أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

يتميّز الشرق عموماً بتديّنه. ويمتزج التديّن فيه بسائر أمور الحياة. يُكثر من ذكر الله وشكره وحمده على شفتيه، وإن لم يكن يعنيه حقّاً. ويشارك في المناسبات الدينية وكذلك الأعياد.

ينتمي تديّنه إلى مجتمعه وعشيرته وعائلته، بحيث يصير الله عنده جزءاً من تراثه وتقليده. إلى جانب ذلك يحمل تراث دينه، من ذوق وطريقة حياة وموسيقا ... تراثاً يميّزه عن غيره ممّن ينتمون إلى دين أو مذهب آخر.
المناخ الشرقي المشبع بالتديّن الظاهري، يساعد المؤمن كثيراً، إن أراد، أن يعيش إيمانه حقّاً وفي العمق. لكنّه يرميه أيضاً في غربةٍ تلازمه مدى حياته، من جرّاء تعارض إيمانه الحيّ مع التديّن الاجتماعي الفولكلوري الذي يواجهه، وقد يحاربه من كل جهة. لكي يكون الكلام واضحاً، أسوق بعض الأمثلة من واقع المؤمنين المسيحيّين، مع أنّ ما أتكلّم عنه يطال جميع المتديّنين في الشرق، وإن بأشكال ليست مماثلة تماماً لما عند المسيحيين.
يحتفل الجميع بالفصح المقدّس، ولا يصوم الجميع الصوم الكبير الذي يسبقه. وجه الفرح في الأعياد هو وجه دنيويّ قائمٌ على حفلات وغناء ورقص وطعام وشراب بمناسبة العيد وعلى شرفه، أمّا الفرح الروحي الناجم عن عيش معنى العيد والتطهّر والاشتراك في صلواته وافتقاد المحزونين ... فقلائل هم الذين يولونه الأهمية المطلوبة.
يتزوّج الجميع في الكنيسة ويتمّمون مراسم سرّ الزواج، لكن الغالبية لا تستعدّ للزواج من الناحية الروحيّة. كم يبلغ عدد الذين يعترفون ويساهمون جسد المسيح ودمه ويشتركون في القدّاس الإلهي قبل حفل الإكليل؟ الاهتمام محصور بالأمور الدنيوية اللازمة منها وغير اللازمة. أمّا طريقة إقامة حفل الإكليل، حتّى ضمن الكنيسة، فحدّث ولا حرج عن الكفر الحقيقي الموجود فيها من بذخ وثياب وحفلات وديكورات .... لتجعل "إتمام السرّ الإلهي" في خدمة هذه وليس العكس. ممّا يجعل المؤمن الحقيقي يشعر وكأنّه في عالم آخر لا يمتّ إلى جوهر إيمانه بصلة.
الجميع يعمّد أولاده، ولكن يندر من بين هذا الجميع من ينتقي عرّاباً أو عرّابة على معيار الإيمان ليكون (أو تكون) أباً (أو أمّاً) روحيّاً حقّاً لطفله. ناهيك عمّا في حفل العماد من دنيويات يُؤخَر العماد مرّات كثيرة بسببها وقد يمتد هذا التأخير أحياناً إلى سنوات.
يعيش المرء إيمانه بكلّ حياته، بناء على كلمة الربّ في إنجيله " أحبب الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك"، هذه هي الوصية الأولى. يعني هذا الكلام أنّ الله هو الأوّل والأخير، البداية والنهاية في حياة المؤمن. منه ينطلق وإليه يعود في كلّ أمر يقوم به ويفكّر فيه ويخطّط له. يحيا من أجله، وتالياً، يعمل كلّ ما بوسعه ليكون بقربه ويمتلئ من حضوره. هذا يستتبع عيش الوصايا الإنجيليّة وتطبيقها وممارسة الصلاة وتجديد الذات بشكل يومي ودائم، إلى جانب اتّباع طرق العيش المتوافقة مع إنجيل الربّ، أي العيش في إطار التقوى.
لا يبدو أنّ جميع المؤمنين يرغبون بنمط العيش الحقيقي هذا. هو مكلف ويحتاج إلى جهاد وتحرّر وترفّع عن دنيويات وسخافات وتفاهات كثيرة. إلى ذلك تحدّي المجتمع المعاصر للقيم الإنجيليّة والروحيّة بشكل عام يعيقه كثيراً ويصوّره كمن يمشي "عكس السير".
ولكن الجميع يريد أن يحصل على رضى الله وينعم براحة الضمير ويضمن عدم العقاب. الغالبية تريد أن تحيا بسلام وفرح. فما العمل للتوفيق بين متطلبات الإنجيل التي تناسب النفس الإنسانية ومتطلبات الدنيا التي ترهقها؟ ما العمل لمساعدة البشر على تحقيق تطلعاتهم الإنسانية العميقة تحقيقاً حقيقيّاً لا وهميّاً؟
يجد مجتمعنا الشرقي الجواب في خلطة حياتية يمتزج فيها الديني بالدنيوي، حتّى يكادان لا يتفرّقان عن بعضهما بعضاً عند الغالبية العظمى. ويظن من ينشأ في مجتمع كهذا أنّه متديّن حقيقيّ لأنّه يقوم ببعض الواجبات الدينية ولو ألبسها كساء غير ديني ومناقِضاً لها بالمرّة. هذا الواقع يؤدي إلى ظهور تيارات متصارعة في الكنيسة، نكتفي بتوصيف سريع لإثنين منها في هذه المقالة.
المجتمع التوفيقي يهيّء لنشوء مجموعات من الطهريين الذين يرفضون الكذب وإزالة الحدود وطغيان الدنيوي على الروحي، والاجتماعي على الديني، والظاهري على الداخلي. هؤلاء تدفعهم طهريّتهم إلى التشدّد الديني والتزمّت الروحي والانغلاق على النفس والاستنفار ضدّ الآخر. في حين يدفع هذا المجتمع فرقاً أخرى إلى التهافت على قيم المجتمع الدنيوي، والسعي إلى تبريرها استناداً إلى تفسيرات دينيّة خاصّة، فرقاً لا تقيم حدوداً بين العالمين الروحي والدنيوي. تريد أن تأخذ العالم، من دون تغييره، إلى الكنيسة، فتمسي الكنيسة مكاناً دنيويّاً بامتياز، ولكن له نكهة دينيّة ما. يتّهم هذا الفريق الفريق الآخر بالتزمّت والتعصّب والانغلاق، متعلّلاً بمحبّة القريب. بينما يرى الفريق الأوّل في الثاني قتلاً لروح الله واستعاضة كاذبة عن محبّته بمحبّة خليقته. يرون أنّ محبّة القريب مجرّد تبرير، عند أولئك، لمحبّة العالم. يغتاظ الواحد من الآخر، ويدفع كلٌ منهما الآخر إلى مزيد من التشدّد في مواقفه بغية استثارته ومحاربته. هكذا يتشوّش المؤمنون بين تزمّتٍ ينفّرهم من الإنجيل ويظهره مستحيل التطبيق ما لم يتجرّدوا من كلّ مقوّمات دنياهم، وبين تفلّتٍ، بحجّة "حريّة الإنجيل"، يرميهم بعيداً عنه، ويشدّهم، بسبب الضعف الروحي، إلى اتجاه معاكس، فيقتنعون بأنّ الله والعالم واحد، ويكتفون بممارسات دينيّة محدّدة يكتفون منها بظاهرها، ولا يهتمون بالدخول إلى جوهرها.