كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

أن تكون صادقاً مع ذاتك، متطلّعاً إلى الخير العام، متخطّياً مصلحتك الشخصيّة، متماهياً والقيم التي تعتنقها، أميناً لما تقوله، بقدر استطاعتك، واضعاً غيرك في بالك؛ في كلّ عمل تقوم به، متنبّهاً لعدم إعثاره بخاصّة، فاعلم أنه لا مناص لك من أن تختبر الغربة، وتترك مسافة ما بينك وبين محيطك. 
سوف تُفهم خطأ، وتُفَسَّر على العكس ممّا تنوي أو تفعل. العالم يفهمك لا انطلاقاً من شخصك، بل من شخصه هو. ينظر الناس إليك بمنظار فهمهم هم، لا بسعي مجرّد لفهمك ومعرفة ما تريده وما تقوله أو ما تعمل من أجله.
لكلٍّ سببه في طريقة فهمه لك. لكن الذين يصدّقونك هم أقلّ من القلّة، ومنهم من يستغل نزاهتك ليجني ثماراً له. يُفرحك، بالتأكيد، أن يشجّعك بعضهم على المضي قدماً في ما تخطّط له، وتزداد فرحتك إذا ما كانوا محسوبين من الأقربين إليك. لكن، انتبه لئلا تُصدَم عندما تكتشف أنّ تشجيع بعضٍ منهم يصبّ في خانة مصلحته الخاصة لا المصلحة العامّة التي تقصدها أنت!
شعورك بالغربة يقيمك في الأمانة الدائمة، شرط ألا تكون وحدك. شراكتك مع الإخوة تنعشك وتقيك من الوقوع في احتكار الفهم وخطر الثقة المفرطة بالذات. يُسمعك الله صوته بواسطة الإخوة، كما يؤدّبك ويهذّبك بواسطتهم أيضاً. 
الأمانة لإنجيل المسيح تفترض السفر بعكس السير. العالم يحفظ المساوئ ويحقد وينتقم، أمّا أنت، تلميذ المسيح، فتغفر وتنسى. العالم يدين غيره ويبرّر ذاته، أنت تدين ذاتك وتبرّر غيرك. العالم يفهم السلطة تسلّطاً، أنت تفهمها خدمة. العالم يحبّ تعظمّ المعيشة، أنت تنفر من الرفاهيّة وتغتني بالبساطة. العالم يعتبر الفقر في نقص المال، أنت تراه في البعد عن الله. واللائحة تطول.
كونك تلميذ المسيح أنت مدعوّ إلى العيش، بمعرفةٍ، في الحبّ الرهيف؛حبّ خليقته كلّها. هذا يترجم عمليّاً أنّه يعنيك أن لا تكون مُعثراً في كلّ ما تقوم به، كلاماً أو تصرّفاً. ولأنّك تحيا بين البشر ومعهم، تعي أنّك مهما فعلت سيعثر كثيرون، لكن هذا لا يعفيك من مهمّة الصحو المستمر لئلا تكون سبباً لإعثارهم.
الانزلاق سهل؟ يقولون: كلّ الناس يسلكون هكذا! ولكن هذا ليس عذراً لك لكي تماثلهم! أنت مثالك الربّ يسوع المسيح. أتراه صار إنساناً وعاش في ما بيننا ليعلّمنا بكلامه فقط؟ أنت إنّ كنت تلميذه تتشبّه به أو تسعى قدرتك للتمثّل به. لا تستطيع السير في منطق السقوط وأنت محسوب على المسيح تلميذاً. عليك أن تطعّم شخصك وسلوكك بمنطق الإنجيل وإلا فأنت في فلك إبليس من حيث لا تدري. 
حينما قال الربّ لا تعبدوا ربّين: الله والمال، إنّما عنى أنّه هو الرب لا المال. وهو يرسل لك رزقك في الوقت الذي يراه مناسباً لخلاصك. لا يحقّ لك، تلميذاً له، أن تسعى إلى رزقك بخلاف تعليمه. آنذاك يتركك لشطارتك! حتّى يحين زمان تأديبك. 
