كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

"في كل مجتمع يظهر يهوذا. وفي كلّ 12 شخص يظهر يهوذا... يهوذا يمثّل الخيانة بكاملها. ولكن هناك من يخون، وهناك خائن مثل يهوذا. فلا تهتزّوا يا إخوتي. لا تهتزّوا أبداً. هناك الله ضابط الكلّ". هكذا خاطب البابا تواضروس، بابا الأقباط الأرثوذكس، جمع المؤمنين المجتمعين لسماع كلمته الأسبوعيّة في الكاتدرائيّة المرقسيّة في القاهرة. 
جاء كلام البابا هذا قبل الإعلان عن قاتل رئيس دير الأنبا مقار في وادي النطرون، الأسقف إبيفانيوس. الصدمة الكبرى في الواقعة أنّ القاتل راهب!! أراد البابا أن يشدّد المؤمنين قبل تلقّيهم خبراً بهذا القدر من السوء والغرابة.
وقد جاء في التحقيقات المسرّبة مع القاتل ومساعده أنّ الجريمة حصلت "بسبب تباعد الخلافات بينهما [الراهب ورئيس الدير] والتي "وُصمت بأنّها خلافات عقائديّة ومسلكيّة "[عدم الطاعة] وماديّة" [حول توزيع التبرّعات التي يتلقّاها الدير]. 
هذا وإنّ القاتل كان قد أُدين سابقاً "بعدم الالتزام بقواعد الرهبنة، ومنها التجرّد والطاعة وشراء أراضي والتجارة بالمخالفة لقانون الرهبنة". وقد صدر القرار بإبعاده عن الدير، غير أنّ عدداً من الرهبان استعطفوا رئيس الدير ليمنحه مهلة أخيرة لإصلاح سلوكه وتعهّدوا مساعدته على ذلك. فكان أن تراجع رئيس الدير عن طلبه للجنة رئاسة الأديرة التي يرأسها البابا تواضروس، وطلب مهلة أخرى للمتمرِّد، فوافق أعضاء اللجنة والبابا. غير أنّ ما كان يبدو، في الظاهر، طلبَ توبة، تبيّن أنّه تبيّيت لأسوأ ما يمكن أن يُسمع به في الأوساط المدعوّة "ملائكيّة". 
بادرت الكنيسة القبطيّة سريعاً إلى جملة تدابير بغية تطويق أيّ تسيّب حاصل في الرهبنة المصريّة، ووضعت تدابير للعمل على فلترة الواقع الرهباني الحالي وتطهيره. وقد قيّدت هذه التدابير حركة اختلاط الرهبان بالعلمانيين، وعدم خروجهم من أديرتهم، وحظّرت عليهم استعمال وسائل التواصل الاجتماعيّة وفتح صفحات "فيس بوك" بالأخصّ. وقد سارع جمع كبير من الرهبان الأقباط إلى تنفيذ مقررات كنيستهم، وأغلقوا صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعية. 
حدث كهذا، على فظاعته وندرة حدوثه في التاريخ، لن يؤثر على شعب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعروف بتقواه وتمسكه بالكنيسة، ولن يهزّ إيمانه. غير أنّه يجدر بنا التوقف عنده قليلاً لاستخراج العِبَر. فالخطيئة تطال جميع البشر، وما من أحد فوقها. والخطيئة تقتحم أسوار الأديرة" (المطران جورج خضر)، وتالياً على الكنيسة أن تكون ساهرة دوماً على مؤسّساتها وجماعاتها من أجل نزع كلّ عشبة ضارّة، قبل أن تصبح شجرة تطرح ثمار الشرّ والرذيلة، ما يستدعي آنذاك استئصالها من جذورها. 
أسّس وترأس دير الأنبا مقار الأبُ متّى المسكين، المعتبر من آباء الكنيسة القبطية المعاصرين. والخلاف الذي كان قائماً بينه وبين البابا شنودة معروف للجميع، وهو خلاف عقائدي بالأساس، يخصّ بعضاً من شؤون الإيمان. عاش الأب متّى المسكين في سكون متفرّغاً لديره وكتاباته، وقضى السنوات الأخيرة من حياته معتزلاً في مغارة. غير أنّ الخلاف الإيماني بين مدرسته ومدرسة البابا شنودة أدّت إلى منع بيع وعرض كتبه في كنائس مصر كلها. لكنها كانت متوفرة في المكتبات المستقلة ومتداولة بحيث تتالت طبعاتها حتى وصل أحدها إلى الطبعة الثامنة عشرة. 
بعد موت الأب متّى المسكين رسم البابا شنوده عدداً من الرهبان من تلاميذه ووضعهم في الدير، فكانت بذرة الانشقاق الأولى بين تلاميذ المدرستين. فالتلميح الصريح إلى "خلافات عقائديّة" يعود إلى هذا الواقع الذي يعيشه الدير منذ رقاد رئيسه السابق، متّى المسكين وإتمام ما اعتُبر بمثابة مصالحة. 
