كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

ارتضى الله أن يستدعي المطران يوحنّا منصور، راعي أبرشيّة اللاذقية، إلى دياره في الأسبوع العظيم المقدّس؛ الأسبوع المؤدي إلى الفرح الأعظم، فرح الانتصار على الموت. لم يستغرب من عرف المطران يوحنّا شخصيّاً توقيت استدعائه هذا، لأنّه إنسان قضى حياته متطلّعاً إلى وجه ربّه وناظراً كلّ شيء من خلاله ومتشوّقاً إلى السكنى معه والامتلاء منه.
سيرة المطران يوحنّا سيرة إنسان عادي، ليس فيها أيّ حدث استثنائي، لكنّها حياة مثمرة جدّاً لأنّه عرف الحقيقة في يسوع المسيح، فوهبه ذاته وحياته بكليّتهما منذ حداثته. فقاده الله في دروب متعرّجة، من التعليم إلى التوحّد في الدير، فالانطلاق منه إلى خدمة شعب الله، إلى الرعاية الكهنوتيّة ومن ثمّ الأسقفيّة. 
في هذا كلّه تميّز بطاعته للكنيسة عبر آبائها. ما أعاقته عقبة إلا وتخطّاها ببساطة نفسه وطاعة نفسه لمن أرشده أو كان مسؤولاً عنه. انحصر اهتمامه في خدمة الله حيثما شاءه أن يكون؛ وقد تنقّل، بالطاعة والرضى، بين أماكن عديدة قبل أسقفيّته. ما فكّر يوماً بمنصبٍ أو مركز، بدليل أنّه لم يسعَ إلى نيل شهادات علميّة تؤهّله للمناصب إلا بعدما طلب رؤساؤه منه ذلك، وحسناً فعلوا. أطاع ولم يقل كبرت وتجاوزني الزمن، بل جدّ واجتهد لتكون طاعته في المستوى المطلوب.
بساطة نفسه وقلّة متطلّباته الشخصيّة، أهّلته لأن يكون إناء ينضح بنعمة الله حيثما حلّ ووُجد. حديثه موجَّهٌ دوماً نحو خلاص السامعين وتقرّبهم من الله. لذلك أحبّ آباء الكنيسة، الأبرار منهم بخاصّة، وعاشرهم من خلال كتاباتهم، معاشرة شبه يوميّة. حتّى في شيخوخته المتقدمة، كنت، متى زرته، تراه قابعاً في كرسيّه وفي حضنه كتاب المزامير إلى جانب كتاب لأحد هؤلاء الآباء القدّيسين ومسبحته في يده. 
لهذا أهلّه الله ليكون أداةً تُنهض كنيسته وتحفظ جذوة حبّ الله والإنسان متّقدة فيها. ما منع ومضة روحيّة في أبرشيّته، بل بارك كلّ تحرّك للروح القدس فيها، فأثمر عملُ الله نفوساً جميلة ومخلصة لنداء الإنجيل. وما وجود كثرة من الرهبان والراهبات والكهنة والأساقفة والعائلات المكرّسة لله وخدمة الكنيسة والإنسان والوطن في أبرشيّته، إلا علامة على انفتاحه على عمل الروح القدس الذي لا يتوقف، وعلى قدرة المطران الروحيّة على التقاط علاماته. 
جنازته كانت صورة عن البهاء الروحي الذي نثره هنا وهناك، بتواضعه الجمّ وبساطة معيشته.
تجربة الرعاة الأخطر، وهي تجربة كلّ من يعمل في حقل الكنيسة، قائمة على الحماسة الزائدة عن اللزوم والإصرار على تنفيذ ما في بالهم من مشاريع أو خطط والتشبّث بآرائهم الشخصيّة حتّى المعاندة. ينسون أنّهم خدّام وليسوا أصحاب البيت. المطران يوحنّا عرف جيّداً أنّ المسيح هو صاحب الكنيسة، وما المطران سوى ملتقط لومضات نور المسيح وعامل على تجسيدها وغرسها في شعب الله الذي اؤتمن عليه. 
على هذا المنوال عاش، فكان له أن لا يحدّ أبرشيّته بشخصه، بل أن يجمعها على شخص الله. بهذه الروحيّة مارس أبوّته الروحيّة، وهو أب معرِّف بامتياز. ما حاول أن يربط أحداً من أبنائه الروحيين الكثر بشخصه، وما تصرّف معهم بما يشير إلى ذاته مثالاً وقدوة، بل اعتاد أن يوجّههم إلى شخص المسيح، مخلّصهم فقط. بهذا تشبّه بالكليّة بشفيعه القدّيس يوحنّا المعمدان الذي كان يتوارى لكي يبقى السطوع لشخص المسيح وحده.
اعتبر نفسه مجرّد "صوتِ صارخٍ في البريّة: قوّموا طريق الربّ"(يو1/23).كان يسلك، على الدوام، كصديق العريس الذي "يقف بجانبه يصغي فَرِحاً لهتاف العريس" (يو3/29). ما كان همّه أن يبرز هو، بل أن يكون المحلّ كلّه لسيّده، "له هو (المسيح) أن يزيد ولي أنا (المعمدان) أن أنقص"(يو1/30).
سيّدنا يوحنّا ... جاهدت وتفانيت وتعبت... أحببت ربّك حتّى العشق... حفظت الأمانة بقدر استطاعتك البشرية. إذ أتممت السعي تتركنا، بعد شيخوخة مباركة، إلى وجه الله محبوبك الذي أراد أن يكون دفنك يوم ارتفاعه على الصليب، لكي تقوم معه إلى فصح دائم أبدي. من اليوم، لم يعد هتافك "المسيح قام"، لأنّك صرت من القائمين معه في مجده الحيّ. 
كما كنت تصلي لنا وأنت على الأرض، نرجو أن تتابع صلاتك لنا بعد أن صرت شديد القرب منه.