستمرّة"



الشيخة مكرينا

اختبرت الأمّ مكرينا حياة صعبة، مليئة بالآلام. فقد وُلدت في العام 1921 في قرية غير بعيدة عن مدينة سميرنا (إزمير) في آسيا الصغرى. بعد سنة واحدة من ولادتها حصلت مأساة كارثيّة في المدينة وجوارها، الحدّ النهائي وضعت الحرب اليونانيّة - التركيّة (1919-1922) لها. فقد دخل الجنود الأتراك إلى مدينة سميرنا في 9 أيلول 1922 وأجروا مذبحة هائلة بسكّان المدينة المسيحيّين وقتلوا مائتي ألف شخص ذبحاً وحرقاً. وغادر المسيحيّون الباقون سميرنا التي صارت مذّاك مدينة تركيّة بالكامل.

لقد نجت عائلة الأمّ مكرينا بأعجوبة من هذه الكارثة.

طُرد السكان الأصليون اليونانيّون من هذه المناطق، من أرضهم الأم الأصليّة، وأُجبروا على الانتقال إلى اليونان الحاليّة. فقد أجبرت الحرب مليوناً ونصف من اليونانيّين على الرحيل إلى اليونان، بصفتهم مهجَّرين، وهناك عانوا أوضاعاً صعبة جدّاً، ومات العدد الأعظم منهم جوعاً ومرضاً.

تكلّمت الأمّ ماركِلّا من دير والدة الإله "ينبوع الحياة" (دانلاب، كاليفورنيا) عن الشيخة مكرينا هكذا: "كان والداها تقيّين جدّاً. قال لها والدها مرّة: "سأموت هذه السنة في الاثنين الأوّل من الصوم. وأمّك ستموت في السنة القادمة". وهذا ما حصل. بدأ الصوم الكبير فرقد الأب كما قال، وبعد سنة لحقت به الأمّ". اضطرّت الفتاة ذات العشر سنوات إلى العمل لكي تحصل على مدخول يؤمّن طعامها وطعام أخيها.

لم يهجر الله اليتيمين، فصمدت ماريّا وربّت أخاها. أمّا كلفة هذا الصمود فالعذراء فقط، التي تصلّي لها ماريّا، وحدها تعرفه.

أرسل الربّ لها، وهي فتيّة بعد، أحد معارف الشيخ يوسف الهدوئيّ، الأب الراهب أفرام (كارَيانيّس) الذي علّمها صلاة يسوع. عاشت ناسكة غيورة وأحبّت الصلاة في الليل بخاصّة.

عاشت ماريّا مع أخيها في مدينة فولُس، وهي مدينة تقع في وسط الأرض اليونانيّة على بعد 300 كم إلى شمال أثينا العاصمة قرب "بيليون" أجمل جبل في اليونان.



بدأت الحياة بالتحسّن، لكن في 28 تشرين الأول 1940 بدأ الجيش الإيطالي بغزو اليونان انطلاقاً من ألبانيا، فدخلت اليونان الحرب العالميّة الثانية. كانت ماريّا آنذاك في التاسعة عشرة من عمرها. هزم الجنود اليونان الشجعان المعتدين، فانكفأ الإيطاليّون إلى ألبانيا، لكن هتلر أرسل كتائبه لكي تحتلّ اليونان في نيسان من العام 1941مؤجلاً عملية احتلال الاتحاد السوفييتي ستة أسابيع. فعادت أهوال الحرب والمجاعة بعد دخول الألمان إلى البلد. عرفت اليونان بشكل خاصّ خراباً شديداً على يد المحتلّين بالمقارنة مع البلدان الأوربيّة الأخرى، ولم يعاني أكثر منها سوى روسيّا. فأكل الناس الجائعون القنافذ والبغال والسلاحف.

وصف الدبلوماسي السويديّ "بول مون"، العضو في منظمة الصليب الأحمر في اليونان، العاصمة اليونانيّة في مذكّراته هكذا: "بدت العاصمة نفسها عرضاً مسرحيّاً شديد اليأس (...) الأولاد بوجوه رماديّة وسيقان رفيعة أشبه بالعنكبوت يتقاتلون مع الكلاب على أكوام القمامة. عندما بدأ البرد في خريف 1941 بدأ الناس ينهارون في الطرقات من شدّة الإجهاد. كنت أصطدم في صباح كلّ يوم من أيّام الشتاء بالجثث المتراكمة".

