المخاطر في أفريقيا:

أفريقيا قارّةٌ ضخمةُ ومدهشةُ وخطيرةٌ جداً. الزائرون في أفريقيا معرّضون لخطر العديد من الآفات والأمراض المعدية غير المألوفة والمنسيّة منذ أمدٍ بعيد، مثل: الكوليرا، الطاعون، الملاريا، الحُمّى الصفراء، حُمّى لاسّا وحُمّى الإيبولا المريعة المعروفة بـ "طاعون أفريقيا". من دون الحاجة لذكر الحرّ الشديد غير المُحتمل بالنسبة للأوروبيين.

رغم أنّكَ لن تواجه أسماك القرش الخطيرة أو التماسيح في المدن الكبيرة، إلّا أنّ لدغات البعوض الناقل للملاريا، وغيره من الحشرات السّامة تشكّل تهديداً مُميتاً. سنوياً تقتل الملاريا ما يصل إلى مليون إنسان في وسط وجنوب أفريقيا.

بالإضافة للعدوى، هناك عددٌ هائلٌ من المخاطر الحقيقية الأخرى في أفريقيا: العديد من بلدانها في فوضى سياسية عميقة، وبالنسبة للسيّاح الموسمييّن الأوربيين الذين يسافرون في ليبيا والصومال والكونغو والسودان وزيمبابوي ونيجيريا وكينيا وأنغولا وموريتانيا هناك خطرٌ شديدٌ من تعرّضهم لاعتداء مسلح وعمل إرهابي وخطف والتعرّض للألغام والاحتجاز من قبل القراصنة والاغتصاب.

 

 

 

 

 
أولغا تُوفيت، أنا الآن نكتاريّا:

لم أستطع أن أتخيّل يوماً أنّ مواطناً أوروبياً (ناهيك عن كونها امرأة) يمكن أن يقبل العيش في واحدة من هذه البلدان بناءً على إرادته الحرّة حيث سيكون مُعرّضاً باستمرار للعديد من المخاطر.

امرأة كهذه تقف الآن أمامي، إنّها الأم نكتاريّا من جزيرة إيجينا.

الأخت ثيوفيلا - وهي راهبة روسية - عرّفتني على الراهبة نكتاريّا، والأم الرئيسة "الشيخة ثيودوسيّا" أعطت البركة للراهبة نكتاريّا لكي تخبرني عن عملها التبشيري في أفريقيا.

عرّفتنا الأخت ثيوفيلا على بعضنا بابتسامة، قائلة:

"هل تعلمين أن ثلاثتنا نحمل الاسم ذاته: "أولغا"؟ الأم نكتاريّا وأنا حملنا هذا الاسم قبل النذر الرهباني أيضاً".

ابتسمت الأخت نكتاريّا أيضاً، وقالت:

" أجل، كنت أدعى أولغا قبل سنوات عديدة. لكن أولغا قد ماتت، والآن أنا الأم نكتاريّا".

وقفة من شأنها أن تليق بشكسبير

سؤال: أخت نكتاريا، أعتقد أنّك عملتِ في إرساليّة (mission) في واحدة من أكثر البلدان الأفريقية أماناً، أليسَ كذلك؟

جواب: في الكونغو، المُسماة زائير سابقاً، ومنذ عام 1997، جمهورية الكونغو الديمقراطيّة.

س: هل تمزحين؟ في الكونغو؟

ج: هل زرتها من قبل؟

س: بصراحة، لا. أنا لستُ شجاعةً بما فيه الكفاية كما إنّني أخاف من التفكير برحلات كهذه. لقد قرأت في مكانٍ ما أنّ الكونغو هي ثالث أخطر بلد في تلك القارّة. لقد اختبرت هذه المنطقة حالة حرب مستمرة فظيعة (في الحقيقة حرب أهلية مضطربة) في العديد من البلدان. أكلة لحوم البشر ما زالوا يعيشون هناك.

وهناك أيضاً الطاعون، والبعوض الناقل للملاريا، وذباب "تسي تسي" الذي يضيف مرض النوم إلى القائمة.

ابتسمت الراهبة وأومأت مُجيبةً:

ج: أجل إنه ليس مكاناً آمناً للعيش فيه.

س: أخت نكتاريّا، هل يمكنك إخباري كم شهراً قضيتِ في الكونغو؟

ج: لماذا أشهراً؟ لقد عشت هناك لثمان سنوات.

