كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

تجربة المسيح الإنسان

تظهر هذه التجربة في التركيز المُغالى به على الحاضر والمستقبل وقطع الصلة مع العمل الإلهيّ الذي تمّ في الماضي، وكأنّ المسيح هو اليوم وإلى الأبد فقط. يتجاهل هذا الموقف ألفَي سنة من عمل الروح القدس، ويركّز على الإنسان الحاليّ وحده ويجعله هدفًا ومنطلقًا لكلّ تحدٍّ إيمانيّ يواجهه، ولكلّ حركة جديدة تسحره. يرفض أصحاب هذه النظرة كلّ الصياغات القديمة، ويزدرون التراث وما فيه من خبرات غنيّة ليلجأوا إلى صيغ جديدة وأخلاقيّات جديدة تتناسب ومفهومهم. يظنّون أنّهم يعتمدون على الروح القدس الفاعل دائمًا، لكنّهم، في اندفاعهم هذا، ينطلقون من أنفسهم ويعتمدون عليها وحدها فيقعون في سقطات أو هرطقات جديدة كثيرة.

في هذه التجربة، يصبح عمل الروح القدس عمل أفراد، ومهما كانوا صالحين يظلّون، في النهاية، نتاج هذا العالم الساقط، ويغيب وجه الكنيسة كجماعة واحدة ذات فكر واحد وإيمان واحد وأخلاقيّة واحدة. كما يصبح الإنجيل خاضعًا للتأويلات الفرديّة المتلائمة مع مزاج البشر وعقليّاتهم التي هي ليست نتاج حياة القداسة بل نتاج مجتمعاتهم الخاصّة. كما يطغى الوجه العلميّ والنقديّ على التعاطي مع كلمة الله الحيّة، ويصبح الكلام الإلهيّ خاضعًا للمقاييس العقليّة، والمعطيات العلميّة والاكتشافات الأثريّة، وتغيب استجابة الإنسان القلبيّة للنداء الإلهيّ.

في هذا المناخ تصبح الخليقة الجديدة جديدة بانقطاعها عن كلّ تراث وانسياقها وراء كلّ زيّ أو صرعة أو تيّار إنسانيّ، فتصبح الأخلاقيّات نسبيّة خاضعة للمقاييس المحلّيّة والفرديّة، ويصبح رأي الإنسان هو المعيار لصحّة الأمر أو عدم صحّته.

هكذا تغيب العقائديّات وتتوسّع حلقات التوفيق المختلفة، وتنتشر الروحانيّات العاطفيّة والأفكار الشخصيّة. فتبدو الكنيسة جسمًا سوسيولوجيًّا أو تراكمًا مجتمعيًّا أكثر منها «جسد المسيح». يبقى المسيح قاسمًا مشتركًا عامًّا لجماعة تؤمن به مخلّصًا، لكنّها لا تكون ذات فكر واحد في نظرتها إلى المسيح وإلى الخلاص الذي يتمّمه. وتُبدَل الجماعة الواحدة في الإيمان بجماعات ذات ألوان مختلفة تتقاسم شخصًا واحدًا هو يسوع المسيح، كلّ واحدة بحسب فهمها الخاصّ.

تجربة المسيح الإله

تبدو هذه التجربة في الارتياح إلى الصيغ التي تشكّلت في الماضي والانتساب إليها، والاطمئنان إلى اللغة التي أنتجها الروح القدس بواسطة القدّيسين القدماء في فترة من التاريخ، والإحجام عن السعي إلى ابتكار صيغ جديدة ولغة تناسب الإنسان الذي تخاطبه الكنيسة. فيُحصَر الجهد في محاولات جديّة وأمينة، لكنّها غير مجدية لشرح المفردات القديمة وتفسير اللغة المستعملة عبثًا لإنسانٍ لم يعد يفهمها لأنّها غريبة إمّا عن عصره أو عن تراثه. وتكثر الرمزيّة ويُفسح المجال أمام التأويلات والرمزيّات، فيصبح المسيح نتاج ثقافة معيّنة أو بيئة محدّدة. يصير مرحلة من التاريخ البشريّ أي جزءًا من الماضي.

نظرة كهذه تحصر عمل الروح القدس في قوالب جافّة وجامدة سُكبت في الماضي فقط، وكأنّ الروح القدس ما عاد يفعل هنا والآن كما كان يفعل في الماضي. هذه التجربة تركّز على الماضي كلّيًّا، وتجعل الحاضر حيًّا بالمسيح حينما يتبع الماضي بكلّ تفاصيله وقوالبه، فينحصر جهاد الكنيسة من أجل الخليقة الجديدة في إعادة الخليقة الحاليّة إلى الماضي الذي يُظن أنّه عصرٌ ذهبيّ.

