كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

رافقت الصلاة الإنسان منذ القديم، ولطالما رافق الدعاء والتسبيح توجّهه نحو الإله. وفي الإنجيل المقدّس دعوات صريحة إلى الصلاة، توّجها الربّ يسوع باختلائه مرّات عديدة لكي يناجي أباه السماوي. لقد أنتجت حياة الصلاة غنى بديعاً في، ما يمكن أن نسمّيه، لاهوت الصلاة في الكنيسة المسيحية، وأنماطاً متعدّدة للصلاة ونصوصاً وأشعاراً رائعة.
ولأنّ الصلاة إحدى أركان الإيمان الأساسية، يصلّي المؤمنون سوياً في اجتماعهم معاً، كما يصلّي كلّ منهم صلاته الخاصّة فردياً. ولعلّ النصّين الأقرب إلى أهميّة الصلاة الجماعية والصلاة الفردية هما "متى اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في ما بينهم" و "فإذا صليت فادخل غرفتك وأغلق بابها وصلِّ لأبيك الذي في الخفاء."(مت6/6). 
تشمل الصلاة الطلب والتسبيح والشكر، لكن الطلب يحتلّ عند المبتدئين الحيّز الأكبر. وهذا بحدّ ذاته ليس خاطئاً ولا معيباً، وإنّما يدلّ على درجة النمو الروحي للمصلّي. سيبقى هذا الوجه الصلاتي موجوداً طالما أنّ الإنسان في هذا العالم الأرضي، ولم يبلغ الملكوت، حيث لا يبقى سوى التسبيح، على غرار الملائكة.
يطلب المؤمن من أجل خلاصه أولاً، ومن ثم من أجل خلاص الآخرين. وقد بلغت المحبّة عند المتقدّمين روحياً حدّاً باتوا فيه لا يطلبون خلاصهم بمعزل عن خلاص العالم. هكذا كان القدّيس سلوان يصلّي " ارحمني وارحم عالمك ... هبْ جميع الشعوب أن تعرفك بالروح القدس". صلاة المؤمن من أجل الآخرين والعالم واجب لا يمكن التهرّب منه، تطبيقاً لوصيّة الربّ "أحبب قريبك كنفسك". إنْ أحببت خلاصك فإنك تحبّه لقريبك أيضاً. 
درجت الكنيسة على تعليم أبنائها أن يحملوا العالم في صلواتهم. نرفع الدعاء في صلواتنا الجماعية: "من أجل سلام العالم، اعتدال الأهوية، المسافرين، المرضىى، المشرّدين، الذين هم في الضيق، الذين يحبّوننا والذين يبغضوننا، الحاضرين معنا والمتغيبين عنّا ... إلخ".، كما نرفع الدعاء من أجل الموجوعين، بأسمائهم الشخصية، في صلواتنا الفردية والجماعية.
يقودني الكلام في هذا السياق إلى أهميّة الصلاة اليوم من أجل الواقع الأليم الذي تحياه بلادنا. يعتبر المؤمنون الصلاة إحدى وسائل مقاومة الشرّير وشرّه. لا بل هي عند الأتقياء وسيلة لا غنى عنها أبداً. هكذا عاش المؤمنون: يلتجئون إلى سيّد التاريخ ولا يكفّون عن التضرّع إليه من أجل رحمة العالم الذي يعيشون فيه؛ يصلّون ويتضرّعون واضعين عالمهم وحياتهم وحياة الآخرين بين يديه؛ يكفيهم التوجّه إليه سواء استجاب لطلبتهم أم لا. وعندنا في التاريخ تدخلات عديدة له: فيكفينا تذكيراً بأنّ مديح العذراء، الذي يحبّه جميع المؤمنين، قد نُظم شكراً ومديحاً لها، بعد إنقاذ مدينة القسطنطينية، وذلك بعد طواف تضرّعي بأيقونة السيّدة العذراء حول أسوار المدينة.
لطالما نبّه أنبياء العهد القديم شعبهم، الذي غالباً ما رفض سماع كلامهم، إلى أهميّة العيش في التوبة حتّى يوقف الله الحرب، فلم يسمع شعبهم لهم. ينبّه الله الأتقياء من المؤمنين إلى دورهم في عيش روح الصلاة، أي التوبة خاصّة في زمن الضيق والأخطار. ترتبط الصلاة بالعيش المستقيم الذي يُرضي الله. و"طلبة البار تَقْتَدِر كثيراً في فعلها"(يع، 5: 16). إن كانت حياتنا متوافقة مع صلاتنا سيسمعها الله دون أيّ شك. 
في خضمّ الآلام والأخطار والضيقات التي نحياها منذ سنوات، أترانا نصلّي بدموع وترجٍّ ورجاء؟ لماذا لا نلجأ إلى الصلاة التضرّعية جماعياً؟ ولماذا لا تلقى المبادرات الروحية التجاوب المطلوب؟ - إذ إنّ الدعوة إلى هكذا مبادرات خجولة تصل إلى درجة يُخجل منها - أليس لأنّ ثمّة انفصاماً ما حقيقياً قائماً بين ما نعلن إيماننا به وسلوكنا الفعلي؟
الصلاة الجماعية، بخاصّة، تعزّي المؤمنين، في زمن الشدّة، وتقوّيهم وتملؤهم حضوراً إلهياً يبثّهم أماناً داخلياً وقدرة على عدم الوقوع في التوتر والاضطراب اللذين غالباً ما يقودان الإنسان إلى فقدان التعقّل والحكمة. إنّها سبيل الإنسان إلى السلام الداخلي. واجب المؤمنين، سواء هم في قلب الضيق أم بعيدين عنه، أن يدعوا إلى سهرانيّات وصلوات سجود وأصوام خاصّةً، عسى الله يملأ الجو بروحه الإلهي فيطرد روح الشرّ ويُضعفه. 
كفى الصلاة أن توّحدنا في التضرّع لكي نعي أنّنا عائلة واحدة في السرّاء والضرّاء.