 

لم يوجد طعام ولا بقاليّات في مدينة فولُس. أُجبر الناس على أن يأملوا بنجاة واحد على الأقلّ من العائلة. ذهب أخاها إلى تسالونيكي، المدينة الثانية من حيث الكبر بعد العاصمة، ظانّاً أنّه قد يجد رزقاً ما هناك، أمّا ماريّا فبقيت في فولُس ورَثَت فراقهما. لجأت إلى الصلاة بحرارة، وصارت صلاتها داعماً أساسياً لها في حياتها الصعبة.

عانت كثيراً في العمل بجدّ بعد الحرب لتتمكّن من شراء قطعة من الخبز. ومع فقرها الشديد شاركت الفقراء في مدخولها: كانت تتميّز باللطف والغفران والرحمة العظيمة والصبر وتحمّل المشقّات.

يروي الشيخ أفرام (فيلوثيو) الذي وُلد في فولُس وفيها قضى طفولته ومراهقته، وعرف ماريّا منذ طفولته، التالي عنها:

"مرّة في عيد الفصح، وبعد عمل طويل وشاق، رتّبت لنفسها أن تجمع بعض النقود لتشتري شمعة لخدمة صلاة الفصح. لكنّها حينما ذهبت إلى الكنيسة التقت بفتاة فقيرة وجائعة. فلم تفكّر بفقرها هي بل أعطت الفتاة ما قد جمعته بجهدها. ثم ذهبت إلى الكنيسة من دون شمعة. وعندما أتت لحظة استقبال النور ومضى جميع المؤمنين إلى الكاهن ليضيئوا شموعهم وقفت ماريّا في العتمة تبكي وتقول: "يا مسيحي! أنا لست مستحقّة حتّى شمعة في عيدك". في تلك اللحظة وفيما كانت تتلفّظ بكلماتها هذه وتبكي وتوبّخ نفسها رأت فجأة النور غير المخلوق. غابت ماريّا عن الوعي فظنّ الناس أنّها قد أصيبت بدوار من جراء الجوع، فحملوها إلى البيت على أّذرعهم".

 

أمّا الشيخة مكرينا فأخبرت أخواتها بما جرى معها هكذا:

"في ذلك الزمان اعتاد أبانا الروحي أن يسجد أمام أيقونة قيامة المسيح مباشرة عند دخوله إلى الكنيسة بعد زياح الفصح. حالما قبّلتها شعرت كما لو أنّ القيامة المقدّسة دخلت إلى قلبي وملأته. وسمعت صوتاً قويّاً كما لو أنّ جميع مكبّرات الصوت قد عملت معاً (...) سمعت إنجيل الفصح داخل نفسي على الرغم من أنّ الكاهن ما كان قد قرأه بعد، وانتابني قليل من الدوار. لم أفهم ما حصل لي. ومع هذا الدوار بقيت كلمة الإنجيل في أذني وفي قلبي. وشعرت بتخمة كما لو أنّي كنت قد أكلت كلّ ما في العالم من بيض وجبن ولحم. لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا غائبة عن الحسّ. انحفرت الكلمات التي سمعتها في نفسي وسمعت ذلك الصوت الجميل خلال كامل خدمة الفصح ومدّتني كلمات الإنجيل بالشبع. ثم جاءني الفكر التالي: "يبدو هذا وكأنّه نوع من التخمة التي يشعر بها آباء الصحراء وهم لا يأكلون شيئاً". (...) كنت منهكة خلال الأسبوع العظيم من الحرمان وعدم تناول شيئاً من الطعام، لكن قوّة واضحة امتلكتني آنذاك. شعرت بنوع من قوّة فائقة تمتلكني. وعندما قال لي الأب الروحي: "المسيح قام" شعرت بغنى روحي أعظم في داخل نفسي. 

