كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

غداً تبلغ سنوات كهنوتي الثلاثين. ثلاثون عاماً منذ أن رُسمتُ كاهناً، مرت وكأنّها حلم سريع. بعد أن قضيت أربع سنوات في الشموسيّة، استدعاني مطراني، وأنا في التاسعة والعشرين ونيّف، ليُعلمني بعزمه على رسامتي كاهناً. كنت لا أزال أتابع دراسة اللاهوت في البلمند. أطعته بفرح. كيف لا وهي اللحظة التي انتظرتها بشوق وشهوة عظيمين، ورأيت في قراره هذا بركة خاصّة لي: أن لا أُرمى في خضمّ الرعاية وتعقيداتها مباشرة.
كان فرحي، ولا يزال، عظيماً. فالكهنوت، الخدمة الأسمى، أشرف ما يمكن أن يُمنحه الإنسان. ما من أحد يستحقه، لأنّ ما من أحد يبلغ إلى مستوى المسيح. لكن حقيقة أن الله ينظر إلى خلاصنا أكثر ممّا ينظر إلى نقائصنا، يقيم الكاهن في الرجاء الدائم. الكهنوت عطيّة مباركة، لو قضى الكاهن حياته في شكر الله عليها لما أوفاه حقّه. 
يعني الكهنوت أن تكون مسيحاً آخر. إنّه عندي التعبير الأنقى عن طلبي لحضوره الدائم في حياتي. وعبر خدمته في خليقته ألمس تعزياته التي لا تُحَدّ. علّمني في هذه السنوات الثلاثين أن أطلب خدمته وحده، وأفهمني بأنّه يسدّد خطواتي ويُنجح خدمتي بقدر ما أعي وأسلك بموجب أن الكنيسة والشعب اللذين أخدمهما هما كنيسته هو وشعبه هو، وأنّي مجرّد واسطة توصل نعمته إلى شعبه من خلالها. علّمني أنّني بقدر ما أسلّم ذاتي بكلّيتها إلى مشيئته، مستبدلاً مشيئتي بها، أكون كاهناً على حسب قلبه.
لماذا اخترت الكهنوت؟ ما من سبب قاطع أعرفه. أثق أنّه هو من دعاني منذ صغري. ثمّة علامات عديدة تجعلني متيقناً من أنّها دعوة إلهيّة أُعطيتُها دونما أيّ استحقاق على الإطلاق. 
تفتّح وعيي على السؤال المصيري: لماذا الألم، المرض، المعاناة، الشرّ، الموت؟ دفعني إلى ذلك رؤيتي ألم أقرب الناس إليّ منذ صغري. فتّشت كثيراً وقرأت كثيراً وسألت كثيراً بحثاً عن جواب. لم يمسّني جواب كالذي وضعه الله أمامي في ليلة شتويّة حينما كنت في سن المراهقة. 
قرأت لدوستويفسكي وصفاً للمسيح ولا أروع. لمستني جملته الأخيرة القائلة: "لو تيقنت من أنّ المسيح في وادٍ والحقيقة في وادٍ آخر لفضّلت المسيح على الحقيقة". كانت خبرة مفصلية فهمت في ما بعد أنّها لمسة من الروح القدس. دفعتني هذه الخبرة إلى البحث عن المسيح ومعاشرته. فعرّفني أنّه وحده الجواب. 
انتبهت بعد ذلك إلى مقدار حنوّه على المتألمين والفقراء والمنكسرين، فوجدت الجواب فيه: في حضوره الحيّ في حياة البشر. وبدأت أطلبه بكلّ طاقتي. لقد جذبني مذّاك فصرت أجري وراءه.
أعاقني الكثيرون ووقفوا في وجهي عندما علموا بقراري بالتكرّس له كليّاً. مقاومتهم لي زادتني قناعة وإصراراً، وساعدتني على فهم جوهر رسالتي. كنت أميل إلى الرهبنة أكثر، ولا يزال راهب صغير معششاً في داخلي، لكن السبب الذي عرّفني بالمسيح هو نفسه وجّهني إلى وضع مسيرتي بين يديه، فأخذني إلى الكهنوت وملأني بحبّ خدمته وتعريف الناس به، بجوهر الإيمان، بالتغيير الذي يُحدثه حبّه فيهم. وهذا السبب نفسه هو الذي دفعني في ما بعد إلى ترجّي المجمع المقدّس لإعفائي من خدمة أبرشيّة أستراليا عندما استدعاني آباؤه إلى خدمتها أسقفاً. 
