كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

طاعة الأب الروحي ودرجة إلزاميتها
كثيراً ما تُستخدم كلمة "الطاعة" في أوساطنا الكنسيّة على العكس ممّا هو مقصود منها في تقليدنا الروحيّ. فطاعة الابن الروحيّ لأبيه ليست طاعة عسكريّة ولا قانونيّة، وتالياً ليست طاعة عمياء. ليست غاية الأبوّة الروحيّة حفظ تبعيّة مستمرّة للأب الروحي، بقدر ما هي مساعدة الأبناء الروحييّن كي يصلوا تدريجيّاً إلى حالة التحرّر من الأهواء. فالأب الروحيّ الحقيقي لا يُبقي أولاده في طفولة روحيّة لزمن طويل، بل يجاهد بمثابرة من أجل أن يُنضجهم ليبلغوا، بحسب تعليم بولس الرسول، "إلى الإنسان الكامل، إلى ملء قامة المسيح" (أف4: 13).
عمليّة التنمية والنضج هذه تتطلّب ثقة كاملة من الابن بأبيه. يطيع الابن وصايا أبيه ويحفظها بكلّ دقة نتيجة لهذه الثقة، كونَه يدرك أنّه بطاعته هذه يتخلّص من هوى الأنا والعناد والعُجُب بالذات والكبرياء. وهو في طاعته هذه يسأل أباه عمّا لا يفهمه أو يشعر بأنّه لم يقبله بارتياح. إذ لا طاعة حقيقيّة من دون كشف كامل عمّا في دواخل الفكر والقلب. 
من هنا للأب الروحي وقار يجعل ابنه يشعر بتوبيخ لذاته إذا ما كسر هذا الوقار. لكن التمييز الواضح بين الوقار وبين الخوف أمر مطلوب وشديد الضرورة. ابن يخاف من أبيه ليس ابناً صالحاً أو ليس لديه أب صالح. فليست مهمّة الأب الروحيّ تدمير قدرة الإنسان وتعطيل قراراته وتفكيره، إنّما مساعدته على أن يرى الحقيقة بنفسه ومن أجل نفسه، وهذا يتمّ بواسطة مرافقة الأب لابنه مرافقة تدريجيّة. فالأبوّة الروحيّة لا تلغي شخصيّة الإنسان، بل على العكس تسمح له بأن يكتشف نفسه وأن ينمو، فينضج تماماً ويحقّق ذاته فعليّاً.
وإذا ما اضطر الأب الروحيّ، في أوضاع خاصّة جدّاً، إلى أن يطلب من ابنه أحياناً أن يطيعه طاعة غير مشروطة وعمياء ظاهريّاً، فلا يكون طلبه هذا غاية بحدّ ذاته، بل وسيلة تهدف إلى تحرير الابن الروحيّ من الأنا الخدّاعة والوهم الباطل. إنّه علاج "صَدمي" يهدف إلى البلوغ إلى الحريّة الحقيقيّة، ويستخدمه الأب المختبِر في حالات استثنائيّة جدّاً: حينما يكون ولده الروحيّ معرّضاً لخسران خلاصه. فالبنوّة الروحيّة ليست عبوديّة. وإن جُرِّب الابن بها، فعلى الأب أن يلاحظ تعلّق الابن المَرَضي به ويحرّره منها، وإلا فلن يصل الابن إلى تحمّل مسؤوليّة خلاصه الحقيقيّة. يقول الأسقف كاليستوس وير في هذا الصدد: "لا يفرض الأب الروحيّ أفكاره وعبادته الشخصيّة، بل هو يساعد ابنه الروحي على اكتشاف دعوته الخاصّة".
وقد ورد في بستان الرهبان: "أنت تعلم أنّنا لم نضع قيوداً على أحد، حتّى ولا على أنفسنا". كما ورد هذا القول عن القدّيس برصنوفيوس: "لا تضغط بإجهاد على نوايا الآخرين، بل بالأحرى ازرع على الرجاء، لأنّه حتّى ربّنا لم يُغصِب أحداً بل بَشَّرَ، ومن أراده كان يصغي إليه". أتى أخ مرّة إلى الأنبا أنطونيوس وطلب منه :"صلِّ لأجلي". فأجابه: "لن أشفق عليك، ولا الله كذلك، ما لم تجاهد أنت بنفسك وتتضرّع إلى الله" (من أقوال آباء البريّة).