وصلت هذه التخمة إلى حدّها عندما تقدمّت من المناولة المقدّسة. عدت إلى البيت وأنا لا أرغب لا بالطعام ولا بالشراب. دعتني قريبتي إلى وجبة العيد، لكن كيف لي أن أخبرها بأنّني قد "أكلت" للتوّ؟ فذهبت معها ولم أستطع أن أتناول ملعقة واحدة. (...) حقيقي هو ما جاء في الإنجيل من أنّ الإنسان لا يحيا بالخبز وحده بل بنعمة الله. لمجد المسيح أخبركم بأنّني شعرت بنعمة المسيح تذهب بالجوع والألم والعوز. منحني الله أن أفهم إلى أين يقود العوز. أيّ صلاحٍ تجلب العفّة والصلاة للإنسان!".

 

يستذكر الشيخ أفرام كيف التقت أمّه (الراهبة ثيوفانّو لاحقاً) ماريّا فاسولولو، وكيف تشكّلت أخويّة السيّدات الصغيرة في مدينة فولُس: "في ذلك الحين، التقت ماريّا الصبية بأمّي البارّة، ورفعتا صلاتهما سويّاً في مطبخ بيتنا، وهما راكعتين على ركبهما طوال المساء، لقد ذرفتا دموعاً كثيرة وضربتا مطانيات كبيرة كثيرة. لقد علّمني مثالهما المقدّس الكثير. الشكر لفضائل ماريّا وبعض الفتيات الفاضلات اللواتي اجتمعن حولها، منذ زمن احتلال اليونان، راغبات في أن يصبحن عرائس المسيح.

 

 

              الشيخ أفرام شابّاً


أخبر الشيخ أفرام شيخه الروحي يوسف الهدوئيّ بأخويّة السيّدات، وطلب توجيهه في كيفيّة إرشادهنّ. وعندما عاد الشيخ أفرام (كارايانّيس) إلى جبل آثوس في العام 1952، كتبت الأخوات رسالة إلى الشيخ يوسف الهدوئي، يقلن فيها إنّهن عرفن عنه من ابنه الروحي الأب أفرام ويسألنه أن يقبلهن بدورهنّ بنات روحيّات له.

يستذكر الشيخ أفرام الفيلوثيي (الأريزوني لاحقاً):

"كنت آنذاك في جبل آثوس، مع الشيخ يوسف الهدوئي. لقد أجابهن الشيخ: "إن كنتنّ تحفظن الطاعة سأقبلكنّ. وإن تركتنّها سأترككن". فأجبن: "سوف نطيع ما تأمرنا به يا أبانا". فطلب الشيخ منهنّ أن يطعن ماريّا، التي لم يرها طوال حياته. لقد شرح سبب طلبه هذا: "طلبت حفظ الطاعة لماريا، لأنّني رأيتها في رؤية هذا المساء خلال الصلاة. رأيت خرافاً كثيرة حولها، وهي واقفة في الوسط. ففهمت أنّها ستكون الشيخة (اليروندسا). لذا، أصغين إلى ماريا، ولا تعارضنها" فأجبن: "ليكن مباركاً" وفرح الشيخ بطاعتهنّ". 

عندما علمت ماريّا بخيار الشيخ، خافت من تصييرها رئيسة للأخويّة وحملها مسؤوليّة حياة الأخوات الروحيّة، لأنّها كانت الأصغر سنّاً بينهنّ. فصلّى الشيخ وحصلت ماريّا، بصلاته، على رؤية؛ رأت جمعاً رهبانيّاً صاعداً إلى السماء، ويتقدّم الجمعَ القدّيسُ يوحنّا المعمدان وهو يحمل عكّازاً مقدّساً. استدار القدّيس فجأة نحو الفتاة وسلّمها العكاز – رمز السلطة الرهبانيّة".

شهدت إحدى الأخوات للرباط الروحي بين الأخوات والشيخ يوسف الهدوئي. تروي أنّ ماريا مرضت مرضاً خطيراً وبدأت تسعل وتبصق دماً، بعد تسلّمها الرسامة الرهبانيّة وتصييرها اليروندسا.

