أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

+الدرجة الأولى
(لنجعل العالم وراءنا)

يفتتح القدّيس يوحنّا السلّمي كتابه، "السلّم إلى الله" بالتذكير الجدّي التالي:
"إنّنا نرى (في خلائق الله) من هم أحبّاؤه، ومن هم له خدّام مخلصون أو عاطلون، ومن هم غرباء عنه بالتمام ومن هم، على ضعفهم، معاندون له".
والسؤال الذي ينوي القدّيس يوحنّا طرحه علينا، بالطبع، هو "أيٌّ من هؤلاء أنا"؟
نعرف أنّه ليس بمجرّد قبول المعموديّة، يضمن المعتمد طريقه إلى السماء، وليس كلّ من يدخل من الباب الضيّق، يستمر في السير في الدرب الضيّق (انظر متى7/13،14). لا تمنحنا المعموديّة صكّاً ندخل بموجبه إلى السماء. ولا تضمن البدايةُ الصالحةُ نهايةً صالحةً، بالضرورة! في الحقيقة، نحن نجرَّب دوماً، بأن نصبح خدّاماً عاطلين يظنّون أنّهم قد استحقّوا معموديّته الإلهيّة، بينما هم، في الواقع، قد نكثوا العهود التي قطعوها على أنفسهم آنذاك. ما يعني، والحال هذه، أن نحيا بجدّية ونتوجّه نحو الهدف الحقيقيّ، كما يطلب يسوع منّا.
"ما كلّ من يقول لي: يا ربّ يا ربّ ! يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات"(متّى7/21).
ولكن كيف نصعد إلى الله؟ كيف نبدأ؟ تبدأ الدرجة الأولى في رحلتنا السماويّة، بحسب تعليم القدّيس يوحنّا، بأن "ندير ظهرنا للعالم"، عن قصد، بمعنى أن لا يكون العالم اهتمامنا وانشغالنا الأوّليّ.
"اعتزال العالم هو مقت طوعي، وجحود للطبيعة، لأجل البلوغ إلى ما يفوق الطبيعة" (1/4).
كم هو استحواذ أشياء هذا العالم أمر سهل علينا! فحتّى عندما ندّعي بأنّنا مهتمّون بالملكوت السماوي، يمكن أن نحيا لهذا العالم، بكلّ ما للكلمة من معنى. يقول القدّيس يوحنّا إنّ هذا دليلٌ على "خُلُقنا المحبّ اللذّة" (1/8). كم ندلّل جسدنا ونعيش للمتعة والاكتفاء الأرضيين ونجهل اهتمامات النفس؟ وهذا يوضح لنا ضرورة اعتناق مبدأ نكران الحياة الدنيا، بمعنى أن نضع أهميّة النفس فوق أيّ اعتبار آخر، ونرفض أن نحيد عن هذا المسعى الأوّليّ.
بالطبع، يبدو هذا حسناً، وقد يبدو سهلاً... إلى أن نبدأ بالمحاولة فعليّاً. آنذاك نتعلّم أنّ أجسادنا تعارض أن تُوضع في الدرجة الثانية. فهي لا تحبّ أن تسمع لفظة "لا". هذا بالطبع نتيجة سقوط الإنسان. فعندما عصى آدم أمر الله (كسر الصوم)، وسقط آدم من الفردوس، فانحلّ الجسد وعاكس النظام الطبيعي في الإنسان. كان الجسد خادماً للنفس قبل الخطيئة، فصارت النفس خاضعة للجسد بعد السقوط.
ولكي نصعد إلى السماء، يتوجّب علينا عكسُ النظام الذي فينا الآن. يجب أن نعلّم الجسد كيفية اتّخاذ وضعه الصحيح، باعتباره حارساً للنفس وخادماً لها. يشدّد القدّيس يوحنّا، على هذا الأمر، قائلاً:
"إنّ الذين يعتزمون الصعود إلى السماء بأجسادهم، يلزمهم في الحقيقة، اقتسار ذواتهم، وتكليفها آلاماً متواصلة، لا سيّما في بدء زهدهم، إلى أن يتحوّل خُلُقنا المحبّ اللذّة وقلبنا الفاقد الإحساس، إلى خُلُقٍ عفيف ومحبّ لله، نتيجة توبة صادقة. لأنّها، في الحقيقة، مشقّة كبيرة وكبيرة جدّاً ومرارة لا تُحتمل، لا سيّما للعائشين منّا في التواني والكسل، أن نجعل ذهننا محبّاً للعفّة ولمراقبة الذات، عن طريق روح البساطة وعدم الكذب بتاتاً والاجتهاد"(1/8).
حمداً لله أنّنا لا نقوم بهذا العمل بمفردنا. فالمسيح بذاته حاضر لمساعدتنا في جهادنا. وهذا ما يمنحنا حلاوةً وسط مرارة آلامنا وفرحاً في سياق الحزن. مرّةً أخرى، يجب أن نتذكّر هدف جهادنا: إنّه السماء والتمتّع بحضور الله في الأبديّة. من دون دافع الحبّ هذا والسعي إلى المتعة الحقّ، لن نقدر على الجهاد. فكثيرون قد وهنت قواهم في أثناء الطريق، لأنّهم فقدوا الهدف والغاية منه.
"إنّ جميع الذين بادروا إلى الزهد في العالم، لا بدّ أنّهم زهدوا فيه، إمّا في سبيل الملكوت الآتي أو لكثرة خطاياهم أو حبّاً بالله. وإن كان اعتزالهم العالم ناجماً عن سبب آخر، فهو اعتزال أحمق. غير أنّ إلهنا الصالح، واضع هذا الجهاد، ينتظر نهاية سعيهم ليحكم عليه"(1/5).
نستسلم، بعض الأحيان، خطأً، إلى تجربة الاعتقاد بأنّ الحياة الحقيقيّة توجد هنا على الأرض. بينما، الحقيقة، أنّنا نتحرّر من وطأة "الحياة" بمقدار ما نقترب من الله (السماء)".
"فالكافر كائن ذو نفس عاقلة وطبيعة فنّية، يقصي ذاته عن الحياة باختياره.."(1/4).
فلا حياة في هذا العالم ولا في أشياء هذا العالم. وهذا ما يذكّرنا به الكتاب المقدّس:
"لا تحبّوا العالم وما في العالم... لأنّ العالم يزول ومعه شهواته" (1يوحنا2/15،17).
عندما سقط الإنسان دخل الموت إلى العالم. فقط بالصعود إلى الله نجد الحياة الحقّ، لأنّ "الله حياة كلّ الكائنات الحرّة"(1/3). كم هو شاقّ حفظ هذه النظرة؟ كم هو شاقّ ومجهد أن نقف بعيدين عن نظرائنا السائرين برغبة، نحو هدف هذه الحياة وهذا العالم "المطلق"، وأن نعيش لأجل القيم الأبديّة للملكوت الذي لن يموت.
لكن الله زوّدنا بالشجاعة في هذا الجهاد. يقول القدّيس يوحنّا، بأسلوب سلبيّ:
"لا تنقطعوا عن صلوات الكنيسة"(1/28).
وفي مكان آخر، يدعو هذا الطريق الطريقَ الملوكي وحياة السكينة (السلام الداخلي)، والمشاركة مع الآخرين. لهذا، فإنّ الكنيسة، جماعة المؤمنين، هامّة جدّاً لنا في رحلتنا هذه إلى السماء. فالذين يجاهدون لكي ينكروا العالم، يشجّعوننا ويحثّوننا على نكرانه بدورنا.
سنفشل إن اعتمدنا على مجهودنا الفردي، لكنّنا ننجح سويّاً، نحن الطالبين ملكوت السماوات.
"ويل لمن هو وحده، لأنّه إن وقع في ضجر أو غفوة أو توانٍ أو يأس، فليس له من يقيمه"(1/26).
من هو المسيحي المؤمن الحكيم، إذاً؟
"هو من يحفظ غيرته متّقدة إلى النهاية، ولا يزال، حتّى الممات، يزيد، كلّ يوم، على ناره ناراً، وعلى اضطرامه اضطراماً، وعلى شوقه شوقاً، وعلى همّته ونشاطه نشاطاً دون انقطاع"(1/27).

- عنوان الكتاب الأصلي:Ascending the Heights ، للأب جون ماك. الترجمة بتصرف.