كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
 
التقيت، في ثمانينيّات القرن الماضي، وبعض من أصدقائي، وكنّا طلاباً في الجامعة آنذاك، بأحد الآباء الروحيين اليونانيين. وقد جاء في حديثه أنّ الكنيسة تواجه أوضاعاً جديدة لم تختبر مثلها في الماضي، وتالياً عليها أن تتلمّس، بهدي الروح القدس، كيفيّة مواجهتها والتعاطي معها، بما يؤول إلى خلاص الإنسان. وضرب لنا مثلاً يعتبر في غاية البساطة إذا ما قورن بالتغيّرات الهائلة التي حصلت مذّاك وحتّى الآن. قال: كانت المرأة تقضي نهاراً كاملاً في غسيل ثياب العائلة، بينما هي اليوم، تضع الغسيل في الغسّالة وتضغط على زر التشغيل وتتساءل: ماذا سأفعل ريثما تنهي الغسّالة الأتوماتيكيّة دورتها؟ قَصَدَ، بمَثَله هذا القول إنّ التقنية الحديثة باتت توفّر للإنسان راحة جسديّة ووقتاَ لم يعهدهما سابقاً، وتالياً عنده وقت بطّال، له أن يقضيه بأشكال متنوّعة. والبطالة هي مصدر الكثير من الشرور والخطايا. 
بدأت بهذا الكلام لأقول بأنّ التغيّرات المتسارعة الحاصلة في عالم اليوم، والتي تميّزه، باتت كثيرة وضاغطة إلى درجة حادّة لا يمكن للكنيسة أن تتفاداها أو تؤجل النظر فيها. فالعيش في المدن الكبيرة ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وتطوّر العلوم الفائق السرعة، والعلوم التكنولوجيّة بخاصّة، بات مصحوباً بتغيّرات طالت السلوك والأخلاق والمفاهيم والقيم وأنماط العيش. معظم هذه التغيّرات لا ينبع من عالم ديني ويمارس تأثيراً فاعلاً على الإنسان، مغيّراً نظرته التقليديّة وحاثّاً إيّاه على مراجعتها في أحسن الأحوال. 
تفرز هذه المتغيّرات مواقف مختلفة تجاه الحداثة وما ينشأ عنها بعامّة. ثمّة من يتقوقع وينعزل طلباً لحماية يتوّهمها. وعلى العكس من ذلك، ثمّة من يؤخذ إلى النهاية بهذه المتغيّرات وينساق معها باعتبارها قدراً لا يمكن ردّه. وهناك من هم بين بين. 
كيف تخاطب الكنيسة المؤمنين في عالم منفتح ووافر التواصل بخصوص الزواج ومفهومه؟ كيف توصل المفهوم المسيحي للجسد بلغة يفهمها الإنسان المعاصر؟ كيف نساعد المؤمن على اختبار الصلاة، وهو يقضي في المدن الكبرى، في زحمة المواصلات المنهكة للأعصاب، ساعة على الأقلّ صباحاً ليصل إلى عمله وأخرى مساء ليعود إلى بيته، ويقضي ثماني أو تسع ساعات في العمل؟ وبماذا نرشده ليتمكّن من ممارسة الصوم بروحيّته الحقّة؟ 
هذه أسئلة لا بدّ من طرحها أوّلاً، واستلهام الروح ثانياً، في إيجاد الأجوبة المقبولة لها، إن أردنا أن نكون كنيسة حيّة لا متحفاً. الرعاية الأمينة تفترض مواكبة الإنسان في كلّ ظروفه وأحواله وقضاياه. فالرعاية ثمرة محبّة الربّ. "أتحبّني يا بطرس؟ ...ارعَ خرافي" (يو21/15). ثمّة انكفاء هنا وتهرّب من المواجهة الصريحة هناك وتردّد وحيرة عموماً. لا نجد الجرأة دوماً لكي نقول ما يجب قوله، وقد لا نجد هذا القول مرّات كثيرة. والأخطر من هذا وذاك أن نحجم عن الخوض في هذه القضايا الشائكة خشية الوقوع في الغلط. كما وأن نتمسك بالأشكال والمظاهر التي ورثناها، بحجّة الحفاظ على الإيمان القويم، ونحن لا ندرك جيّداً الفارق بين الثابت والمتحوّل، ولا بين المظهر والمضمون. 
إن تسلّحنا بكلام المسيح "ثقوا لقد غلبت العالم....أنا معكم إلى انقضاء الدهر" فلا شيء يجب أن يعيقنا أو يخيفنا، إذا ما تحلّينا بروح التواضع والمشورة والصلاة. 