الغربة تحميك من الانزلاق، كونها تجعلك في لصوق بمسيحك وإنجيله، وإذا ما أنعم الله عليك بإخوة على مثال فهمك للإنجيل وأهميّة المحبّة الفاعلة، تصبح فائدتها مضاعفة، فتعزّيك وترفعك إلى العلى وتسمو بك عن ترهّات هذا العالم وخلاباته. فلا تعود ترى فيها ما كنت تراه سابقاً، بل تتخطّاها إلى النصيب الصالح الذي لا يُنزع منك. لذلك طلب تراثنا الروحي الغربة وجعلها فضيلة أساسيّة. 
عيشك الغربة روحيّاً، يعني أنّك مقتدٍ ببولس الرسول في ما قاله عن ذاته: "يشتدّ علينا الضيق من كلّ جانب ولا ننسحق، نحار في أمرنا ولا نيأس، يضطهدنا الناس ولا يتخلّى عنّا الله، نسقط في الصراع ولا نهلك، نحمل في أجسادنا آلام موت يسوع لتظهر حياته أيضاً في أجسادنا"(2كو 4/8-10). بذا تفهم أنّ غربتك وما يرافقها من معاناة إنّما دواء هي لأنّك لولاها لما كنت تعي الكبرياء الخفيّة والعيوب والنقائص المستترة التي تملؤك، فتهتف مع بولس: "عارفين أنّنا ما دمنا مقيمين في هذا الجسد، فنحن متغرّبون عن الربّ، لأنّنا نهتدي بإيماننا لا بما نراه. فنحن إذاً واثقون، ونفضّل أن نغترب عن هذا الجسد لنقيم مع الربّ" (2كو 5/6-8). 
هكذا يتدرّج الله معك إلى أن تتنقّى بصبرك وحبّك ونسيانك الإساءات وتسير على هدى الكلمات الإلهيّة التي اختبرها قائلها من قبلك: 
"نُظهر أنفسنا في كلّ شيء أنّنا خدّام الله بصبرنا في الشدائد والحاجات والمشقّات والضرب والسجن والاضطراب والتعب والسهر والصوم، بالنزاهة والمعرفة وطول البال والرفق وروح القداسة والمحبّة الخالصة، بالكلام الصادق وقدرة الله وسلاح الحقّ في الهجوم والدفاع، بالكرامة والمهانة، بسوء السمعة وحسنها. يحسبنا الناس كاذبين ونحن صادقون، مجهولين ونحن معروفون، مائتين وها نحن أحياء، معاقَبين ولا ُنقتل، محزونين ونحن دائماً فرحون، فقراء ونُغني كثيراً من الناس، لا شيء عندنا ونحن نملك كلّ شيء"(2كو 6/4-10).
لا يعني هذا الكلام أنّك لا تختبر توتّراً أو تعباً. قد تقع في الكآبة حيناً، وقد يداهمك اليأس حيناً آخر. فأنت إنسان وتحتاج إلى مساندة. قد تجوز في جفاف روحي وتلتمس تعزية من ربّك فلا تجدها، فتغريك تعزيات الدنيا، غير أنّ ربّك لا يهجرك إلا ليغنيك أكثر بعد ما يبدو غياباً له عنك. إن صبرت واكتفيت بما تركه لك من تعزيات، يجزل عطاءاته لك، وتكتشف، بعد اختبار كهذا، كم سموت وتغيّرت وكم ازدادت شفافيّتك وتوسّع قلبك.
يكفيك أن تكون أميناً لمسيحك، صادقاً معه، نزيهاً في طلب كلمته وفهمها وساعياً لتكون سيرتك منسجمة معها، بقدر ما يمنحك الربّ من قوته. قلائل هم الذين يحكّون تطلّعاتهم على حجر الإنجيل، كن أنت منهم. 
يكفيك أن تحفظ نفسك.