"لم يكن لدينا هاتف لنخبر الشيخ يوسف بمرضها - كنّا نتخاطب بكلّ شيء بواسطة الرسائل. لكنّنا لم نذكر شيئاً عن مرضها في الرسائل، بل أخفينا الخبر عنه. قرّرنا ألا نضايقه ونبعده عن صلاته. فأرسل لنا هذا الجواب: "لماذا لم تكتبن لي يا بناتي عن مرض اليروندسا وأوجاعها، لكي أصلّي لها؟ لقد تصرفتنّ بغباوة، مفتكرات بأنكنّ ستخرجنني من صلاتي. مع ذلك شاهدتها عقليّاً في المساء بينما كنت أصلّي مع الأب أرسانيوس وتأكدنا من أنّ اليروندسا مكرينا مصابة بمرض خطير. فصلّينا بحرارة.  أريد منكنّ يا بناتي أن تخبرنني بكلّ شيء يحدث في الدير، ومع اليروندسا مكرينا بخاصّة". لكن اليروندسا مكرينا شاهدتهما، الشيخ يوسف والأب أرسانيوس، في ذلك المساء بجانب مخدّتها وهما يصلّيان بالمسبحة، ويرسمان إشارة الصليب ويقولان: "أيّها الربّ، اشفِ أَمَتك!". حصل هذا الأمر مرّات عديدة. فيما كان الشيخ يوسف والأب أرسانيوس يصلّيان كانا يريان كيف تجري الأمور عندنا وكيف نعمل.

الشيخ أفرام والشيخة مكرينا


قبل رقاده في العام 1959، أوكل الشيخ يوسف الهدوئي الأخوات إلى إرشاد الأب أفرام. يُعرف الأب أفرام الآن بالشيخ أفرام الفيلوثيي أو الأريزوني. لقد بدأ بخدمة الأخويّة النسائية، وحصلت الأخوات سريعاً على أرض في قرية بورتاريّا بالقرب من مدينة فولُس وبدأن ينشئن ديراً هناك.

يصف أحد أبناء الشيخ أفرام، ألكسندر لاغُس، الأمر هكذا:  

       "عرف الشيخ يوسف أنّ المبتدئ أفرام يجب أن يتولّى أمر رعاية هذه الأخويّة المباركة، فأعطاه رسالة من الأخوات لكي يقرأها، بهدف أن يتولّد عنده رابط ما مع الأخوات. وبالطبع كانت الأخوات تعرف الشيخ أفرام عندما كان في العالم. وبعد فترة قصيرة من رقاد الشيخ يوسف، ترك الشيخ أفرام الجبل المقدّس (آثوس) للمرّة الأولى لكي يزور الأخوات، وكانت أمّه واحدة منهنّ. فقد التحقت والدته بالأخويّة المباركة بعد وفاة زوجها. كانت الشيخة مكرينا وأخوات أخريات هناك أيضاً. لم تميّزه والدته عندما التقى بالأخوات للمرّة الأولى، فقد انقضت سنوات طويلة منذ مغادرة الولد غير الملتحي، ذي السنوات التسعة عشر، منزل أبويه وبدّل الجهاد مع صعوبات التقشّف من هيأته. والآن يقف أمام الأخوات باعتباره راهباً، وكانت العادة آنذاك في اليونان أن لا تتطلّع النساء في وجه الراهب. جلست والدة الشيخ مع بقيّة الأخوات، وانحنت أمامه وهي لا تعرف أنّ ابنها أمامها. لكنّها حالما عرفته من صوته، عندما تكلّمت معه، تغيّرت تعابير وجهها مباشرة وقالت له، بصرامة: "ما هذا؟ لماذا غادرت الجبل المقدّس؟". لم تقلّ حتّى أهلاً بك يا بنيّ! دعني أتطلّع إليك! كيف صحّتك!؟. هدأت فقط عندما أخبرها بأنّه يتمّم طاعة الشيخ يوسف بخروجه من الجبل. هذه هي التربية التي تلقّاها الشيخ أفرام من والدته المغبوطة.

 

الشيخ أفرام والأخوات

   الرسامة الأولى التي احتفل بها الشيخ أفرام في أخويّة فولُس كانت رسامة والدته في العام 1963، وقد رسمها باسم ثيوفانّو. أمّا الرسامة الثانية فكانت للشيخة مكرينا، في العام 1963 أيضاً، وأصبحت الشيخة ثيوفانّو عرّابتها في الرسامة. لطالما اعتبرت الشيخة مكرينا الشيخة ثيوفانّو أمّها الروحيّة وأطاعتها في كلّ الأشياء. وقد تقاسمتا قلّاية واحدة، مثل أمّ وابنتها. لم يكن لوالدة الشيخ أفرام بنات، بل ثلاث صبيان، فصارت الشيخة مكرينا ابنة لها. 

 

         الأم الشيخة مكرينا

 

اعتاد الشيخ أفرام على مغادرة الجبل المقدس وقضاء فترة قصيرة، تصل إلى شهر، وأحيانا أكثر عند الأخوات في بورتاريّا. لقد أرشد الأخوات في صلاة يسوع، وتلقّين منه تعليماً روحيّاً ومساعدة عظيمة. كذلك لعبت كلّ من الشيخة مكرينا والشيخة ثيوفانّو والدة الشيخ أفرام دوراً مهمّاً في تنشئة الأخوات وإرشادهنّ.

حقّقت الأمّ مكرينا وأخواتها نجاحاً روحيّاً عظيماً. قال الأرشمندريت صفروني (زاخاروف) في الشيخة مكرينا: "إنّها عملاقٌ بالروح". وقد شاهد الشيخ أفرام الكاتوناكي مرّات كثيرة بعينيه عمودين من نار في فولُس، كالبرج ناهدين من الأرض نحو السماء. يشيران إلى الشيخة مكرينا وراهباتها الممجّدات. وقال الأب أفرام فرِحاً: "إنّه لأمر مذهل! انظروا فقط! إنّنا نجهد أنفسنا هنا على الصخور [في الجبل المقدّس، آثوس] كثيراً جدّاً لكي نجد فتاتاً من النعمة، لكن أولئك اللواتي في العالم قد أحرزن الكثير من النعمة!" وقال أيضاً في الشيخة مكرينا إنّها: "ماثلت الشيخ يوسف الهدوئي في المستوى الروحي". ويستذكر أثناسيوس كَرَاليست من سكولاري في اليونان:

"أتى باص محمّل بالحجّاج مرّة إلى الدير، ولم يكن في الدير سوى الكيس الأخير من الأرز. فطلبت الشيخة مكرينا من الأخوات أن يطبخن الأرز المتبقّي ليطعمن الضيوف. أجابت الأخوات: "يروندسا، إنّه الكيس الأخير لدينا، ولن يتبقّى لنا شيء". لكنّها أصرّت: "جهزّن الأرز لضيوفنا ووالدة الإله سوف تعتني بنا". أطاعت الأخوات وأطعمن زوارهن، الذين حالما غادروا الدير، ظهر شخص فيه جالباً معه شوالاً كاملاً من الرز. لقد امتلكت إيماناً عظيماً بالله ومحبّة الناس؛ كلّ الناس".

 

               الأمّ مكرينا

 

كما يشهد لها ستافروس كوروسيس، بروفسور في الفيلولوجي البيزنطي في جامعة أثينا، هكذا:

"عندما يتحدّث الناس معها يرون في وجهها فضائل البتولية والطهارة والتواضع والطاعة وعدم القنية ومحبّة لا حدود لها، لله والقريب؛ ليس لأخواتها فقط، بل لكلّ إنسان يأتي إليها طالباً دعماً روحيّاً أو ماديّاً. كانت إنسان صلاة غير منقطعة وشركة مع الله والقدّيسين، وبصلاتها تلقّت، باستمرار، عوناً أمام التجارب الكثيرة التي واجهت خدمتها في مجال تغذية النفوس المؤتمنة عليها".

أمّا الشيخة ففرونيّا من دير القدّيس يوحنّا السابق (سيريس، اليونان) فتتذكّر عن الشيخة: "من بين كلّ الأمور الأرضيّة، أحبّت الطبيعة والزهور أكثر من الكلّ، لكنّها بالطبع أحبّت بالأكثر الأشياء الروحيّة. لذا فقد عبرت من الجمال الأرضي والعطايا الإلهية، التي حصلت عليها في هذه الحياة الوقتيّة، إلى السماويّة. شمل اهتمامها الخاصّ كلّ ما هو سماويّ على الدوام. نقلتها تأملاتها من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى، كما ارتفعت من الأرض نحو السماء.

