كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

للنفس، من حيث الاختبار، في معارج التوبة سبل عديدة على طريق الارتقاء فيعيش التوبة الحقّ. يجوز الإنسان عدة مراحل حتّى يصل إلى التوبة الحيّة. فمفهوم التوبة يرتبط برؤية وروحانيّة التيّار الديني أو المذهب الذي يتبعه الإنسان التائب، كما تلعب شخصيّة الإنسان وتركيبته النفسيّة والعصبيّة وعقليته وثقافته ونشأته دوراً هامّاً ونافذاً في اختبارالتوبة وعيشها.
يفيد الفعل "تاب" في اللغة العربية معنى التوقف عن ممارسة أمر ما والانقطاع الكلّي عنه، ما يؤدّي إلى تغيير في السيرة. بينما تشدّد اللفظة المستعملة في اليونانية الدارجة "أمَارتيّا"على مفهوم "أخطأ الهدف فحاد عنه" ما يستدعي التقويم والإصلاح. أمّا في الأصل اليوناني القديم (ميتانيّا) فتفيد معنى"تغيير الذهن"، وهو المعنى الأصيل في المسيحيّة الأرثوذكسيّة. فالتوبة عملية تغيير مستمر للذهن والسلوك، وتخطٍّ متواصل نحو الأحسن والأصلح والأكمل. إنّها طلبٌ متواصل للأفضل، خلعٌ للإنسان القديم الناقص ولبسٌ للإنسان الجديد الأكمل. وقد عبّر عنها بولس الرسول بعبارة شهيرة: "أنسى ما ورائي وأمتدّ بكلّ قدرتي إلى ما هو أمامي".
يختبر بعضهم توبة عاطفيّة، يرى الإنسان نفسه فيها وقد أخطأ، فيطلب رضى الله بكلمات وحركات تغلب عليها العاطفيّة والمشاعريّة أكثر ممّا يبدو عليها إدراكٌ لعظم الخطيئة التي ارتكبها، وتالياً وعيٌ لنتائجها أو عواقبها. يهمّ التائب عاطفيّاً الشعورَ بأنّه أرضى الله بدموعه أو بتقديم مشاعره أو بسكب عواطفه أمامه، له المجد.

وثمّة توبة عقليّة عند بعضهم، يكون الإنسان فيها مقتنعاً تماماً، بأنّه أخطأ ويخطئ هنا وثمّة، ويقرّ بخطئه راغباً بالعودة عنه بصدق، فيقدّم اعترافه بصيغة توبة واسترحام وطلب للغفران. وقد يحزن ويكتئب ويلوم نفسه، لكن هذا كلّه يتمّ على الصعيد العقلي فقط. لسان حاله أخطأت يارب في كذا وكذا وأنا أعترف بخطئي وأريد، بصدقٍ، إصلاحه والإقلاع عن ممارسته وعدم العودة إليه. لا يتحرّك القلب في توبة كهذه ولا يتألّم، لأنّه لا يدرك بعدُ، على الصعيد الكياني، كم تقزّمه خطيئته وتشوّهه. 
يمارس هذا النوع من التوبة الذين يؤمنون بعقولهم فقط ولم ينشأوا في جوّ تَقَوي واعٍ. فيبقون على مستوى المعقول والمنطق وقياس الأمور عقليّاً وبشكل جافّ.
وثمّة توبة قانونيّة. يبادل الإنسان فيها الله شيئاً بشيء. يحرم نفسه أو يعذّبها بقدر ما يخطئ. يعتقد السالك في هذا الطريق أنّ لكلّ خطيئة كفّارة محدّدة، يقدّمها لله مقابل ما أخطأ إليه به، فتُغفر خطيئته. تبرز هذه التوبة من مفهوم يقايض شيئاً بشيء يماثله، وتسودها نظرة قانونيّة خالية من محبّة الله.
أمّا التوبة الكيانيّة التي يشترك فيها الكيان كلّه عقلاً وقلباً وعاطفةً فهي توبة الكاملين الذين يعون أنّ كلّ خطأ أو خطيئة تؤخّر نموّهم في الله ونضجهم فيه. من لا يعي أنّ التوبة أمرٌ يخصّه ويرقّيه لم يفقه جوهر التوبة الكيانيّة بعد.
ثمّة مفهوم شائع مشوِّه للتوبة يقرنها بالندم والتحسر والحزن على ما تمّ ارتكابه من معاصٍ أو سيّئات. وغالباً ما يستبدلها بحالة حزن تودي إلى اليأس ما لم يكن إلى جانب التائب من يرشده ويعود إليه.
وإذا ما بقي الإنسان في حالة الحزن يفقد الرجاء بنعمة الله التي تساعده على تغيير ما فيه من سيّئات لا يجد نفسه إلا وقد عاد إليها مرغماً. كثيراً ما تخفي هذه الحالة تكبّراً داخليّاً يحتجب وراء الإفراط في الحزن. 
للتوبة جناحان: الأوّل إدراك الحالة الخاطئة والتأسف على الرذائل التي أكتشفها في ذاتي، بينما يكمن الثاني في تخطّي هذه الحالة بالعمل المستمر على تجاوزها، بنعمة الله ومؤازرته، واستبدالها بالفضائل المعاكسة لها.
بالمعمودية يمنح الإنسان النعمة الإلهيّة التي تمدّه بقوىً روحيّة تساعده على محاربة الشر الذي فيه واستئصاله. فإذا سار المعتمد في طريق تنمية قوى الإنسان القديم فيه، سوف تقاوم قوى الأهواء في داخله قوى المعمودية. آنذاك تأتي التوبة لتفتح ممراً لنعمة الله كي تفعل في الإنسان الخاطئ. يجب ألا ننسى أبدا وجهي المعمودية والتوبة: واحد متجّه نحو الماضي وآخر نحو المستقبل. الأوّل يكنس القمامة التي تراكمت وتجمعّت في النفس مع الأيام، والثاني يفتح الطريق أمامها باتجاه ترقّي الإنسان ونموّه بالمسيح. 
نستطيع القول إنّ نعمة المعموديّة تعيد توجيه ميول طبيعتنا إلى أصلها، ونعمة التوبة تقوّي هذه الميول لتُصلح ما ارتكبناه من أخطاء. 
يتّفق جميع الآباء الروحييّن على الحاجة إلى التواضع دوماً. فالتائب الحقّ إنسان متواضع ينسب الأمور الحسنة التي فيه إلى الله، بينما يعتبر نفسه المسؤول عن الأمور غير الصالحة أو الناقصة. هنا تلعب مشاعرالندم والتأسف دور المجرفة التي ترمي الخطايا المتراكمة بعيداً. التأسّف أو الندم هو، بلغة اليوم، صوت النقد أو التقييم الذاتي، الذي يحثّنا على عدم الاكتفاء بما حقّقناه بل يحفّزنا على مواصلة الجهود للارتقاء من الحالة التي وصلنا إليها إلى الحالة الأرقى.

ينصح القدّيس مرقس الأفسسي المؤمنين بأن يجمعوا بين ثلاثة أمور يعتبرها أساسيّة في التوبة: الصلاة المستمرة التي نطرد بواسطتها الأفكار الشرّيرة التي تهاجمنا، ومراقبة الأفكار حتّى لا تعشّش في داخلنا، وتحمّل الضيقات التي تواجهنا.

يُشغل نمط الحياة المعاصرة الإنسانَ بالركض وراء المتطلّبات المعيشيّة بشكل ينهك قواه ولا يترك له مجالاً للتفكير بالأمور الأساسيّة التي يحتاج إليها حقّاً ليحيا الحياة الفضلى. تكمن خطورة هذا النمط في إعلاء الجانب الحيواني في الإنسان، فيطغى عليه همّ إشباع الغرائز الجسديّة الأساسيّة، (الطعام والتناسل..) على حساب الأبعاد الداخليّة الجوهريّة (الحاجة إلى الحبّ والسلام والفرح الدائم و الشركة... إلخ).
تميت الحياة المعاصرة الحسّ الروحي في الإنسان أو تبلّده بالأحرى، فلا يعود يتحسّس إلا للذي يقع تحت الحواس. 
وإذا لاحظنا أنّ عدداً لا يستهان به من المؤمنين لا يهتمّون بتنميّة حياتهم بهدف البلوغ إلى المثال الإلهي، بقدر ما يقصرون إيمانهم على مجرَّد تتميم الواجبات أو الفرائض الدينية، نفهم نفور الناس من التوبة ويصبح السؤال: كيف نساعدهم على أن يرتفعوا وألا يكتفوا بتحسين صورتهم الخارجيّة؟