كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

يقول الكتاب المقدّس " الذي لا مرشد له يتساقط كأوراق الخريف". والمقصود بهذا القول هو أنّ الحياة مع الله تحتاج إلى مرشد خبير يقود المُرشَد في معارجها. فالحياة بحسب إنجيل يسوع المسيح تتطلّب جهاداً روحيّاً يحفظ الإنسان في حياة مستقيمة وينميها فيه، ممّا يجعله عرضة لأحابيل الشيطان المتنوّعة. فالتجارب المباشرة وغير المباشرة، والعوائق التي يصادفها، تجعله عرضة للسقوط فيها، وتمنع عنه القدرة على التمييز بين المرضي وغير المرضي للربّ، بين الموافق له، كونه مؤمناً، وغير الموافق. هذا ما جعل الكنيسة تصرّ على أهميّة الإرشاد الشخصي في طريق الإيمان.
لقد سلّم الربّ بشارة الخلاص إلى تلاميذه بشكل شخصيّ، وهم بدورهم سلّموها للذين بشّروهم وأسّسوهم كنيسة، أيضاً بشكل شخصي. هكذا تتابعت الحياة المسيحيّة، وهكذا ستبقى قائمة على التلمذة الشخصيّة. ويُعدّ استمرار وظيفة العرّاب في سرّ المعمودية من أقدم الأدلّة على وجود المرشد أو الأب الروحي منذ الأزمان الأولى للمسيحيّة.
من هو الأب الروحيّ؟
يفسِّر اسمه المتدَاوَل في التقليد الأرثوذكسي ماهيّته. فالأب الروحي يُدعى باليونانيّة "يروندا" وبالروسيّة "ستارتس"، وتعني اللفظتان في كلتا اللغتين "الشيخ". أي هو من شاخ في الحياة مع الله حتّى عرفها بالاختبار الحيّ الشخصيّ. هذا يعني أنّه قضى زمناً في تعلّم هذه الحياة والارتقاء فيها حتّى غدا خبيراً كبيراً وقادراً، بشهادة آباء مشهود لهم بالقداسة، على تدريب الآخرين عليها. 
ليست الأبّوة الروحيّة ممكنة لجميع المؤمنين. إنّها موهبة من مواهب الروح القدس يفتقد كنيسته بها. فالروح القدس هو الذي يمنح الأب الروحيّ، بشكل مباشر، أحقيّة القيام بهذه المهمة. الأب الروحيّ لا ترسمه الأيدي البشرية بل يد الله، وتالياً فهو يعبّر عن الكنيسة "الحَدَث "لا عن الكنيسة "المؤسسة"، بحسب الأسقف كاليستوس وير.
هنا تكمن صعوبة التعرّف على الأب الروحي المختار من الله، لا ذاك الذي ينصّب نفسه في هذه المهمّة النبويّة. والصعوبة موجودة لأنّ الفصل غير واضح المعالم في حياة الكنيسة، بين "ما هو نبوي وما هو مؤسّساتي". 
فالكنيسة المؤسّسة تفترض تنظيماً فيه مكانة واضحة المعالم لكلّ عضو من شعب الله. يندرج التسلسل الكهنوتي المعروف : الشماس – الكاهن – الأسقف، في هذا التنظيم. ففي الكنيسة "المؤسّسة"، يستطيع أيّ كاهن مرسوم قانونيّاً ومكلَّف من قبل الأسقف أن يقيم القدّاس الإلهي، بغضّ النظر عن معرفته اللاهوتيّة (التي يُفترض أن تكون في مستوى أدنى معيّن)، أو طريقة تصرّفه أو خدمته الرعويّة. سواء كان أهلاً للكهنوت بحسب المعايير الروحيّة أم لا. 
الكنيسة "المؤسّسة" معَرَّضَة للوقوع في الرتابة والتسطيح بسبب تكاثر الهموم والتحدّيات الرعويّة، وقلّة الفَعَلة والانهماك في حياة العمل ونسيان حياة الصلاة. لا يمكنها أن تترك الشعب بلا خدمة الأسرار. وجود الكنيسة في العالم يفترض لها هيكليّة لا بدّ من تأمينها، وأحياناً تواجه صعوبة كبرى في تأمينها، فتضطر إلى أن تخفّض المعايير المطلوبة حرصاً على الاستمرارية، وهذا ما يوقعها لاحقاً في تجربة قبولها (أي المعايير) والرضى بها. هذا ما يحدث على أرض الواقع.
ولئلا تقع الكنيسة، من جرّاء التحدّيات الكثيرة، في التسطيح يفتقدها الله دائماً بأنبياء هو يكرّسهم ويرسلهم إليها، فيكونون كيوحنا المعمدان: "صوت صارخ في البريّة أعدّوا طريق الربّ واجعلوا سبله قويمة". 
يقول الأسقف كاليستوس وير: "لا فصل واضحاً في حياة الكنيسة بين ما هو نبويّ وما هو مؤسّساتيّ. فهذان البعدان متداخلان وأحدهما يؤدّي إلى الآخر. وهكذا فإنّ رسالة الأب الروحيّ ذات الطبيعة المواهبيّة مرتبطة بوظيفة الكاهن – المعرِّف التي تتمّ في إطار الكنيسة – المؤسّسة. لا يأتي "النبيّ" من مكان محدّد سواء كان ديراً أو كليّة لاهوتيّة أو هيئة ما في الكنيسة. ولا يمكن تدريب أحد ليصير "نبيّاً". النبي لا يُصنع. النبي يقيمه الروح القدس ويرسله إلى الكنيسة". 
غالباً ما كان الأنبياء مزعجين، وغير محبوبين إلا من قلّة. أكثرهم، في العهد القديم، مات اضطهاداً ونفياً وتعذيباً. وحاربهم الأنبياء الكذبة حرباً لا هوادة فيها. لكن كلمتهم هي التي تحققت فيما بعد، وعرف الجميع أنّهم من كان على صواب ونطق بكلمة الرب الحيّة. والحال إيّاه في العهد الجديد، في زمن الكنيسة؛ من يحمل كلمة الله بنقاء ودونما حسابات مساومات وتوازنات ومسايرات يزعج السامعين فيسعى الكثيرون إلى محاربته بطرق شتّى.

