كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
 
لماذا تشدّد الكنيسة الأرثوذكسيّة على استقامة الإيمان؟ لأنّ أيّ انحراف في استقامة الإيمان، ينعكس سلباً على رؤية المؤمن لله. يتغيّر طريق الخلاص إذا ما تغيّر الإيمان. وليس أدلّ على ذلك أكثر من الاختلاف القائم حول سبل الخلاص التي ينتهجها كلّ مذهب من مذاهب الدين الواحد المختلفة. 
ما يعنيني، في هذه العجالة، هو إضاءة بسيطة على اقتناء حياة الإيمان، كما هي معاشة في التقليد الأرثوذكسيّ، وإسقاطها قليلاً على واقعنا الحالي. 
لا نكشف سرّاً عندما نقول بأنّ الإيمان المسيحي يُنقل بالتلمذة الحيّة. ينتقل الإيمان من جيل إلى آخر بالتعليم الحياتي. فقد أوصل المسيح بشارته بالتلمذة ولم يترك لنا شيئاً مكتوباً. وألهم الروح القدس بعضاً من تلاميذه إلى تدوين بشارته، أي إنجيله، بعد عدّة سنوات من صعوده إلى السماء. كما نعرف أنّه رافق تلاميذه ثلاث سنوات، يتلمذهم له بالقول والفعل حتّى يجعل أذهانهم موافقة لذهنه.
جدير بالملاحظة أنّ تلمذته للرسل احتاجت إلى وقت حتّى يتغيّروا عمّا هم فيه. لقد احترم الرب شخصياتهم كما يحترم شخصيّة كلّ الإنسان. وكم أخطأوا في فهمه؟! وكم تساءلوا حول مقاصده؟!و كم مرّة وبخّهم قائلاً لهم: "يا قليلي الإيمان"؟(مت8/26؛16/8). يقول لنا سفر أعمال الرسل أنّ الربّ "ظلّ يتراءى لهم مدّة أربعين يوماً، بعد آلامه، يكلّمهم على ملكوت الله"(أع1/3). وطلب منهم أن لا ينطلقوا إلى البشارة إلا بعدما يرسل لهم الروح القدس الذي "يرشدهم إلى الحقّ كلّه"(يو16/13). ما يدلّ على أنّ السنوات الثلاث، التي سبقت آلامه وقيامته، لم تكن كافية لهم ليدخلوا في سرّه.
وبدورهم، توزّع الرسل في أرجاء المعمورة، يبشّرون بالمسيح المخلّص؛ يعظون ويعلّمون ويفسّرون ويتلمذون المؤمنين الجدد، ومن ثمّ يعمّدونهم. ثم يقيمون لهم أسقفاً يرعاهم ويتابع معهم رسالة التلمذة الحيّة. ظلّت الكنيسة، قروناً، تتلّمذ المهتدين من سنتين إلى أربع، قبل أن تعمّدهم. 
بعدما بدأ الناس يدخلون في المسيحيّة بأعداد غفيرة، بعد تنصّر الإمبراطورية، ضعفت التلمذة الحيّة، لكنّها ما انقطعت. تتابعت حيّةً في ما عُرف بالتلمذة الروحيّة التي تقوم على ما أسماه التقليد الشريف بالأبوّة الروحيّة. ينتقل الإيمان بالسماع إلى المؤمنين، فيصير إيماناً بالعيان (بالخبرة)، عبر مساعدة وإرشاد شخص مختبر ومتقدّم في الحياة التي في المسيح.
حفظ التقليد الشريف هذه التلمذة حيّةً في التراث المسيحي الشرقي بالأخصّ. وهكذا استمرت مؤسّسة التلمذة عبر الأبوّة الروحيّة، إلى يومنا هذا. وقد لعبت الحركة الرهبانيّة دوراً كبيراً في حفظها وانتشارها ونموّها. 
غير أنّ هذه التلمذة لم تقتصر، يوماً، على التعليم النظري أو على مجرّد نقل المعلومات، بل كانت ولاتزال مقترنة بنقل حياة الفضيلة التي حصّلها المعلّم إلى تلاميذه. كذلك لا يقف المعلّم عند مرحلة يعتبر فيها أنّه أتمّ المعرفة الإلهيّة وختمها، بل يستمرّ في التعلّم ممّن بزّوه في القرب من الله، ومن إخوته، إلى أن يقبضه الله إليه. 