ما يعنينا في هذا المقال هو التوقّف عند هذا الأمر. فالخلافات الإيمانيّة، صغيرة أو كبيرة، ثانويّة أو أساسيّة، شكليّة أو جوهريّة، موجودة عند كلّ الجماعات الدينيّة. طالما بقي البشر بقيت الاختلافات التي قد تتحوّل إلى خلافات. فجوهر الدين قد يحتجب تحت أغطية كثيرة تتعلّق بعقليّة المؤمن وطريقة تفكيره ووضعه النفسي ونشأته وثقافته ونفسيّته الاجتماعيّة ومدى غنى علاقاته مع أناس مختلفين عنه أو مدى انعزاله مع جماعة من لونه ...إلخ. 
حماية الإيمان شيء وطريقة الدفاع عنه شيء آخر. ما من سبب يدفع المؤمن إلى العنف، لفظيّاً كان أو مادّيّاً، مع المختلف عنه في الإيمان. استسهال تكفير الآخر، "عالطالع والنازل"، أمر خطير جدّاً، ويؤدّي بالمكفِّر إلى تبرير كلّ سلوك مخالف للإنجيل في سبيل ما يسمّيه الدفاع عن الإيمان، ما يقوده إلى مخالفة الإنجيل صراحة وتشويه وجه ربّه وهو معتقد تمام الاعتقاد بأنّه حامي الإيمان وتالياً كامل البرارة!! إنّه احتكار الحقيقة القاتل.
عودة ظواهر التشدّد في الإيمان الديني إزاء التفلّت الواسع الذي يشهده عصرنا تجاه الدين ونظرياته وكذلك تجاه القيَم والأخلاق وأنماط العيش الجديدة المطروحة، يُفسح في المجال لتخصيب تربة التشدّد حتّى القوقعة على الذات ورفض قبول سماع رأي الآخر، وتاليا الحكم بخلو موقفه (الآخر) من أي نثرة حقّ أو صحّة، والتحزّب، لا ضدّ مواقفه فقط بل ضدّه شخصيّاً. للأسف هذا ما نشهده في جميع الجماعات الدينيّة اليوم. 
يغذّي هذا التزمّت التعلّق الأعمى ببعض الرموز الدينيّة، وينصّبها بمثابة آلهة لا تخطئ. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى حدّ تأليهها، وتالياً طاعتها وتصديقها بشكل أعمى دونما أيّ حوار أو استفهام ولو في الحدّ الأدنى، ما يخلق جموعاً تتحرّك بغريزة القطيع، على درجة تأهب عالية إلى حدّ الهَوَس وهي مصدّقة أنّها حامية الإيمان ضد من تتهّمهم، بسهولة وسطحيّة، بالمبتدعين أو الخارجين عنه، وقد يكون بينهم من هم أكثر إخلاصاً للإيمان من أولئك المدَّعين. 
يكمن خطر هذا الواقع في أنّه يغلق على صاحبه كليّاً، بحيث لا يعود يرى سوى معلّمه وما يقول، ولا ينظر إلى أحد أو رأي أو تفسير أو اجتهاد إلا من خلال معلّمه. يختصر معلّمه الكنيسة والإنجيل وحتّى الله. وفي هذا تصنيم حقيقي لإنسان يُعصم عن الخطأ. بينما يعلّمنا كتابنا وتراثنا بأن ما من إنسان خالٍ من الخطيئة إلا يسوع المسيح. 
تاريخ الكنيسة، وجميع الجماعات الدينيّة حافل بخلافات وصلت إلى حدّ القطيعة والانشقاق والحروب، غير أنّها لم تكن كلّها خلافات في جوهر الإيمان، والكثير منها خلافات في اجتهادات حول طريقة التعبير عن الفكرة الإيمانيّة التي يقول بها كلا الطرفين المتخاصمين. 
في زمننا الحالي تحدّيات كثيرة وجوهريّة للإيمان، بعضها قديم قدم ظهور الدين وبعضها جديد ناجم عن التحولات المتسارعة والجديدة بالكليّة على البشر والمجتمعات. من الطبيعي أن تظهر آراء تقارب التحدّيات المعاصرة بروح متفاوتة في الجرأة في استعمال اللغة ومواجهة الثقافة وسبر الجوهر الإيماني الثابت الذي لا يتغيّر ومحاولة خلق تعابير جديدة يمكن للإنسان المعاصر أن يفهمها. 
هذا كلّه يستدعي تأصلاً وانفتاحاً في آن. لذا يصير الحوار ضرورة ماسّة، والاقلاع السريع عن التراشق اللفظي أكثر إلحاحاً. لنتذكّر أنّ الرسل عندما اختلفوا حول ضرورة أن يتبع أو لا يتبع المؤمنون الآتون من خلفيّة وثنيّة الشريعةَ الموسويّة، لجأوا إلى استدعاء الروح سويّاً في اجتماع ضمّهم جميعا، عُرف بالمجمع الرسولي، وقد دشّن الطريقة الفضلى في البحث عن الجواب الذي يرتضيه الله.