أمّا الجسد وكلّ ما يختص به فيصير أمرًا مرذولاً ويصير الزواج مؤسّسة مسيحيّة من الدرجة الثانية، ويغيب الإيمان بخلاص الإنسان بكلّيّته جسدًا وروحًا، وينسى أصحاب هذا التيّار أنّ الكنيسة ناضلت أربعة قرون لكي تنقذ جسد الإنسان من حماقة الموت، ولتصرّح بأنّ للجسد الإنسانيّ إمكانيّة الاتّحاد بالحياة الإلهيّة، وبأنّ الفاسد يلبس عدم الفساد.

تظهر هذه التجربة عمليًّا في الاكتفاء بالقدّيسين القدماء وعدم الاهتمام بالقدّيسين الجدد، وفي المحافظة على الطقوس كما ورثناها ورفض إصلاحها من الشوائب والانحرافات التي علقت بها نتيجة الممارسة الخاطئة في أيّام الركود اللاهوتيّ، وقد صارت في نظر الكثيرين جزءًا أساسيًّا منها. وكلّنا في الشرق يأتي من تاريخ ثقيل، وانحطاط في الثقافة عمومًا وفي الثقافة الدينيّة خصوصًا. من مظاهر هذه التجربة أيضًا، أن تتجاهل الكنيسة الأوضاع الجديدة التي تطرأ بسرعة على مجتمعاتنا وتنتج تحديّات جديدة لم تواجهها من قبل، وأسئلة مصيريّة تُطرح عليها للمرّة الأولى، فتعود إلى الماضي بحثًا عن جواب لا وجود له.

وسط هاتين التجربتين، يبقى السؤال المطروح: كيف للكنيسة أن تتجنّب السقوط وتحفظ صورة المسيح حقيقيّة وحيّة وفاعلة في العالم المعاصر؟ كيف تعي الكنيسة معرفتها لمخلّصها يسوع المسيح الإله والإنسان؟ كيف يكون «يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد»، ومع ذلك يبقى حيًّا وفاعلاً في قلب العالم؟

في سعينا للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بدّ من أن نذكر أنّ معرفة الله هي معرفة «كيانيّة» للإله «الشخصانيّ». ونعني بالمعرفة الكيانيّة مشاركة الكيان البشري بكلّيته في معرفة الله، لا مجرّد الفهم الذهنيّ. إنّ الإنسان - الشخص، يحيا بالله وفي الله. وبحسب الأب صفروني زخاروف، بإمكاننا التعبير عن هذه الحقيقة بطريقة أخرى: «الله يستولي على الإنسان بكلّيّته، بعقله وقلبه وجسده. الشخص العارف والإله المعروف يتّحدان بلصوق وحميميّة».

الوصول إلى هذه المعرفة هو في الواقع اقتناء عطيّة الروح القدس التي يتكلّم عنها القدّيس سيرافيم ساروف. هذا الاقتناء للروح القدس يحتاج إلى مراحل ثلاث: التطهير والاستنارة ثمّ التألّه. وإذا كانت الاستنارة ومعها التألّه سكنى الروح القدس في الإنسان المتطهّر، فإنّ التطهير عمل مشاركة بين الروح القدس والإنسان أو الكنيسة. من هنا لكنائسنا رسالة رهيبة عليها ألاّ تنساها أو تهملها، لا بل عليها أن تضعها في أوّل أولويّاتها: ألا وهي دفع المؤمن ومساعدته على الجهاد التطهيريّ، من أجل الوصول إلى معرفة حقيقيّة ليسوع المسيح.

رسالة الكنيسة هي تقديس العالم بدءًا من الإنسان، لا التلهّي بأمور يمكن لأيّة مؤسّسة أخرى أن تقوم بها.

يلزم كنائسنا الكثير من التواضع والكثير من القدّيسين حتّى تبقى أمينة لسيّدها وتنقله إلى العالم الذي يحتاج إليه. المستنيرون بالروح القدس، أولئك الذين تطّهروا من كلّ خطيئة وصاروا مسكنًا حقيقيًّا لله يستطيعون أن يجنّبوا كنيسة المسيح مخاطر التجارب المختلفة. وحدهم القدّيسون يعرفون كيف أنّ «يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد».