كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

فازت إحدى بنات كنيستنا في ولاية فلوريدا، وهي تلميذة في الصف الأول ثانوي، في مسابقة الإنشاء العامّة على مستوى المدينة. وكان عنوان موضوعها "الجوّال والصوم". وقد تحدثت فيه عن أهمية التخفيف من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي في زمن الصوم، وفائدة الانقطاع الكليّ عنها ليوم في الأسبوع، حرصاً على عدم تشتّت الذهن والمحافظة على يقظته، في الآن ذاته. 
هذه أدركت، على صغر سنها، هدف الصوم. أعرف والديها جيّداً، ومدى اهتمامهما بتنشئة أولادهما تنشئة سليمة.
في خضمّ الاعتياد على اتباع الترتيبات الروحيّة، التي وضعتها الكنيسة، استناداً لتعاليم الإنجيل المقدّس، لأجل خلاصنا، قد تصير ممارستها أمراً روتينيّاً يؤدي إلى نسيان تعقّب النمو الروحي المطلوب منها. أمّا الذين لا يتّبعون هذه الترتيبات بانتظام، أو لا يسلكون أبداً، هذا المسرى، فيطرحون سؤال الاستفهام بمعناه الواسع: لماذا؟ 
الصوم حاجة بشريّة أساسيّة، وإلا لَمَا كان الإنسان ليعتمده، ولما كانت جميع الأديان لتتوافق عليه. فالإنسان ليس مخلوقاً لهذه الدنيا الأرضيّة، بدليل أنّك تراه لا يكتفي بما حصَّله، مهما كان كثيراً وعظيماً. إنّه مخلوقٌ، في الأصل، للعالم السماويّ. "لمّا التمسنا النَهَم، صرنا عراةً. وحين غُلبنا بالمذاقة المُرّة، نُفينا من الله. لكن هلمّ، الآن، نعود إلى التوبة وننقّي الحواسّ المحارِبة إيّانا، مقتنين الصيام مدخلاً، مشدّدين القلوب بأمل النعمة، لا بالأطعمة التي ما أفادت من تصرّف بها"(من صلوات غروب أحد مرفع اللحم).
تكمن ضرورة الصوم بالذات، في أنّه، أوّلاً، مذكِّرٌ حسّيّ بأصل الإنسان ومكانته ومكانه الأوّل. فمع الامتناع عن الطعام والشراب، لفترة، والانقطاع عن الأطعمة الحيوانيّة، يتسرّب الإحساس بالجوع والزهد إلى الصائم شيّئاً فشيّئاً، وبالأخصّ إذا ما قرن صومه بالصلاة وأعمال الرحمة. وبالمواظبة عليه، يدخل في مناخ مختلف عمّا ألفه طوال السنة أو، بالأحرى، يعود إلى المناخ الأصيل الذي يتوجّب عليه أن يعيشه طوال السنة: أن يكون في حضن الله، وأن يقتات به وينمو فيه، وصولاً إلى ملء الإنسان الذي ندعوه في اللغة اللاهوتيّة الإنسان المستنير أو المتألِّه. 
يلبّي الصوم حاجة أساسيّة، بالأخصّ في هذا الزمن. فتعقيدات الحياة وصعوباتها إلى ازدياد، وقد باتت ضاغطة على الإنسان إلى حدّ ينذر بالخطر. فالتفنّن في عروض مستلزمات المعيشة إلى ازدياد دوماً. لم يعرف التاريخ استزادة كالتي هي اليوم، في أنواعٍ وألوان، لا حصر لها، من الأطعمة والألبسة وأساليب اللهو. وكلّها تدفع الإنسان إلى اللحاق بها، وتالياً، إلى الغرق، أكثر فأكثر، في بعد الحياة المادّي، فتقضي على البعدين الروحي والإنساني فيه. فتجده أكثر تعباً وقنوطاً وكآبة وتوتّراً، على الرغم من كلّ التقدّم العلمي وسبل العيش المريح.

يذكِّر الصوم الإنسان بالحاجة إلى "النصيب الصالح الذي لا يُنزع منه"(لوقا 10/42). إنّه، رياضة روحيّة طويلة. ونصوصنا الليتورجيّة تدعوه "تقدمة عُشْر السنة"، معتمدةً على الأيّام الخمسة من كلّ أسبوع من أسابيع الصوم الستة: تلك التي نصوم فيها عن الطعام والشراب وننقطع، في الوقت ذاته، عن منتجات الحيوان. 
من البديهي، بحسب تعليم الكنيسة، أنّ الصوم لا يقتصر على البعد البيولوجي، بل على العكس تماماً، يجعل البعد البيولوجي في خدمة البعد الروحي والإنساني. وأقول الروحي والإنساني لأنّه من المفروض أن يقود الصوم إلى الاستزادة من الصلاة وأعمال المحبّة والرحمة. فالتعفّف عن الطعام وأطايبه يساعد الصائم على التوجّه، بذهن أصفى ويقظة أشدّ، إلى الأمور الأكثر أهميّة في حياته. 
عندما يتخفّف الجسد من الأطعمة، وبخاصّة تلك الغنيّة بالدسم والدهون، يشعر بالتحرّر من كثافة الجسد ويختبر فرح التخلّص من هذا الثقل، ويكتشف أنّ انشداده إلى الحياة الجسدانيّة مجرّد وهمٍ اقتنع بأنّه لا يحيا من دونه. 
تحثّنا صلوات الصوم الكبير على قرن الصوم بما تسمّيه "تنقية الحواس"، ونقصد بهذه التسمية عودة حواسّ الإنسان إلى نقاوتها الأولى. "هلمّ يا إخوة، لنطهرنّ نفوسنا من كلّ دَنَسِ البشرة والروح ونضئ مصابيحنا بمحبّة البائسين ولا يأكل بعضنا بعضاً بالوقيعة، فقد دنا الوقت الذي يأتي فيه الخَتَن، ليجازي كلَّ أحد حسب أعماله" (غروب جمعة مرفع اللحم). 
فترة الصوم زمن اختبار حقيقةَ أنّ الإنسان منفيّ على هذه الأرض، كما هو زمن تغذية الحنين إلى الوطن السماوي. فمن قصر صومه على الطعام فقط، مسخه وجعله مجرّد برنامج حمية جسديّة من نوع معيّن. في هذا الصدد يذكّرنا الرسول بولس بأنّ الطعام لا يقرّبنا إلى الله. لأنّا إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص"(1كو 8/8)، مردّداً كلام الربّ: "ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان، بل ما يخرج منه" (متى15/11).
وظيفة الطعام، في الصوم، على الأخصّ، أن يدفعنا إلى الحياة الحقيقيّة الحرّة من الالتصاق بما يمثّله الطعام من شهوة، يعتبرها الإنسان المعاصر أساسيّة، بمعنى أن لا حياة من دونها.
يعلّمك الصوم أن تتناول الطعام، أيّاً يكن نوعه أو طعمه، بشكر وامتنان. كما يدرّبك على أن تتجاوز، من خلال الطعام، أشياء كثيرة من التي كنت تعتبرها قبلاً، من الأساسيّات التي لا يمكنك أن تستغني عنها. 
إن لم ينقلك الصوم إلى فوق، ولم يغيّرك إلى الأفضل، فراجع ذاتك وروحيّة صيامك. من اختبر فرح الصوم يحبّه ويطلبه، وعندما يتأخر يفتقده. 
لا تجعله مجرّد إتمام فريضة، فأنت لا تصوم لأنّ الله يحتاج إلى صومك، بل لأنّ الله يريدك، بواسطته، أن ترتفع وتسمو.