كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

أيّها النور الأنطاكي، نقدّم الشكر لله لأنّه أرسلك إلى كنيسته ليعرف شعبها كمّ البهاء المخبوء فيها، ومدى الضياء المدعو إليه شعب الله الحسن العبادة. لو لم تكن حاضراً في السنوات الثمانين السابقة ما كان وهج المسيح ساطعاً فيها كما هو اليوم. قضيتَ سنيّ عمرك، منذ تفتّحها، في خدمة الكلمة المتجسِّد خلاصاً وتحناناً وعشقاً للبشر. هِمْتَ بالمصلوب القائم من أجلكومن أجلنا، وسعيتَ في إثره مدفوعاً بحبّ غامر ويقين لا يتزعزع بأنّه المخلّص، وبأنّه وحده المستحقّ أن يُسجَد له وأن يُعطى القلب والكيان وكلّ ما في الإنسان وله.
في تفتّح أزاهير شبابنا، أنا وجيلي، وكنّا نتأرجح بين الثقافة والإيمان، كنتَ المثال الوضّاء أمامنا في إمكانية جمعهما معاً، لا بل وإشراق الثقافة حينما تُستضاء بنور المسيح، فتتلألأ حياة وجمالاً. انتشلتنا من براثن الإلحاد آنذاك وحبّبتنا بكنيسة المسيح التي لم تكن تبدو لنا حينها أكثر من متحف علاه الغبار، أو، في أحسن الأحوال، مكاناً مناسباً للمساكين والعجزة. عرفنا بواسطتك أنّها مطرح الحياة الحقّة ومنتج الشباب الدائم، وأنّ مسيحها وحده الطريق والحقّ والحياة لكلّ الأجيال ولكلّ الأزمان.
عشتَ كما قلت، يا من تيّمك الحبّ الإلهي، فقلت "المؤمن وَلِهٌ أو ليس بشيء"، وأرجعتَ للكثيرين الثقة بالكنيسة والإكليروس. عشقك للمسيح جعلك تكتفي به وحده وتتحرّر من كلّ رباط أرضي ولو كان صالحاً. كيف استطعتَ أن تبقى في الدنيا ومشاكلها وأزماتها وما غفلت عيناك لحظةً عن السيّد؟ كنتَ تسحرنا به عندما تلقي بنوره على كلّ شيء دنيويّ فيستحيل سماويّاً! هل كنتَ تكثر من استعمال تعبير"الترابية المجبولة بضياء المسيح"، لأنّك اختبرت ترابيّتك ورأيتها كيف صارت بعدما غمرها السيّد بنوره ثانية؟ لقد ارتضى أن يعمّم وهجه من ترابيّتك علينا، وكلّفك بأنّ توصل جمالاته إلى أقاصي الأرض، فكنتَ الرسول الأمين.
أكنتَ تجمع في عينيك وداعة الطفل وحِدّة الصقر لو لم يمنحك الله الذكاء الوافر، فتهديه بدورك نقاوة القلب؟ ولأنّك وحَّدتَ في شخصك، بنعمته الإلهيّة، الأرضيات بالسماويات، بتَّ قادراً على أن تعكس وفرة وافرة من بهائه وجمالاته وتقود حتّى الرافضين لسيّدك إلى احترامه والمزدرين بكنيسته إلى تغيير نظرتهم إليها. 
