كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

يقسم اسم يسوع التاريخ البشريّ إلى قسمين، ما قبل يسوع وما بعده. كان يسوع المسيح وما يزال، المُقلِق الأكبر للبشريّة الخاطئة التي لا تتحمّله، وسيظلّ المُلهِم الأعظم للبشر الذين يحبّونه، والتعزية الكبرى التي تحتاج إليها البشريّة. هذا الذي يقسم الوجود إلى حياة معه وإلى موت من دونه، هو الله الذي صار إنسانًا من أجل خلاصنا.

اعتراف الإيمان هذا ثابت. ولأنّ المسيح هو الله الذي لا يتغيَّر، فإنّ إنجيله كذلك لا يتغيَّر. إذا كان المسيحيّون في الماضي استطاعوا أن يدخلوا الملكوت السماويّ عبر إيمانهم، فهم قادرون على أن يدخلوه الآن. من أجل هذا، تناضل الكنيسة لتحفظ عقيدتها نقيّة دون تغيير، لأنّ أيّ تغيير في العقيدة، خصوصًا في شخص السيّد المسيح، يؤثّر في سلامة رؤيتنا لله. في كلّ مرّة تنحرف فيها رؤيتنا العقليّة عن فهمٍ صحيح «للكشف الإلهيّ»، ينعكس ذلك، لا محالة، على حركة الروح وعمله فينا، فيتأثّر بذلك واقعنا اليوميّ وعيشنا.

اعتراف الإيمان بأنّ «يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد» يتعلّق بشخص يسوع المسيح الذي أُعلن في ملء الزمان. يسوع المسيح هو ظهور الله الأكمل الذي تحقّق في تجسّد الكلمة، وهو مستمرّ في الكنيسة بنعمة الروح القدس. كانت كلمة الله قبل التجسّد تُعلن بصورة ظليّة للشعب العبرانيّ ولكلّ العالم حيث كلمة الله مغروسة. لكنّ الإعلان الكامل تحقّق بتجسّد المسيح. من هنا لا تختلف كلمة الله في العهد الجديد عنها في القديم. لكنّها في العهد القديم أُعلنت جزئيًّا، أمّا في العهد الجديد، فأُعلنت كاملة ونهائيّة.

إذا ما عدنا إلى إنجيل يوحنّا الذي يُدخل عمل يسوع التجديديّ في الإطار العامّ لإعلان الكلمة المتجسّد، فإنّنا نرى أنّ إنجيله يبدأ بالكلمة الموجود «في البدء» الذي به خلق الله السماء والأرض. هذا «الكلمة» أتى إلى العالم وتجسّد لتجديد خليقته التي أفسدتها الخطيئة. المسيح، كلمة الله المتجسِّد، هو الغاية والهدف من خلق العالم وإبداعه من جديد. يقول بولس الرسول: «فإنّه فيه (المسيح) خُلق الكلّ، ما في السموات وما في الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، أصحاب عرش كانوا أم سيادة أم رئاسة أم سلطان، كلّ شيء خُلق به وله. هو قبل كلّ شيء وبه قوام كلّ شيء» (كولوسي 1/ 16ـ17). «وأمّا عندنا نحن، فليس إلاّ إله واحد وهو الآب، منه كلّ شيء وإليه نحن أيضًا نصير، وربّ واحد وهو يسوع المسيح، به كلّ شيء وبه نحن أيضًا» (1 كورنثوس 8/ 6). وأمّا في الرسالة إلى العبرانيّين، فقد جعل الله ابنه «وارثًا لكلّ شيء وبه أنشأ العالمين» (عبرانيّين 1/ 2).

الله الذي «لم يره أحدّ قط» (يوحنّا 1/ 18) وفي تفتيشهم عنه «تاهوا في آرائهم الباطلة» (رؤيا 1/ 21)، الله الذي تكلّم «مرّات عديدة وبطرائق عديدة» إلى إسرائيل بالأنبياء، يُعلَن أخيرًا للعالم بابنه (عبرانيّين 1/ 2) إلهًا متجسدًّا.

يسوع المسيح، هذا الإله ـ الإنسان، كان وما يزال وسيبقى صليب المنطق البشريّ ومعضلته. اتّحاد اللاهوت بالناسوت ظلّ غير قابل لإدراك العقل البشريّ، بعيد المنال عن المعرفة الموصوفة بأنّها «إيجابيّة».

كان الرسول بولس أوّل مَن لاحظ أنّ مفهوم الألوهة ـ البشريّة هي «جهالة» حقًّا (1 كورنثوس 1/ 23)، أقلّه بالنسبة إلى اليونانيّين. أعطت الفلسفة اليونانيّة للبشر معرفة منهجيّة وعقلانيّة سليمة. فقالت إنّ الأشياء، كيفما وُجدت، تحدّد بواسطة جوهرها. وهذا الجوهر هو مجموع الخصائص التي تجعل هذا الشيء أو ذاك موجودًا بذاته. فالزهرة زهرة لأنّ لها ساقًا وبتلات وسبلات ومسداة ومدقّة. وهي لا تستطيع أن تكون زهرة ويكون لها، في الوقت ذاته، أرجل أو أجنحة أو عيون لترى أو صوت لتتكلّم. في هذا السياق، يكون الله هو الله، يجب أن يكون لا نهائيًّا، لا محدودًا، كلّيّ القدرة، كلّيّ العلم، الحياة بذاتها ومبدأ الحركة. لا يستطيع الله أن يكون هو الله ويملك، في الوقت ذاته، جسدًا مادّيًّا محدودًا، ويحتاج إلى أوكسيجين ليتنفّس وإلى طعام ليتغذّى، أو جسدًا يتعب ويحتاج إلى النوم، ويحزن ويتألّم. لكنّ المسيح إله وإنسان. هذا الأمر هو الذي أثار وما يزال يثير، ردود الفعل المختلفة، وهو الذي حرّك وما يزال يحرّك اجتهادات عديدة من أجل فهمه أو تفسيره. هذا كلّه صار داخل الكنيسة المسيحيّة، حيث نشأت عن رفض الفكر اليونانيّ لمفهوم الإله- الإنسان، تيّارات عديدة خضّتها وأثّرت فيها وفي تاريخها وما تزال، هنا وهناك. 