من الضرورة بمكان هنا أن نميّز بين الطاعة الرهبانيّة، والطاعة المطلوبة من المؤمنين من غير الرهبان. فالراهب الذي اتّخذ نكران ذاته حتّى النهاية منهجاً لذاته، يعيش الطاعة بطريقة تختلف عن المسيحي الذي يحيا وسط هموم العالم ومشاكله، ولا يحمل مسؤوليّة خلاص ذاته فقط، بل عائلته أيضاً، بالإضافة إلى مسؤوليّة الشهادة المسيحيّة في قلب العالم.
لا يحقّ للأب الروحيّ أن يستخدم أبناءه وسيلة لأيّ عمل سامٍ مهما كان عظيماً. هو يوجّههم إلى ما يريه الله أنّه دعوتهم، ويلفت انتباههم إلى مواهب فيهم قد لا يكونون يدركونها. لا يجوز له أن يدفعهم إلى أيّ طريق يراه هو مناسباً لهم أو للكنيسة. عمله يتركّز على مساعدة أولاده على تقديس حياتهم لا على إعدادهم لتنفيذ أعمال تخصّه مهما كانت مهمّة وسامية. 
أيضاً، ليس الشيخ الروحي قاضياً لا يخطئ أو محكمة استئناف، بل هو خادم للإله الحيّ؛ ليس ديكتاتوراً بل مرشداً ومرافِقاً على الدرب. ذلك أنّ الأب الروحيّ الحقيقيّ، بكلّ ما للكلمة من معنى، هو الروح القدس. في التقليد الكنسي الشرقي، لطالما سعى الشيخ إلى تجنّب كلّ ضغط أو عنف روحيّ، في علاقته بأبنائه الروحييّن. فإذا تكلّم معهم بسلطة، وذلك بإرشاد من الروح القدس، تكون هذه السلطة هي سلطة المحبّة المتواضعة.
سأل راهب الأب بيمن قائلاً: بعض الإخوة يسكنون معي فهل تريد أن أقودهم أو آمرهم؟ أجابه الشيخ: لا! أنت تصرّف أولاً، وهم إن أرادوا أن يعيشوا، فعليهم تقرير ذلك! فقال الراهب: هم يريدون أن أرشدهم وأقودهم. فقال له الشيخ: إنّك لن تفعل ذلك أبداً! كن لهم مثالاً لا مشرِّعاً". 
يشخّص الأب الروحي الأهواء وأسبابها ومقدار قوّتـها، كما يتبيّن الجمود الروحي الناجم عن عدم معرفة الله، وعليه أن يسبر مدى تعلّق الابن الروحي بذاته الخاصّة ومدى طلبه للربّ وخلاصه حقّاً. إنّه يبسط أمام ابنه الدوافع والدواخل ويزوّده بالإرشاد اللازم، ومن ثمّ يُودعه، بصلاته الدائمة له، بين يدي الله على رجاء أن يعمل بحسب الإرشاد المعطى له. للأب أن يلجأ إلى التوبيخ أو التأنيب أحياناً بغية حثّ التلميذ على هجر الكسل والتواني، لكنّه لا يلجأ إليهما إلا في حالة الضرورة القصوى، وعندما يكون متأكداً من فعلهما الإيجابي في نفس التلميذ المتهاوِن. 
عندما طلب أحدهم من برصنوفيوس قاعدة حياة مفصّلة رفض قائلاً: "لا أريد أن تكون تحت حكم الشريعة، بل تحت النعمة (...) أنت تعلم أنّنا لم نفرض أيّ قاعدة أو قيد على أحد، ولا حتّى على أنفسنا (...) فلا تُجهد الإرادة بل ازرع على الرجاء. إنّ ربّنا لا يغصب أحداً بل يبشّر ويستمع إلى الذي يريد أن يتحدّث إليه". لنذكر كلام الرب في الإنجيل: "من أراد أن يتبعني....إن أردت أن تكون كاملاً...".
ليس للمرشد أن يعلّم طريقته الخاصّة ولا أيّ طريقة أخرى محدّدة، بل عليه أن يعلّم تلاميذه كيفيّة إيجاد طريقهم الخاصّ بأنفسهم (...). بعبارة أخرى، ليس الأب الروحيّ إلا بوّاب الله، وعليه تالياً أن يقود النفوس إلى طريق الله فقط.