كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

على خطى آباء الكنيسة، وتحديدًا الذهبيّ الفم، يرى المطران جورج في الكاهن سفير المسيح. وبينما يتكلّم الذهبيّ الفم على لياقة هذا السفير بمن يمثله، يشدّد المطران جورج على احتجاب السفير الشخصي أمام قيامه بدوره المطلوب من سفارته. "فالسفير في الدول إنسان مندوب ليس له كلمة من ذاته، وما له موقف من ذاته. إنما يعمل مخلصا لمن انتدبه، وينقل الكلمات التي فُوض بنقلها ولو كان له شعور آخر وتحليل آخر عن أحوال الدولة التي أُرسل إليها. ولو قادته رؤيته للأمور أن يقول شيئاً غير الذي كلف به، فليس له هذا وتلغى سفارته" , على هذا المثال يحمل الكاهن "تفويض الإنجيل" "بمسؤولية كاملة" . 
فتبليغ الكلمة الإلهية من دون إضافة شيء عليها. "لأنه ليس لإنسان من زيادة يقولها عن الكلمة الإلهية. هو يشرحها، يفهمها لكي يفسرها، يذوقها، يحياها مع الذين تعاقبوا على خدمة السرّ، ولكنّ آباءنا ما ادّعوا أنهم أضافوا شيئاً على كلمة الله" 
لذا ترى المطران جورج في عظاته الموجهة إلى الإكليريكيين الجدد يشدد على أمرين لازمين في نظره لتبليغ الكلمة الإلهية: المعرفة والطهارة الشخصية. 
والمعرفة تقتضي انكبابًا على القراءة وطلبا للعلم . الكاهن لا يعطي من عندياته، بل ما قد تسلمه وعاشه بدوره. "لن تقدر على أن تبلّغ أحداً شيئاً ما لم تتراقص كلمات الله في ذهنك وتصبح هي مطرباتك، أي أن الكلمة تلتهب بالحب فتُسمع" ، "لأن الكلمة لا تتلى" . يسلم الكاهن ذاته للمسيح كليا، حتى لا يبقى فيه شيء من شهوة وتحيز ووسوسة، ولا تؤثر فيه عاطفة بشرية ولو كانت نبيلة. "كيف تعطيهم وأنت صفر اليدين" .
عندما يتكلم المطران جورج على المعرفة والعلم يدوي صوته صرخات عالية "لماذا نحتكر وحدنا الجهل؟ الخدمة تأتي من المعرفة. ..الأرثوذكس لا يقرأون .. أحسب أن الرعية يحتاجون إلى المعرفة..." ويستعير كلمات الرسول بولس دوماً "اعكف على القراءة حتى مجيئي" 
والمعرفة عنده تبتل. يحتاج طالب المعرفة إلى أن يطرح مباهج وتسليات وشهوات كثيرة من أجل أن يتفرغ لتحصيل العلم. "ادخل في تقشف المعرفة" . لأن ليس المطلوب "معرفة بسيطة بل معرفة تفسيرية" . والمعرفة تعني إعمال العقل "نحن ما استغنينا عن عقولنا. نحن رواد فهم، ويجب أن نعطي جوابا عن كل من سألنا حتى ندرك أعماق الثقة التي لنا بالله" 
إلى ذلك يكشف المطران فرح المعرفة فيقول "لست أعرف بعد القداسة فرحا يوازي أو يضاهي فرح المعرفة " . ولاتفوته أخطارها. لذا تراه ينبه هذا إلى أن الكبرياء كامنة في العلم...فحذار من كبرياء العلماء" ، ويقول لذاك :" ومن تجاربك كثرة العلم. فقد تقضي ساعات بين الكتب تستمتع بالإلهيات والمؤمنون حولك عطاش إلى تعزية" . فالمعرفة والعلم ليسا هدفا عنده رغم لزومهما الشديد للكاهن بل هما من أجل "معرفة الدنيا وهي كتاب الله. إذ لولا الله لما همتنا المعرفة" .
"فكل ما يكتسبه الكاهن من علم ليس بشيء ما لم يضعه في خدمة السيد" . "والرعية يجب أن تعرف وأن تنجو بالمعرفة" .
قد يبدو لقارىء الكتاب أن المطران جورج لا يشدد على التقوى والعبادات إذ لا يتردد صداها كثيرًا على لسانه في كلماته التوجيهية. لكنه سرعان ما يدرك خطأه عندما يقرأ تلك الصرخة الأليمة:"لم أفهم يومًا لماذا لا يكون العالم قادرًا على التقوى" ، ويراه في مواضع عديدة يطلب التقوى من كل مسيحي فكيف بالكاهن. التقوى والعبادات البهية في كنيسته من البديهيات الأولية التي لا يرى نفسه مضطرًا حتى إلى الكلام عنها. فعنده "نحن قوم صلاة...والكاهن آتٍ من المسيح إلى الناس وليس العكس... يجب أن تعود الكنيسة إلى ما كانت عليه في الألف الأولى كنيسة صلاة ومعرفة .
حسّه المرهف لدور الكنيسة الأساس يجعله يقظاً إلى كل ضروري كما إلى التجارب التي قد تنتج منه عندما لا ينفتح الكاهن على روح الله بطهارة. فلا العبادات البهية بنظره تكفي الكاهن عن طلب المعرفة، ولا الخدمة المؤسساتيّة تؤدي حتمًا إلى خدمة الإنجيل.
كتب لي عشيّة رسامتي أسقف ينبهني :"ولكونك نشأت على الهندسة قد تحسّ أن كل ما عندنا يجب أن يقوم على نظام وترتيب وأن كنيسة العصر يجب أن تدخل في منطق المؤسسة. أنا لا أنكر بعضًا من هذا ولكن أعلم أن الاشياء كلها بما فيها أشياء الكنيسة يرصف بعضها إلى البعض فتلتمع النظم والاداريات وتستدر الاموال للخير ومع ذلك تكون الجماعة جافة. أفهم الفارق بين ما خص هذا الدهر والدهر الآتي وأنك أنت إنسان الدهر الآتي" . ألا هنا يقول عمق معنى الكنيسة ورسالتها وروحيتها؟!

يتبع ......