أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

كيف تختار أباك الروحي؟

إذا أردت مرشداً يقودك في طريق خلاصك، فعليك أولاً أن تطلب إلى الله بإلحاح وصدق أن يهديك إلى معلّم روحي مختبِر وقادر على مساعدتك. ومن ثمّ تبدأ بالبحث عن طريق متابعة بعض الآباء الذين تستطيع أن تراجعهم باستمرار. ولا بأس من أن تعترف مّرة عند هذا ومرّة عند ذاك حتّى تصل إلى معرفة الأب الذي تكشف نفسك أمامه وتعرف مدى قدرته على إفادتك.
بعد ذلك تستطيع أن تميّز الأب الذي يفيدك أكثر من غيره، وهنا عليك أن تتنبّه جيّداً إلى تقدير استفادتك منه لا على أساس ارتياحك بل على أساس فائدته لك في تهذيب أهوائك وتقدّمك الرصين في الحياة مع الله.
بعدما تعرف الأب الذي تكشف نفسك أمامه براحة ويفيدك بنصائحه، تلتزم بالاعتراف أمامه لفترة، ريثما تنشأ عندك ثقة تامّة به وبأن الله يكلّمك من خلاله. آنذاك تكون قد وصلت إلى علاقة الطاعة التي يتكلّم عنها تراثنا الروحي، فتلتزم بهذا الأب نهائيّاً، وتضع خلاصك بين يديه.
ينصح القدّيس يوحنّا السلّمي قائلاً: "متى أزمعنا بدافع الاتضاع وطلباً للخلاص أن نُخضِع ذواتنا لشخص آخر ونأتمنه في الربّ، فلنَعْمَد أوّلاً إلى الفحص والتدقيق بل إلى اختبار مرشدنا إذا جاز القول، لاسيما إذا كنّا على شيء من الخبث أو التكبّر، وذلك لئلا نصادف نوتيّاً بدلاً من ربّان، ومريضاً بدلاً من طبيب، وانساناً مُستعبَداً للأهواء بدلاً من إنسان متحرّر منها، ولجّة بدلاً من ميناء، فنلاقي غرقاً وشيكاً لنفوسنا. أمّا بعد دخولنا ساحة التقوى والطاعة فلا نعودنّ ندين مرشدنا في أيّ شيء بالكليّة ولو رأينا فيه زلّات ذميمة، ما دام إنساناً. وإلا فلا ينفعنا خضوعنا شيئاً (المقالة4: 6). أمّا القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث فيقدّم نصيحته هكذا: "لا تتساءل عن رهبان مشهورين، ولا تستفحص حياتهم. إذا وجدت، بنعمة الله، أباً روحياً، فأخبره بقضاياك وأخبره وحده".

ومتى التزمت بأبيك فكن ثابتاً ولا تبحث عن آخر لأنّ التنقّل بين عدّة أطباء يضرّ بصحتك. وينصح القدّيس يوحنّا السلّمي في هذا الخصوص قائلاً: "لا نبحثنّ بمعرفة مسبقة ولا بتكهّن، بل عن المتواضعين والقادرين عن معالجة أوجاعنا. إنّ النفوس المريضة التي تتداوى لدى طبيب وتنتفع منه ثم تتركه قبل أن تشفى تماماً، مفضِّلة عليه طبيباً آخر، تستحقّ كلّ قصاص من الله. لا تفلت من يدي الذي حملك إلى الربّ فإنّك لن تُجلِّ في حياتك أحداً نظير إجلالك له"(المقالة 4 : 72).
يتحجّج بعضهم بعدم توفّر الآباء المطلوبين. ينبّه الأسقف كاليستوس وير إلى خطر التحجّج للتهرّب من اختيار أب روحي، فيقول: "إذا كان عدد لا بأس به من الناس يعتقدون أنّ ليس بإمكانهم إيجاد أب روحيّ، فهذا لأنّهم يريدون نوعاً معيّناً من الآباء الروحيين، أي أنّهم، في سعيهم إلى البحث عن أشباه القدّيس سيرافيم، يغلقون أعينهم عن المرشدين الذين يضعهم الله في طريقهم. وفي أغلب الأحيان لا تكون مشاكلهم معقّدة كثيراً وهم في قرارة أنفسهم يعرفون الجواب. لكن هذا الجواب لا يعجبهم لأنّه يتطلّب منهم مجهوداً مستمراً وصبراً. لذلك يفتشون عن "آليّة خارجيّة" تسهّل كلّ شيء أمامهم بكلمة واحدة معجزة وبشكل فجائي. لكن جلّ ما يحتاجه هؤلاء الناس هو أن يساعدهم أحد على فهم الأبوّة الروحيّة على حقيقتها (الملكوت الداخلي 111-112).
كثيراً ما نصادف من يطلب أباً روحيّأً وهو لم يمارس سرّ الاعتراف. ليست البنوّة الروحيّة شرطاً قانونيّا أو موضة أو نتيجةً لانفعال مؤقت تحت تأثير حديث شيّق أو قراءة روحيّة أو خبرة وقتيّة، فهذه كلّها يجب أن تقود إلى سرّ الاعتراف، وبدء عيش حياة التوبة. من سرّ الاعتراف تُبنى، شيئاً فشيئا، الأبوّة الروحية عند طالبيها بالحقّ والصدق.