ترافقت التلمذة، إذن، بالمعرفة الحيّة لله تلك التي لا يقتنيها الإنسان إلا بحياة نقيّة طاهرة. ترى النعمة الإلهيّة مكاناً لها في الإنسان النقي الفاضل، فتزوره فيبدأ بتذوّق واختبار العيش مع الله على صعيده الشخصيّ، بعدما كان قد سمع عنه وعن الحياة معه.
يصبح معلّماً من تتلمذ على يد معلّم مستنير واقتنى في شخصه، التواضع، سيّد الفضائل. لم تفصل الكنيسة، عبثاً، الرسامة الكهنوتيّة عن الأبوّة الروحيّة. فطقس رسامة الكاهن لا يتضمّن الإذن للكاهن الجديد بتقبّل اعترافات المؤمنين. فتصيير الكاهن أباً روحيّاً، يتم بواسطة طقس خاصّ، بعد أن يتأكّد الاسقف من نقاوة سيرته ومن قدرته على إرشاد المؤمنين إرشاداً سليماً ومستقيماً يؤول إلى خلاصهم. 

في الواقع لا نرى هذا الأمر على بهائه دوماً. فالكثيرون يخلطون ما بين الكهنوت والأبوّة الروحيّة، والأكثرية لا تميّز بين سرّ الاعتراف والأبوّة الروحيّة. بحسب التقليد الأرثوذكسي، قد تسترشد عند مستنير، قد لا يكون كاهناً بالضرورة، وتتمّم اعترافك عند الكاهن. لدينا مثال معروف من زمننا: القدّيس باييسيوس الآثوسي (+1993)؛ لم يكن كاهناً ولكن، ألوفاً من البشر اعتادوا أن يقصدوه، ليسمعوا كلمة خلاص شخصيّة منه. وهو بدوره، بعدما يستمع إليهم ويرشدهم بما يلزم، اعتاد أن يوجّههم إلى كاهن يعترفون أمامه بخطاياهم، وينالون الحلّ منها.
نعمة إحياء الرهبنة في كنيستنا ترافقت بانتشار مفهوم الأبوّة الروحيّة، لكن ندرة الآباء الروحيين المتحلّين بالحكمة الإلهيّة والمستنيرين بالروح القدس،[نتيجة الانحطاط الذي سبّبه ثقل التاريخ]، جعلت ممارسة البنوّة الروحيّة، عند الكثيرين، موضة أكثر منها اعتناقاً جديّاً لحياة التوبة والتطهير. كما تجدها مدعاة للتفاخر عند هذا وذاك، ومشوبة بتعاطٍ عاطفيّ وتحزّب أعمى أحياناً، ما يؤذي روح التوبة ويدمّره. 
عندما يسألني أحدهم بخصوص اختيار أب روحيّ، أوجّهه إلى ممارسة سرّ الاعتراف أولاً. لأنّ البنوّة الروحيّة لا تأتي إلا بعد البدء بعيش حياة التوبة واختبارها.
أتريد أباً روحيّاً؟ مارس الاعتراف أوّلاً. واجتهد أن تتحدّث بالأمور الروحيّة التي تخصّك مع العديدين ممّن تتوسّم فيهم القدرة على إرشادك. بعد اختبارك حياة التوبة المرتبطة بالاعتراف والإرشاد لزمنٍ، الزم الأب الذي تجده مفيداً لك على النمو في التوبة، لا الذي يسايرك. هكذا ومع الوقت تنمو فيك روح البنوّة طبيعيّاً. 
إن لم تنمُ في روح التوبة والتواضع وتتحلّى بالمحبّة والوداعة وتتزين بحكمة الإنجيل وتكتسب شيئاً من السلام الداخلي، فثمّة خطأ أو وهم ما. عُدْ وابحث في داخلك، عساك ضللت الطريق وكنت تتلمذ ذاتك على ذاتك لا على المسيح، أو اخترت أباً يتماشى مع أهوائك ويسايرك فيها.