ارتباطي شخصيّاً بشخص المسيح ما سمح لي أن أفهم الكهنوت يوماً إلا رسالة. أن لا تكون رسالتي بالمستوى المطلوب ذاك أمر آخر أنسبه إلى ضعفي وتهاوني وخطاياي. فلي، كإنسان، سقطاتي وخيباتي التي تعيقني عن بلوغ المرجو، وتعلّمني التواضع. أمّا الكهنوت فيبقى رسالة أو يفقد الكاهن جوهره. 
تأثرت كثيراً بصورة الكاهن التي يرسمها الأب فيرجيل جيورجيو في كتابه "من الساعة الخامسة والعشرين إلى الأبدية"، وكذلك ببعض المكرّسين الذين اختاروا الفقر نهجاً لحياتهم. أعترف بأنّني لم أتمثّل بهم، لكنّهم جعلوني، حتّى اليوم، أنفر من الغنى ومظاهره على الصعيد الشخصي وفي الكنيسة. أظن بأن هذا حفظني في عفويّة يُفرحني أن أسمع من بعضهم أنّ شخصي استمر غير متكلِّف. وأعرف أنّني دفعت مراراً ثمن هذا، غير أنّه يرضيني لأنّه يقيمني بالقرب من قدمَي مسيحي.
سعيت إلى أن أكون على الصورة الفضلى التي أستطيعها. حاربت، وما زلت، أهوائي ونقائصي وسقطاتي، محاولاً التحرّر منها. يؤلمني أن ألمس الفارق الكبير بين ما أنا عليه وبين ما يجب أن أكونه. أعي عدم استحقاقي جيداً ولذلك لم أستطع أن أقيم القدّاس الإلهي مرّة دونما تهيّب وصلاة صاعدة من أعماق كياني: "يا ربّ لست مستحقّاً أن تدخل تحت سقف بيتي، لكنّني أتقدّم متّكلاً على رحمتك الوافرة".
يقوّيني توقي إلى أن توصل يداي عطاياه، ولساني كلمته، وقلبي خفقات حبّه، وعيناي حنانه. أريد لرجليَّ أن تركضا إلى حيث يوجد. وعلى الرغم من أنّ خطاياي يجب أن تحجب الكهنوت عنّي ارتضى هو أن يمنحني إيّاه من فرط محبّته، تلبيةً لشوقي الكبير إليه؛ ولو كان شوقاً متكسّراً متعثّراً مشوباً بطلب حلاوات هذا العالم الأرضي وتعزياته. أتكئ كثيراً على معرفته بصدق نيتّي وشدّة رغبتي فيه واحتمائي بكنفه دائماً، ما يجعلني أتخطّى ذاتي واضعاً إيّاها بالكليّة بين يديه، وهو، بدوره، يستخدمني أداة في إيصال خلاصه إلى العالم. 
منحني الله رعيّة عشت معها خبرة حبّ ولا أحلى. حبّي لمن وضعني الربّ في خدمتهم كان أبويّاً خالصاً، وبادلوني هم بحبّ بنوي، ما كان يخلو، على نقاوته أحياناً، من معاندات وعوائق، وسّعت قلبي ودرّبتني على الصبر، وطهّرتني كثيراً. وأدركت معهم مقدار أهميّة محبّة الكاهن لرعيته ومدى تأثيرها وفعلها فيهم. 
وإلى الآن، وقد صار لي من السنين مطراناً تسع عشرة سنة، ما زلت انطلاقاً من هذه الرعيّة، أحنّ إلى خدمة الكاهن لأنّها الأقرب إلى الناس ولأنّ الناس يتعاملون مع الكاهن بعفويّة وصدق بَنَويين أكثر مما يفعلونه مع الأسقف. أظنّ بأن شخصي أقرب إلى الأب منه إلى السيّد.
عاينت على وجوه الكثيرين من هذه الرعيّة نور المسيح، ورأيت إيماني ضحلاً أمام عمق إيمانهم وثباته. أمّا تقبّل الاعتراف فكان سبيلي الأوضح إلى إدراكي لصغارتي أمام توبة بعضهم. 
رجائي أن يقيمني مسيحي في الأمانة له إلى أن ينقلني إلى وجهه الصبوح. طلبتي إليه أن يعرّف كهنته بعظم كهنوته فيهم، وأهميّة أمانتهم له. غاية مُنايَ أن أبقى معه أو يبقى هو معي. من دونه لا شيء له طعم، وبه ومعه كل شيء، مهما كان صغيراً، يصير حلواً وعذباً. 
لو عادت بي الأيام لما اخترت غير هذا الطريق إليه. يبقى شكري له قاصراً، على اختياري خادماً له على الرغم من وضاعتي. 
لقد أعطيتني أثمن ما في هذا الوجود. المجد لك يا ربّ في كلّ حين.
" يا ربّ إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك؟ نحن آمنّا بك وعرفنا أنّك أنت قدّوس الله" (يو6/68).