(هنا حدثت وقفة تليق بشكسبير)

 

 

 

س: لماذا حلمت بالعمل في أفريقيا منذ زمنٍ بعيد؟

  تتابع الأخت نكتاريّا كلامها:

" لقد حلمت بالعمل في أفريقيا منذ زمنٍ بعيد. وبمباركة من أبي الروحي ذهبتُ إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى بلدة اسمها كولويزي وهي تقع في جنوب البلاد وسط الجبال".

س: إذاً أنا محقّة بأنّها كانت فكرتك بالذهاب إلى هناك؟

ج: بالطبع ! كان لديّ الكثير من العطف (الشفقة) تجاه العديد من الأفريقيين، وذلك بسبب تعاستهم الشديدة.

 

اضطررنا إلى قطع حديثنا بينما غادرت الأخوات الراهبات للقيام بطقوس العبادة. لقد أحضروا لي بعض الفاكهة والقهوة والماء البارد والحلوى التركية. وتركوني هناك وحيدةً على الشرفة تحت شجرة الصنوبر الجبلية التي كان القديس نكتاريوس يتحدّث مع أولاده الروحيين بجانبها. علّم القديس تلاميذه إنكار النفس والعمل النسكي (monastic podvig) /الرهباني/ (الجهاد الروحي باللغة الروسية)، كاشفاً لهم العالم المتجلّي حيث كلّ شيء حيّ يسبّح الربّ (كل نسمة فلتسبّح الربّ) (مزمور 6:150(.

*****

- فيما كنت أنتظر الراهبات، اتصلت بشبكة الإنترنت لأقرأ عن جمهورية الكونغو الديمقراطية.

 

 

واحدة من أفقر البلدان في العالم:

اقتصاديّاً، الكونغو واحدة من أفقر البلدان في العالم، ولكنّها مع ذلك واحدة من أغنى بلدان العالم بالثروات الطبيعيّة. لذلك تعرّضت للاستغلال من قبل العديد من الجماعات الإجراميّة والشركات من جميع أنحاء العالم. بنت هذه الشركات مناجم وحفريّات، واستقدمت سكان القرى المجاورة للعمل بها، واغتصبوا النساء، وأجبروا الرجال على العمل المضني حتّى يدركهم الموت نحولاً.

لدى الكونغو أعلى نسب الاغتصاب والعبوديّة الجنسية (الرقيق) في العالم والوضع يزداد سوءاً في ظلّ واقع أنّ العنف الجنسي الموجّه ضد النساء يُعتبر أمراً طبيعيّاً من قبل غالبيّة سكان البلد.

عندما يمرّ السيّاح حول المدن الكونغوليّة يفقدون أغراضهم الثمينة ووثائقهم، تتم سرقتهم ونشلهم على يد المجرمين والسكان العاديين وعصابات الشوارع. كما أنّه لا فائدة من طلب المساعدة من الشرطة بسبب معدّلات الفساد المرتفعة بين رجال الشرطة في البلد. لذلك فإذا تمّ إيقافك من قبل رجال شرطة، فإنّك في مأزق.

كما أنّه جديرٌ بالملاحظة أنّ جنسية جمهورية الكونغو الديمقراطية تصنّف بأدنى مرتبة من حيث جودة مؤشر الجنسيّة (الذي يأخذ بعين الاعتبار عوامل خارجيّة وداخليّة مثل، السفر دون الحاجة إلى فيزا، والقدرة على الانتقال والعمل في الخارج، القوة الاقتصاديّة، التطوّر البشري، السلام، الأمن العام).

 

 

 

 

 

خدمة الكهنوت/الرهبنة:
يجب أن تكون قائمةً على إنكار النفس والتضحية بها

س: الآن دعينا نتحدث عن كولويزي وإرسالية (mission) الروم الأرثوذكس في هذه المدينة.

ج: كولويزي مدينة صناعيّة، الخامات (المواد) غير الحديدية بالإضافة إلى اليورانيوم والراديوم تستخرج هنا. عدد سكانها حوالي 400 ألف نسمة. وفيها مطار وسكّة حديدية.

يُعتَبَر الأرشمندريت اليوناني خريسوستوموس بابا سرانتوبولوس (1930- 1972( الذي أتى إلى هنا سنة 1969م رائد الحركة التبشيرية الأرثوذكسية في الكونغو.

على الرغم من أنّه لم يكن شاباً، ألاّ أنّه كان ملتهباً بالروح ولديه موهبة الوعظ. لقد عمّد العديد من السكان المحليين الكونغوليين، لكنّه، بعد عدّة سنوات، أصيب بالزحار وتوفي.

 

في بداية السبعينيّات، الارشمندريت المستقبلي كوزماس أسلاينديس (1942-1989(، وكان آنذاك لا يزال علمانيّاً، وقد لُقِّب في ما بعد ب"رسول زائير" ، أتى إلى هنا لأول مرة برفقة الأب أمفيلوخيوس تسوكوس الذي أصبح في ما بعد أسقفاً لنيوزيلاندا ويخدم الآن بصفته ميتروبوليت غانا. يوحنا أسلاينديس، وكان شاباًّ آنذاك، تولّى مسؤوليّة بناء الكنائس في الكونغو، وبعد عدّة سنوات عاد إلى وطنه اليونان، وأصبح راهباً، ثم عاد إلى كولويزي بصفته مبشراً وراهباً كاهناً باسم كوزما الذي من دير غريغوريو في الجبل المقدس آثوس. بنى الكنائس، وَعَظ، عمدّ، ساعد الفقراء، اعتنى بالمرضى والمعتقلين.

صنعَ لهم أسرّة خشبية بيده، كانوا ينامون على أرضٍ اسمنتية قبل وصولهِ.

بحسب أبنائه الروحيين، كان الأب كوزما يتحدّث اللغة المحليّة (السواهيليّة) بطريقة رائعة، تكلمّ مع القرويين بلغتهم الأم، وأضنى ذاته في فعل الخير في كلّ دقيقة من حياته.

اعتاد أن يحمل سلسلة في رحلات عمله! لكي، إذا ما دعت الحاجة، يربط عربات القرويين إلى سيارته ويساعدهم في إيصال الفحم والبطاطا الحلوة إلى كولويزي.

من خلال جهوده التي لا تكلّ، ووعظه الحماسي  تحوّل آلاف المواطنين الكونغوليين إلى الأرثوذكسيّة.

كتب الأب كوزما كلماتٍ نبويّة عن صفات المبشّر الحقيقي:

"يجب أن تكون دعوته أصيلة، مع تفانٍ مخلصٍ وصادق، معتمد على إنكار النفس والتضحية بالنفس، مع العزم على الموت في وسط السكان المحليين الموجودين في حقل التبشير".

 

 

 

 

عانى هذا الزاهد الذي لا يعرف الخوف أكثر من الملاريا وضربات الشمس عدّة مرّات، وتوفي في النهاية بطريقة مأساويّة: فقد اصطدمت شاحنته بسيارة في إحدى رحلاته التبشيريّة. عبر الكثير من المال بين يديّ هذا الـعادم الفضة (لقب القديسين الأطباء الذين كانوا يداوون مجانا)، ومع ذلك توفي في فقر مُدقع مثل راهب حقيقي. بعض أبنائه الروحيين يعتقدون أن هذا الاصطدام لم يحدث من قبيل الصدفة (لم يكن مجرّد حادث) لذلك حياة المبشرين في هذا البلد مليئة بالمخاطر.

*****

 خلفه، في الكونغو، الراهب الكاهن ملاتيوس الذي يخدم الآن ميتروبوليتاً لكاتانغا. كان هناك دير رهباني أرثوذكسي في الكونغو منذ سنة 1987م، وأول اثنتي عشرة راهبة فيه كانوا من الكونغوليّات.

لا أحد يعلم عدد المسيحيين الموجودين في الكونغو اليوم، وذلك لقلّة المعلومات الموثوقة، كما أنّ حرباً أهليّة قد اندلعت في البلد لسنوات عديدة.

*****

أخبرتني الراهبة نكتاريّا القصص التالية:

لقد حلمتُ بحياةٍ رهبانيّة منذ شبابي:

- في العالم الذي عشت فيه في أثينا، كان لديّ مهنة ناجحة حيث عملت في أحد أقسام وزارة الاقتصاد. سمعت الكثير عن احتياجات الناس في أفريقيا، فانضممت إلى جمعية للمساعدات الخاصّة بأفريقيا وقضيت الكثير من وقتي فيها. كنّا نحيك الأثواب الخاصّة بطقوس المعموديّة، ونلصق الأيقونات على الخشب ونعدّن الأيقونات الصغيرة، حيث نرسل حصصاً من هذه السترات والأيقونات والألبسة والأدوية إلى أفريقيا.

- لقد حلمت بحياةٍ رهبانيّة منذ شبابي، ولكن أمّي كانت مريضة فلم أتركها. لقد اعتقدتُ أنّ أحلامي المتعلقة بحياة الرهبانية لن تتحقّق لأنّي لم أصبح راهبة في شبابي.

      

 نبوءة الشيخ القدّيس بورفيريوس:

- في أحد الأيام جئت للشيخ العظيم بورفيريوس (1906-1991)، الذي تمّ إعلان قداسته منذ عدّة سنوات مضت. لقد كان رجلاً عظيماً اختير من قبل الرب وهو في رحم أمّه.

 

 

عندما كان صبيّاً بعمر 12 سنة قرأ القديس بورفيريوس سيرة حياة القدّيس يوحنا الكاليفي فألهمتهُ وأثّرت به فذهب إلى جبل آثوس وعاش حياة نسك لبعض الوقت، وهناك رُسم برتبة لابس جبّة في سنّ مبكرة جداً. ومع ذلك، ونتيجة للإنهاك الناتج عن جهادات الزهد الصارمة، كان على القدّيس بورفيريوس أن يغادر جبل آثوس بسبب صحّته الضعيفة. إلّا أنّ المواهب الروحيّة العظيمة التي كان يمتلكها كانت واضحة للناس الذين كانوا على تواصل معه. تمّت رسامته كاهناً راهباً في أوائل العشرينات من عمره.

-منذ عام 1940 وحتّى عام 1973 خَدمَ القديس بورفيريوس في كنيسة القديس جراسيموس في مشفى العيادات الخارجيّة القريب من ساحة أمونيا في أثينا. من خلال صلواته شُفي العديد من المرضى خلال تلك الـ33 عاماً. لقد امتلك الشيخ هبات شفاء روح الإنسان والاستبصار. وهذا ما اعتاد الشيخ باييسيوس الآثوسي القول أنّ: "الأب بورفيريوس يملك تلفزيون ملوّن بينما أنا أملك تلفزيون أحادي اللون، الرب يرسل أشخاصاً مثله إلى هذا العالم مرةً كلّ 200 عام".

-في بداية السبعينات جئتُ إلى الأب بورفيريوس طلبا لاستشارة روحيّة، وقد أخبرني بشيء لم أكن أتوقعه (كنت آنذاك أعمل في المجال الاقتصادي وما زلت أعيش في العالم). بشكل مفاجئ قال الشيخ:

" أوه ، يا لها من كاتدرائية كبيرة ورائعة ومهيبة! إنّها تبدو مثل كنيسة أجيا صوفيا في القسطنطينية! وأنت سوف تخدمين في هذه الكاتدرائية بمثابة شمّاسة (قندلفت)".

كان بناء كاتدرائية القديس نكتاريوس - وهي واحدة من أكبر الكنائس في اليونان – لم يكن قد بدأ بعد في ذلك الوقت. لم يوضع حجر الأساس حتى عام 1973، وافتتحت الكاتدرائية سنة 1994.

 عندما توفيت والدتي، استقلتُ من عملي وجئت إلى كاتدرائية القديس نكتاريوس في إيجينا. فأُسندت إليّ، بفعل الطاعة، خدمة هذه الكاتدرائية الضخمة الرائعة والمهيبة. لقد سبق الشيخ بورفيريوس فرآني في تلك الكاتدرائية قبل أن تتحقّق نبوءته هذه بخمسة وعشرين عاماً.

*****

عن كيفية إحضار العناية الإلهية لي إلى الكونغو:

 لا شيء يحدث في حياتنا خارجاً عن العناية الإلهية وقد جاءت بي هذه العناية إلى كولويزي. كان أب اعترافي، (أحد رهبان دير غريغورو في جبل آثوس)، مدركاً لرغبتي في خدمة الناس في أفريقيا. ولحسن الحظ، كان أبي الروحي وصاحب الغبطة ثيودوروس الثاني بابا وبطريرك الاسكندرية وسائر أفريقيا، في زيارة إلى إيجينا في نفس الوقت.

 تحدثوا عنّي وعن شوقي الشديد، فأعطاني البطريرك البركة للمشاركة في الإرسالية الأرثوذكسية في كولويزي.

 هل فكّرتُ في المخاطر؟ باعتقادي، عندما تعزم على أن تفعل شيئاً من أجل الكنيسة فأنت لا تفكر في المخاطر.

 

 

إرسالية كولويزي:

- عند وصولي إلى كولويزي التقيت بالعديد من أعضاء الإرسالية الأرثوذكسية اليونانية هناك، كان منهم الميتروبوليت ملاتيوس مطران كاتانغا، بالإضافة إلى راهب واحد، وراهبة يونانية واحدة، وأرملة يونانية مسنّة في التسعين من عمرها والتي كانت تشعر أنها ما تزال ملائمة للعمل (كانت قد خدمت في الإرسالية لسنوات عديدة).

 كان هناك دير أرثوذكسي قريب، رئيسه يوناني من جبل آثوس، وأخوية الدير مؤلفة من ثمانية رهبان وجميعهم أفارقة.

 بنوا كنيسة على شرف الرسل القديسين، واستصلحوا الأرض، وزرعوا الخضروات. حتّى أنّهم ربّوا الماعز أيضاً. لقد زرت هذا الدير، الواقع على بعد عشرين دقيقة من كولويزي. الأبرشية تدعم الدير، والدير يساعد الأبرشية. وهناك أيضاً رهبنة في الكونغو تضمّ أخوية الراهبات فيها خمس راهبات أفريقيات، ورئيستهن التي عاشت في رهبنات جزيرة كريت لمدّة عامين.

- المطران ملاتيوس هو أب اعتراف هذه المجتمعات الرهبانيّة، وهو يعطي الإرشاد الروحي للرهبان والراهبات، وهناك مبتدئين جدد يأتون إلى هذه الأديرة سعياً للعيش في حياة رهبانيّة، ولكن لا يتمّ قبولهم كلّهم في الأخويّات. قد يتطلّب الأمر مدّة حياة جيل بأكمله حتّى يصل الأفارقة إلى فهم المعنى الحقيقي للحياة الرهبانيّة ونذور الرهبنة.

في الأبرشيّة كنا نخبز خبز الذرة للعمال والكهنة والميتم والديرين.

لقد جهّزت الموعوظين للمعموديّة، وعلّمت الأطفال والنساء التعاليم الأرثوذكسيّة، وكنت مسؤولة عن العديد من الأشياء العمليّة مثل غرفة المؤونة والمطبخ ومعاملات الخبز العديدة. كلّ كنيسة كانت ترسل على الأقلّ ممثل واحد عنها لكي يتلقّى التعليم الديني. ندرّبهم في البداية ومن ثمّ يعودون إلى قراهم ليتسلّموا مهمّة التعليم الديني هناك.

 غالباً ما نتواصل باللغة الفرنسيّة بما أنذ الكونغوليون يتحدّثون هذه اللغة، ولدينا أيضاً مدرسة يونانيّة وبذلك يستطيع الناس قراءة الإنجيل باللغة اليونانية.

- توجد في جنوب الكونغو 140 كنيسة أرثوذكسية و70 كاهناً أرثوذكسياً (من أصول أفريقية)، وجميعهم تابعون لمطراننا.

تقام المحاضرات والندوات لرجال الإكليروس في شهر تموز من كلّ سنة.

ثمّة مدرسة ملاصقة لكلّ كنيسة من كنائسنا. كهنتنا عادةً يعلّمون في هذه المدارس أيضاً. ومركز إرساليتنا يحوي خمس مدارس وهي: ابتدائيّة وثانوية، ومدرسة للصغار، ومدرسة خياطة للفتيات، وكليّة زراعية، ومدرسة محو أميّة للبالغين.

 

 

 

مطلوب الكثير من الوقت والصبر:

الأفارقة متحمسون لتعلّم المزيد عن الأرثوذكسية. لقد أدركوا أنّ ثقافتهم قائمة على السحر، إنهم يريدون أن يهجروا هذه الممارسات وهم خائفون منها. لقد تعلّموا أنّ السحر يقف عاجزاً أمام الكنيسة الأرثوذكسيّة وفيها، ويريدون الانضمام لهذه الكنيسة لحماية أنفسهم منه. الكثيرون منهم يطلبون أن يتلّقوا سرّ المعموديّة.

المشكلة أنّ الأفارقة يعتنقون الإيمان بسهولة ويبتعدون عنه بسهولة ... ليس لديهم لا تقليد أرثوذكسي ولا ثقافة أرثوذكسيّة. لذلك من الصعب عليهم أن يدركوا عمق وغنى الأرثوذكسيّة.

إنّ تطورّهم ونموّهم الروحيين بطيئان جداً، وبحاجة للكثير من الوقت والصبر.