تعاليم الشيخة

الكلام البطّال كالنار

علينا تجنّب كلّ أنواع الكلام البطّال، لأنّه كالنار، على خد قول الآباء القدّيسين. كما إنّنا قد نرى غابات وقد احترقت بكاملها، وجبالاً عارية بشكل كليّ، هكذا يجرّد الكلام البطال النفوس من كلّ صلاح، ويزيله من القلب، فيصبح الإنسان عديم الفائدة، مثل التنكة الصدئة.

 

من يزحف إلى الأمام يعيده المسيح إلى الوراء

علينا أن نعرف كيف نرتّب نوايانا، أي أن نقنع أنفسنا بأنّنا، لأجل خلاصنا، يجب أن نكون آخر الكلّ. من يزحف إلى الأمام يعيده المسيح إلى الوراء، أمّا من يضع نفسه خلف الآخرين فينقله السيّد إلى الأمام.

 

ترى أخاك – ترى الربّ نفسه

علينا أن ننتبه إلى نمط الحياة، إلى طباعنا، إلى كيفيّة تعاطينا مع من هم حولنا. كم أنّ هذا الانتباه ضروريّ! فأنت عندما ترى أخاك ترى الربّ نفسه! لذلك كان الآباء القدّيسون محبّين ومتعطّفين جدّاً جدّاً. 

 

 في ذكر الموت

ظهرت الشيخة مكرينا بعد موتها لإحدى بناتها الروحيّات وقالت: "أودّ القول للذين هم على الأرض: إنّهم سوف يُسألون عن كلّ أفعالهم الكثيرة، وسيؤدّون حساباً عنها بعد الموتّ".

 

في الطهارة

سوف يُعطى الشبّان والشابّات الذين يحفظون طهارتهم نعمة المعترفين القدماء في الحياة التالية.

 

في الصبر

تُعتبر نعمة الصبر الأقوى من بين كلّ النعم، لأنّها أساس لكلّ الفضائل الأخرى.

 

في المحبّة

المحبّة العظمى هي الصلاة لأجل الراقدين.

 

الصلاة هي عطيّة الله العظمى

عندما يمتلك الإنسان الصلاة، يكون الروح القدس فعّالاً في النفس، أي يُثبّت ذلك الإنسان في الروح القدس.

لاحظ كم يُقال غالباً عن الناس الذين امتلكوا الصلاة العقليّة: "آه، ما هذا الإنسان! وجهه كلّه يتوهج!". أي عمل عجيب هي الصلاة!.

الصلاة عطيّة الله العظمى، وعندما تغمر محبّة الله الإنسان خلال الصلاة، تغمره بهذا الحبّ، كما لو أنّه في حمّام سباحة.

إذا اقتنينا الصلاة فسيظهر بعض النور في نفوسنا، وكذلك بعض الحماية، لأنّ الله لن يهجرنا وسوف يغطيّنا.

عندما يتقدّم الإنسان في الصلاة، يفهم الحالات التي لم يكن يتخيّلها حتّى من قبل. يصير كمن يدخل إلى الأعمق فالأعمق في النور الأبدي، ويرى نفسه من الداخل. يحدث كلّ هذا لأجل الطاعة والتواضع الكاملين، عندما يضبط الإنسان نفسه بحزم ويقول لنفسه: "انسَ هذا، فهو لا شيء حتّى تقلق بشأنه. تابع. لا تلقِ بالاً على الأشياء الصغيرة".

عندما تتواضع النفس، تأتي طهارة الذهن والأفكار السامية والغبطة.

عندما تتواضع النفس تأتي التقوى والمحبّة والاحترام ونبذ الأفكار والأحكام. عندما ترى النفس محبّة المسيح العظيمة لها فللحال لا تعد تلقي بالاً لأفعال الآخرين السيّئة. "آه! إنّه يحبّني جدّاً، ويعتني بي، ويكرمني من الرأس وحتّى الأصبع ويمسك بي بعناق! فكيف لا أكون ممتنّاً؟". بعدما تنظفّ الدموع النفس تأتي طهارة الذهن فلا يستطيع الإنسان أن يسلك بتحدٍّ أو يتفوّه بما لا يليق. أَلَا نضع ثيابنا، عندما تتوحّل، في الماء ونغسلها بالصابون والفرشاة؟ علينا أن نفعل الشيء نفسه مع أنفسنا، وعند ذاك سوف تلمع وتقتني الفرح والراحة.