لم أفهم، وبعض من أصدقائي، سرّ عشقك للمسيح، حتّى لمعت عيناك مرّة ببريق فرح ليس من هذا العالم، حينما سألك أحد رفاقنا قائلاً: إنّني أقرأك بتمعّن وألاحظ أنّك تستخدم كلمة المسيح كثيراً، حتّى إنّني حاولت استبدالها بلفظة الله في مواضع كثيرة، فرأيت المعنى لم يتغيّر". فهتفت به متهلّلاً كمن اكتشف السرّ وقلتَ: "بالضبط لأن لا أحداً يأتي إلى الآب إلا به". أَغْنَيتنا بأكثر من الكثير. كم كنّا ننتظر مقالاتك وعظاتك ونتلقفها بلهفة لنفرح بما تنقله إلينا من حلاوات يسوعك. من علّم مثلك؟ ومن جرؤ مثلك على تحطيم الأصنام التي كثيراً ما حجبت وجه السيّد حتّى في قلب كنيسته؟
شوقك إلى إضاءة العالم بنور مسيحك جعلك لا تتهيّب من خوض الوحول لأنّ إيمانك عظيم بتحوّلها نوراً عندما تلتقي بالسيّد. تأتينا من اتّكائك على صدره كيوحنا الحبيب لتبثّنا دفء قلبه وتنعش نفوسنا برحيق عطره المحيي. لستُ بمصدّقٍ بأنّ ذكاءك وحده وثقافتك وحدها هما من أغنانا بكلّ ما أتى منك تعليماً شفهيّاً ومكتوباً. لا، فسجودك الدائم عند قدمي السيّد والتصاقك به وانسكاب نعمته فيك هو ما جعل قدراتك البشرية تنقله بهذا البهاء الذي خبرْتَه شخصيّاً فيه. 
حاورتَ الكبير والصغير، من شاركك توجّهاتك ومن خالفها ومن رفضها، ولم تنقص سويّة احترامك للجميع. كنتَ تحتمل جميع عيوب البشر وتطيل أناتك على أبنائك وتتأنّى على الخاطئ حتّى يتوب، والشرّير، على رجاء تحريك ما فيه من خير. وحده الغباء لم تكن تحتمله، فكان صوتك يعلو عليه. أَلأنّك تدرك مدى خطره، لكونه يحجب نور المسيح عن العالم؟ تترفّق بالخاطئ وتؤنّبه أحياناً في سبيل أن يتوب، أمّا الغبي فكيف يعرف فداحة ما يفعل إن لم تجبهه؟
أتعرف أيّها الكبير أنّ عظمتك تكمن في أنّك، على ما حباك الله من مواهب وقدرات، لم تحصر كنيسته فيك وتركت الكثير من الحريّة لمن تتلمذوا على يديك، حتّى يكون لروح الرب المجال الأرحب في تغييرهم.
أتيتُك مرّة مخنوقاً من وضع أبرشيّتي وصغرها، وحزيناً على خمود قدراتي فيها، فنصحتني بأن أركّز على نوعيّة خدمتي لا على كمّها. وقلتَ نحن في الكنيسة رعاةُ نفوسٍ أوّلاً وأخيراً. لم يعزّني قولاً كقولك هذا حتّى الآن، وقد رسمتَ الطريق لي بقولك هذا. وها أنا أضحيتُ، بعد سنوات خدمتي الكنسية، واثقاً من أنه ما من إنسان يقدر أن يقول ما قلتَه لو لم يكن قد تمرمر داخليّاً من أجل خلاص رعيّته، لأنّه أحبّها حتّى المنتهى. 
كم أنت كبير أيّها الألماسيّ اللسان. لست كبيراً بعلمك وأدبك، بل بتواضعك ومحبّتك وقلبك الوثّاب أبداً إلى سيّدك. ولأنّك بهذه القامة الكبيرة، استطعت أن تصل إلى كلّ مكان، فلا تنحني إلا أمام ربّك. 
أعفتك الطبيعة البشرية اليوم من أثقال الرعاية وهموم الكنيسة وقد تخطّيت الخامسة والتسعين، لتبقى بركة لأنطاكية الكنيسة وصلاة موصولة من أجلها. إنّها في أزماتها على مفترق طرق وتحتاج إلى أمثالك كثيراً. اليوم تتفرّغ للصلاة من أجلها. ادعُ لها لكي لا تغطي القبائح والمحدوديات والغباوة وجه سيّدها عن شعبه. ادعُ لها يا سيّد ليبقى فيها الكثيرون ممّن يضيء ربّها بهم وجه هذا العالم. 
أنت باقٍ أيها المعلّم بما أعطيت وعلّمت وكتبت.