ثمّة مشكلة حقيقة أخرى وهي فقر الأفارقة. فالعديدون منهم يعيشون في بؤس مطلق، وينتظرون المساعدات الإنسانيّة (وهي حاويات تحوي ملابس وأحذية وأدوية) من اليونان طوال الوقت، وكانت اليونان تساعدهم طوال الوقت رغم الأزمة الاقتصاديّة التي تعاني منها.

اليوم يتبرّع اليونانيّون بكرمٍ أكثر من أيّ وقت مضى. إنّ قبو ديرنا يحوي كميّات كبيرة من التبرّعات بانتظار أن يتم شحنها إلى أفريقيا.

إنّ تقليد الإرساليّة وُجدَ في اليونان منذ قرونٍ عديدةٍ وتحديداً منذ عهد الإمبراطورية البيزنطية.

 

 

هل الحياة في كولويزي صعبة؟

- إنّ المناخ في كولويزي غريب. درجات الحرارة متشابهة في الصيف والشتاء (حوالى 25 درجة مئوية)، وبما أنّ كولويزي تقع في الجبال فإنّها أكثر اعتدالاً من بقيّة المناطق الأقلّ ارتفاعاً. على الرغم من وجود أشعة الشمس بكثرة فإنّ المدينة ليست شديدة الحرارة، فدرجات الحرارة نادراً ما ترتفع فوق (30) درجة مئوية. عادةً يكون لدينا ستة أشهر من الجفاف وستة أشهر من المطر.

خلال فترات الجفاف تهبّ رياح العواصف الشديدة المحمّلة بكميّات كبيرة من الغبار الكثيف في الهواء. غيومٌ من الغبار من الصعب تحمّلها، رغم ذلك نتدبّر أمرنا للنجاة.

*****

الأفراح والمعاناة:

تكمن السعادة الكبرى في مشاهدة الأطفال الأصحاء يرسمون إشارة الصليب ويصلوّن. في هذا المجال يختلفون عن أطفالنا اليونانيين، فأطفالنا يبدؤون بالتململ والتلّوي والالتفات بعد 15 دقيقة من وجودهم في الكنيسة. بينما الأطفال الأفارقة يجلسون، على بعد خطوات قليلة من الهيكل، بهدوء ومن دون أيّ حركة خلال القدّاس الإلهي ولا يتلّهون بالألاعيب طفولية.

 ما يجعلني حزينة حقاً هو رؤية الناس المرضى والأطفال منهم بخاصّة. الملاريا هي الوباء الأكثر انتشاراً في البلاد وهو يصيب الكثير من الأطفال. الملاريا المزمنة تسبّب الجفاف وتالياً الموت.

لا يوجد أدوية في القرى، وسكان هذه القرى غالباً لا يستطيعون الوصول إلى أقرب مدينة قبل فوات الأوان. وبما أنّ السيارات قليلة جداً في القرى (هذا إن وجدت أصلاً) يقوم الناس غالباً باستئجار الدراجات الناريّة للوصول إلى أقرب بلدة أو مركز، لكن العديد من السكان لا يملكون المال لدفع ثمن هذا الإيجار.

 

 

 نقاء الروح هو ما يهمّ فعلاً:

- أنا أحبّ الأفارقة، إنّهم أناسٌ هادئون وبسطاء.  يحاولون، دائماً، تجنّب النزاعات وإزعاج الآخرين، لأنّ الشخص المنزعج يلجأ إلى مشعوذ.

-إنّهم معجبون جداً بتكنولوجيا الإنسان الأبيض، بينما نحن نريدهم أن يكونوا معجبين أكثر بالعمق الروحي للأرثوذكسيّة.

من الأفضل أن نتحدّث مع الأفارقة بنفس الطريقة التي نتحدّث بها مع الأطفال. فلو بدأت بالحديث معهم عن مواضيع جديّة سيكون من الصعب عليهم الاستماع إليك، وهذا ينطبق على البالغين منهم أيضاً.

أحياناً كانوا يقولون لي خلال أحاديثنا: "أنتم أيها البيض سوف تخلصون بينما نحن السود فلن نخلص"!!

وكنت أنا أجيبهم هكذا: "إنّ لون بشرة الإنسان لا يهمّ. المهمّ حقاً هو نقاء روحك الذي يمجّد الله".

 

 

أجريت هذه المقابلة بتاريخ 30-7-2018

تعريب : عروة الفريحات

_____________

**
المقابلة الأصلية موجودة على الرابط التالي:  http://orthochristian.com/114768.html