لأب الاعتراف في الكنيسة المؤسّسة مكانة مهمة. هو كاهن قانونيّ، عنده، بحسب تقدير أسقفه، الأهليّة لأن يسمع اعترافات المؤمنين، ويرشدهم بكلام من الإنجيل المقدّس وخبرات الآباء، بما يساعدهم على إتمام سيرتهم مسيحيّاً بما يرضي الرب. مع العلم أنّ ليس كلّ كاهن أبَ اعتراف. فكتاب الدليل إلى الخدمة الرعويّة (الأفخولوجي) يورد خدمة خاصة اسمها "تصيير الكاهن أباً روحيّاً"؛ والمقصود أب اعتراف. 
بينما الأب الروحي أو الشيخ قد يكون كاهناً أو علمانيّاً؛ راهباً أو راهبة يصطفيه الله. وعلى العكس من أب الاعتراف الذي يعطي إرشاداته في وقت الاعتراف، يقدّم الشيخ نصائحه في جلسة خاصة أو عامة، في وقت منتظَر وفي وقت غير منتظَر. وإذا ما كان الشيخ كاهناً مارس الدورين: الاعتراف والأبوّة الروحيّة. فشعب الله حافظ الإيمان المستقيم يكتشف موهبة الأبوّة أو الأمومة الروحيّة في هذا أو ذاك. ويظهر صدق هذا الاعتراف في صلاح ثمار إرشاد الشيخ عبر الزمن. 
تقول القاعدة الأرثوذكسيّة، بحسب التقليد الشريف، أنّ الشيخ يُكتشَف؛ يكشفه الروح القدس، ولا يُنصَّب أو يُنصِّب نفسه، شيخاً. يكتشف المؤمنون موهبته وقدرته الروحيّة عبر احتكاكهم به وتقبّل نصائحه، ويرون نتائجها الحسنة، فيبدأون بالتوافد إليه وكشف ما في دواخلهم أمامه. وكثيراً ما يرّد الشيخ من يطلبون مشورته ويرسلهم إلى آخرين، لأنّه لا يحسب نفسه أهلا لخدمة سامية كهذه. لكنّه، تحت إصرارهم ومثابرتهم يقبل بدافع المحبة أن يساعدهم فيكتشف دوره أباً أو شيخاً روحيّاً. في الدير حيث تُمارَس الأبوّة الروحيّة تقليديّاً يكلّف رئيس الدير أحدهم بهذه الخدمة، فيقوم بها طاعةً. 
وهو إذ يرشد الناس ويقوّيهم ويعزّيهم، لا يرشدهم فقط بالنصائح والكلام، بل بمثاله الحيّ وشخصه أيضاً وأحياناً بصمته. ثمّة قول مأثور في الحياة الرهبانيّة: "يكفيني أن أتطلّع في وجهك يا أبتِ". إنّه يحملهم في صلاته ويبذل نفسه عنهم أمام الله. وكثيراً ما يعيد الابن إلى بيته دونما حلّ، ليأتيه الحلّ من الله بواسطة صلاة الشيخ. هو لا يرشد من عنديّاته، ولا من ذكائه، ولا من علمه، بل من الروح القدس الذي سكن فيه ويتكلّم من خلاله. لذلك قد يصدم جوابه أحياناً إذ يأتي بخلاف تامّ مع ما يتوقّعه الابن.
 
(يتبع).