في هذا الصدد ثمّة وثيقة هامّة نشرها المطارنة الأرثوذكس في ألمانيا، بعنوان: "رسالة الأساقفة الأرثوذكس في ألمانيا إلى الشباب حول الحبّ والجنس والزواج". تكمن أهميّتها في خروجها عن اللغة التقليديّة ومخاطبة الشباب في ألمانيا بلغتهم مع التمسّك بالثوابت. لكن ما جاء في الرسالة بخصوص الثوابت يجدر التأمل فيه، لأنّه لم يَرِد بأسلوب الأمر والنهي، بل بأسلوب أشبه بالحِواري، وهو غير جارح لمن يرفضه، كونه أسلوباً محترِماً وغير ديّان.
تكلمت الرسالة عن الجنس قبل الزواج والزواج المدني والمختلط والعابر للأديان والمثلية، برصانة مسيحيّة تعرف ينابيعها وتدرك مدى المسؤوليّة الضميريّة الملقاة على الرعاة في مواكبة أبنائهم، أيّاً يكن وضعهم الروحي، بهدف مساعدتهم على تلمّس طريق خلاصهم. تصف الرسالة، بالحريّة التي لنا في المسيح، أهمّ التحدّيات الإيمانيّة المختصّة بمواضيع الحبّ والجنس والزواج في المجتمع الغربي بواقعيّة خالية من التشنّج أو التوتّر، كما تقاربها بمسؤوليّة ضميريّة وصدق قائم، في المواجهة، على تفهّم العصر وواقع الشبيبة. ثمّة سعي إلى الأجوبة المطلوبة أكثر ممّا هو تقديم عبارات جاهزة معتادة. 
قالت الرسالة بصراحة بأنّ "الإجهاض، وهو قتل لكائن حيّ، ليس وارداً بالنسبة إلى المسيحيين الأرثوذكس في أيّ حال من الأحوال"، وبخصوص الزواج العابر للأديان: "إنّ مثل هذا التعبير غير ممكن في كنيستنا، لأنّ قاعدة الاحتفال بسرّ الزواج هي الإيمان بالله في ثالوث". و"تفترض المناولة المشتركة في كنيستنا وحدة كاملة في الإيمان" و "إنّ زواج المثليين في كنيستنا غير ممكن". لكنّها، في الوقت ذاته، ناشدت الشباب "ألا تتكتّموا على أسئلتكم، بل أن تعبّروا عنها وتطرحوها على ذوي الاختصاص... وإلى الحوار مع من أوتوا خبرة الإرشاد الروحي". كما ذكّرت بأهميّة "حوارات الإرشاد الزوجي مع كاهن الرعية". ونوّهت، في غير مرّة، بما سمّته "نطاق الرعاية والمواكبة اللبقة".
لعلّ الفقرة الأخيرة من الرسالة تكشف مدى الإيجابيّة في تعاطي القضايا الراهنة، على خطورتها. جاء فيها: "في المجتمع الذي نعيش فيه تحصل تحوّلات على الدوام. إنّنا نرحّب بالتحوّلات التي نتلمّس فيها روح إنجيل يسوع المسيح. العائلة اليوم، في مفهومها التقليدي، معرّضة لتحوّلات جذريّة. إنّنا، بمقتضى دعوة الرسول بولس أهل تسالونيكي أن "اختبروا كلّ شيء وتمسّكوا بالأفضل"(1تس5/21) مدعوّون جميعاً، أيها الشبّان والشابّات الأرثوذكس، إلى المجاهرة من جديد بالنظرة إلى الإنسان، كما نعثر عليها في إيماننا الأرثوذكسي، وخصوصاً إلى عيشها".
صدرت الرسالة باسم الأساقفة الأرثوذكس في ألمانيا، مع أنّ بعضاً منهم أبدى تحفّظه على بعض ما ورد فيها. في تعاطيها للمستجدّات التي لم تختبرها قبلاً، قد تخطئ الكنيسة التشخيص مرّة، وقد لا تصيب الهدف بالتمام مرّة، غير أنّها، بهدي الروح القدس، تصحّح في نهج الرعاية الذي تخطّه. لنذكر كلام الأب الروحي أعلاه. 
تطرح الرسالة مسؤوليّة الكنيسة بخصوص مواكبة المتغيّرات الإنسانيّة في إطار رسالتها الرعويّة. يا ليتنا نكون سبّاقين في التعاطي مع المتغيّرات، ومبادرين إلى استلهام الرؤى المفيدة للإنسان ووضعها أمام الضمير الإنساني والمجتمعي، قبل أن تجبرنا هي على فعل ذلك. لا يدعونا الإنجيل إلى التقوقع والهروب، بل إلى الحوار واحتضان الإنسان أينما كان.
عسى أن تلهم هذه الرسالة الرعاة، في كلّ مكان، على ملاقاة الإنسان في واقعه ومواكبته في تعثّره ومساندته في ترقّيه الروحي. لقرائة الرسالة كاملةً على الرابط التالي: