كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

+الدرجة الثانية عشرة
+قول الصدق
يفتتح القدّيس يوحنّا الدرجة الثانية عشرة بالقول التالي:
"من احتكاك الحجر والحديد تتولّد النار، ومن كثرة الكلام والمزاح يتولّد الكذب"(12/1).
قول الصدق! أظنّ بأنّنا، جميعاً، متفّقون على أهميّة هذه الفضيلة. ومع ذلك، فكثيراً ما نتساهل مع قلّة الصدق، ونختلق أعذاراً لها! من ملاحظتي لنفسي ولمجتمعنا المعاصر، أرى أنّنا غير حسّاسين لرذيلة الكذب. ولم يعد ضميرنا يزعجنا عندما نكون أقلّ صدقاً. فإنّنا نظلّل على الحقيقة، بحجّة عدم إيذاء مشاعر الآخرين، ولا نشعر بالندم. نبالغ في الكلام، قليلاً هنا وقليلاً هناك، لكي نبدو بالشكل الأفضل في نظر الآخرين، ولا نشعر بالألم. نخبر عن أشياء وأشياء غير صادقة، ولا نتذكّرها عندما نذهب إلى سرّ الاعتراف، ولا ننتبه إلى أنّها خطيئة. وأسوأ ما في الأمر، أنّنا نبرّر كذبنا، ونوجد له أعذاراً، بحجّة "الضرورة"، وربّما "التدبير".
"من يتسامح في الكذب، يتذرّع عادةً بحجّة حُسن التدبير، وكثيراً ما يُعدّ إهلاك نفس فعل برٍّ وصلاح. فإنّ مختلِق الأكاذيب يدعّي التشبّه براحاب (يشوع 2/1 وما يليه)، ويقول إنّه بإهلاك ذاته! إنّما يخلّص آخرين"(12/11).
وفي مكان آخر:
"لا يتوهمنّ أحدٌ من ذوي استقامة الرأي أنّ خطيئة الكذب صغيرة، فإنّ الروح الكليّ قدسه قد حكم عليها حكماً رهيباً، دون سائر الخطايا. فإن كان الله "يُهلك كلّ الذين يتكلّمون بالكذب"، حسب قول داود (مز5/6)، فماذا يحلّ بالذين يلفّقون كذبهم بأقسام؟"(12/3).

لماذا يُعتبر عدم الإحساس بالصدق خطراً روحيّاً؟ المفتاح هنا هو قلوبنا. ففي كلّ مرّة نكذب فيها، أو نحجب الحقيقة، أو نحيطها بالغموض، تتشوّش قلوبنا روحيّاً. فالكذب يقسم قلوبنا، ويجعلها غير مستقرّة، وغير ثابتة روحيّاً. وإذا ما استمررنا في العيش بالكذب، فإنّنا ننقطع، على صعيدنا الداخليّ، عن التواصل مع الحقّ. وكلّنا يعلم حالات قصوى، لم يعد الناس فيها يعرفون الفرق بين الحقّ والكذب. والذي قد لا نعيه هو أنّنا، في كلّ مرة نكذب، فإنّنا نلطّخ قدرتنا على إدراك الحقّ. 
ولنتذكّر إنّنا، كمسيحيّين أرثوذكسيّين، عندما نتكلّم عن الحق، لا نتكلّم عن مفهوم مجرّد، بل بالأحرى، عن الشخص الذي قال: "أنا الطريق والحقّ والحياة"(يو14/6). الله كاتب الحقّ؛ لأنه هو الحقّ. والشيطان، بحسب الكتاب المقدّس، أبو الكذب (انظر يوحنا8/44). بقدر ما نقول الحقّ، تصبح قلوبنا أنقى. لاحظ أنّني قلت: "نعرف الله" لا "نعرف عن الله"! فكلّ إنسان قادرٌ على أن يعرف عن الله، أمّا الأنقياء القلوب فيرون الله.
نقرأ في المزمور 24:
"من يصعد إلى جبل الربّ
ويقف في مقامه المقدّس؟
هو النقيّ اليدين والطاهر القلب،
الذي لا يميل إلى السوء،
ولا يحلف يميناً كاذبة"
نحن لا نفهم هذه الكلمات متطلِّباتٍ شرعيّة، يتوجّب علينا تحقيقها، قبل أن ندخل في حضرة الله، بل هي، بحسب فهمنا الأرثوذكسيّ، متطلِّبات روحيّة. من دون يدين نقيّتين وقلب طاهر، من دون تكريسٍ لله الحقّ، ومن دون قول الحقّ بشكل مخلص واعتيادي، لا نستطيع التسامي إلى حضرته، ولا الوقوف أمامه. لا لأنّه لا يريدنا هناك، أو لأنّه يرغب بتركنا خارجاً، لأنّه غاضب علينا بسبب خطيئتنا، بل، وعلى مستوى أعمق وأكثف، لأنّنا لسنا مستعدّين لمواجهة الله الحقّ المطلق والنقاوة المطلقة. وكما أنّ النار تحرق التبن، هكذا تألّق ولمعان ألوهته المطلقة يدمّر رياء قلوبنا الخاطئة.
والشبيه بالشبيه، إذا ما اعتادت قلوبنا على الكذب، فسنطلب حضور الشيطان، ونتجنّب حضور الله. لكن إذا ما اعتادت على الحقّ، فستفرّ من حضور إبليس، وتتعقّب حضور الله. 
لقد أخرج الله آدم وحوّاء من الفردوس، ليحميهما من نقاوته ولمعان ألوهته المطلق. وكلّ التنظيمات الطقسيّة، في العهد القديم، تدور حول هذا الهدف؛ حماية شعب الله من الاحتكاك غير الناضج (قبل أوانه) مع لمعان ألوهيّة الله. تذكّر ماذا حصل لعُزيّا عندما لمس تابوت العهد (2صمو6/6، 7).
كان من الضروريّ أن يجد الله إنساناً نقيّاً؛ ولذلك تتهلّل الكنيسة، دوماً، وتسبّح والدة الإله، بسبب نقاوتها. لقد كانت نقاوتها عنصراً لازماً وأساسيّاً في إتمام التجسّد الإلهيّ. نرتّل ونرتّل لنقاوتها، ونتعجّب من حقيقة احتواء بطنها على نار الألوهيّة من دون أن تحرقها، كما نرتّل للفتية الثلاثة، الذين مشوا في وسط النار من دون أن تحرقهم.
طالما أنّنا مسافرون في عالم الخطيئة والموت هذا، فهدفنا هو أن نهّيئ ذواتنا لسكنى الله. إنّ هدف جهودنا الروحيّة هو أن نهيّئ ذواتنا لقبول الإله من الإله، والنور من النور، والحقّ من الحقّ. 
راجع في ذهنك كلّ ما تسمعه في الصوم الكبير. أليس هذا ما تتحدّث عنه كتب الخدمة الليتورجيّة في الصوم؟
"لنصمْ صوماً مقبولاً مرضياً للربّ. لأنّ الصوم الحقيقيّ هو الاغتراب من الشرّور، وضبط اللسان، ومباينة الغضب، والانفصال عن الوقيعة والشهوات والكذب والقسم".
أبوستيخن غروب الإثنين الأوّل من الصوم
الرسالة واضحة؛ فلكي نختبر الفرح، علينا أن نهيّئ ذواتنا، بتقدّيس نفوسنا وتنقيّة أجسادنا.
بما أنّنا نحتفل كلّ سنة بوصولها إلى الملء بالفصح، فحقّاً، قد دفع المسيح كلّ شيء عنّا. لقد أتمّ المسيح كلّ ما هو ضروري من أجل خلاصي؛ ودوري يحتّم عليّ أن أستعدّ لتلّقي نعمته.
"من أراد أن يحبّ الحياة، ويرى أيّاماً سعيدة، فليُمسك لسانه عن الشرّ، وشفتيه عن المكر في الكلام" (1بط3/10).
"هذه درجة ثانية عشرة، من اعتلاها فقد اقتنى الفضائل".