التعبيران المميّزان الأساسيّان لهذا الرفض كانا إهمال الإله والاكتفاء بالإنسان، أو إهمال الإنسان والاكتفاء بالإله. هذان التيّاران أقلقا العالم المسيحيّ لقرون بكاملها، وما زالا يؤثّران، بشكل أو بآخر، في مواقف المسيحيّين من أمور الإيمان والحياة.

نقصد بالتيّار الأوّل ذاك الميل إلى أن نرى في شخص يسوع المسيح وجودًا بشريًّا في جوهره أو طبيعته. نرى فيه، بكلّ بساطة، رجلاً فردًا للطبيعة البشريّة، منحه الله عطايا خاصّة وملكات خارقة. استمرّ هذا الميل حيًّا على نطاق واسع حتّى عصرنا هذا. وذلك في العدد الضخم من البشر الذين يتكلّمون عن المسيح باحترام، لكنّهم يرون في شخصه معلّمًا أخلاقيًّا عظيمًا وحسب، أو رجلاً مهمًّا جدًّا، أسّس ما يمكن تسميته «الدين الأعلى»، أو مُصلحًا اجتماعيًّا قاد البشريّة إلى إنجازات أخلاقيّة هامّة.

بالمقابل، نقصد بالتيّار الثاني، ميلنا إلى أن نرى في شخص يسوع المسيح تدخّلاً إلهيًّا فقط في التاريخ. نرى فيه، ببساطة وتمامًا، الله الذي ظهر كإنسان لكنَّه ليس إنسانًا بالحقيقة. إنّه صورة إنسان أو ظلّ إنسان، وليس إنسانًا في طبيعته أو جوهره. هذا الميل استمرّ حيًّا، وما يزال، في أولئك الذين يريدون أن يحافظوا على ثنائيّة فلسفيّة وأخلاقيّة ضمن المسيحيّة. في أولئك الذين يريدون أن يحافظوا على ذاك الذي لا يمكن إدراكه، والذي يكيّف نفسه حسنًا مع الفكر البشريّ، على ألوهيّة سامية بعيدة عن «الرجس» البشريّ، على ثنائيّة بين الألوهة والبشريّة، الروحيّة والمادّيّة، الأبديّة والوقتيّة، وبين المقدّس والرجس.

ولنا أن نتصوّر حياتنا البشريّة إذا كان أحد هذين الميلين مطلقًا ومشدودًا حتّى النهاية. أيّة أخلاقيّة لأحد هذين الموقفين تقود إلى صورة بعيدة عن الحياة الآتية من «الله الذي صار إنسانًا من أجلنا».

فالميل الإنسانيّ المطلق إلى تجريد شخص يسوع المسيح من ألوهيّته سيقودنا إلى مثال أخلاقيّ تنتج منه «كفاية» أخلاقيّة، أو أخلاقيّة محدودة بقوانين وأعراف، إلى مغالاة في تقدير النقد التاريخيّ، وإلى إبدال الميثولوجيا بالعلم البشريّ، وتجريد الماورائيّات من عناصر الميثولوجيا، والانحصار في الاقتصاد والعلاقات المنتجة. وبكلمة موجزة إلى نزع الألوهة عن الإنسان وعن عالمه.

بينما يقود الميل الإلهيّ المطلق إلى مثاليّة طهريّة تزدري البشريّ وكلّ نتاجه غير الروحيّ المباشر، إلى تخوين للإنسان بسبب جسده (مادّيّته) ووظائفه الفيزيولوجيّة، وإلى خوف من الحبّ الجسدي (Eros) والحياة الجنسيّة، وإلى روحنة للهيكليّات والنظم البشريّة، وأسطرة (من أسطورة) السلطات المنظورة، أي باختصار إلى طرح جانبًا كلّ ما هو إنسانيّ.

بإعطائنا هذه الأمثلة عن النزعات التي تناقض الخلاص الذي حصل لنا بيسوع المسيح الإله - الإنسان، نلفت النظر إلى أهمّيّة وضرورة أن تؤكّد الكنيسة دائمًا حقيقة خبرتها لتجسّد الله في شخص تاريخيّ هو يسوع المسيح، وما ينتج من حقيقة هذه الخبرة من خلاص للبشريّة. هذا التأكيد يجب أن تقوم به الكنيسة بلغة سليمة عقائديًّا، ويفهمها الإنسان الذي تخاطبه في كلّ عصر.