كيف لا نُقبل إلى البكاء إذن، كيف لا نُقبل إلى الغبطة والأفكار السامية؟ عندما يذوق الإنسان هذه الخبرة، مرّةً، سيحاول أن يكون، بكلّ قدرته، منتبهاً إلى نفسه بشكل دقيق، وهذا الانتباه يجلب الصلاة؟

خذ مثالاً: أَحجم عن الحديث البطّال والتذمّر، على الرغم من أنّنا كبشر سنظلّ نخطأ، لكن حاول أن تنتبه إلى سقوطك وتلاحظه حالاً. حالما نلاحظ أنّنا خيّبنا المسيح بحالٍ ما سنبادر إلى الصراخ فوراً: "اغفر لي". والأمر مشابه حينما تخيّبنا إحدى الأخوات، فالشيء الأول الذي علينا قوله هو "اغفري"، "باركي" مع مطانيّة للمسيح وقريبنا.

ينتظر المسيح إيماننا

هل محبّة المسيح صعبة حقّاً؟ لا طبعاً، فمحبّته أمر سهل. فكثيرون جدّاً يمسكون بالمسيح بأيديهم – بأيديهم الشخصيّة – لأنّهم يملكون إيماناً عظيماً. ويخبرونه عن وجعهم، عن أثقال نفوسهم، كما لو أنّهم يتكلّمون مع شخص يعرفون أنه سيجيبهم على أسئلتهم. لا تتكلّم ببرودة أو بشكّ وكأنّك ستحصل على ما تسأله بالتأكيد، بل هكذا: "افعله لأجلي يا مسيحي. سواء وجدتني أرغب به أم لا. أرشدني إلى الفردوس". فالله لا يقيم في الفتور – الله يتقيأ الفاتر. ينتظر المسيح منّا الإيمان. 

 _____

*تعريب الميتروبوليت سابا (إسبر).


 

 

  • يتحدّث بعض الأصدقاء، ممّن انضمّوا الى الكنيسة الأرثوذكسيّة، كما لو أنّ التقليد الشريف، فيها، كان ثابتاً منذ البدء، دونما تغيير. أمّا أنت فتتعاطى والتقليد بطريقة حيويّة أكثر.

إنّك محقّ تماماً في ما يختصّ باعتقادي بحيويّة التقليد. وأستذكر هنا التعريف، الذي أعطاه اللاهوتي الأرثوذكسي الروسي العظيم، فلاديمير لوسكي: "التقليد هو حياة الروح القدس في الكنيسة". جليّ أنّ التقليد هو حياة، وما من صيغة ثابتة، بمعنى الجمود. إنّه أبعد من أن يكون مجرّد كتابات محفوظة في مجلّدات فخمة. التقليد حياة. إنّه حياة المسيح الحاضر في كنيسته، بواسطة الروح القدس. ليس التقليد مجرّد عقائد جامدة، بل فهم ذاتي ونقد ذاتي متواصليَن للجماعة المسيحيّة.

 

 
المخاطر في أفريقيا:

أفريقيا قارّةٌ ضخمةُ ومدهشةُ وخطيرةٌ جداً. الزائرون في أفريقيا معرّضون لخطر العديد من الآفات والأمراض المعدية غير المألوفة والمنسيّة منذ أمدٍ بعيد، مثل: الكوليرا، الطاعون، الملاريا، الحُمّى الصفراء، حُمّى لاسّا وحُمّى الإيبولا المريعة المعروفة بـ "طاعون أفريقيا". من دون الحاجة لذكر الحرّ الشديد غير المُحتمل بالنسبة للأوروبيين.

 

"نحن الملومون عن وجود أناس لا يعرفون المسيح. إنه خطؤنا نحن"

مطران ليماسول يتحدث عن نهاية الأزمنة والثقة بالله وبشارة الكنيسة.

 

 

مقابلة مع مارك رئيس أساقفة برلين[1]

"نحن المسيحيون لسنا من هذا العالم وعلينا ألا نجاريه. عندنا واجب واحد: أن نكون مسيحيين أرثوذكسيين".