كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

لا يختبر الإنسان أنواع التوبة التي ذكرناها في المقال السابق بمنهج مدرسي، بمعنى أنّه ينتهي من مرحلة ليدخل في أخرى. لا. فقد يختبر في اليوم نفسه حالةَ توبةٍ عقليّة وحالةً تخصّ أمراً آخر قام به، يختبر فيها نخساً حقيقيّاً للقلب يتخطّى القناعة الفكريّة. 
فالإنسان كلٌّ واحد لا يحتمل الفصل والانقسام والتجزيء. ما من فصل كليّ في الإنسان الواحد بين العقل والمشاعر، أو القلب والمزاج، أو النفس والجسد. وفي سعيه إلى التوبة الحقّ يختبر مراحلها متفرّقة أو مجتمعة، إلى أن يبلغ المستوى المطلوب. 
لكن السؤال الأهمّ في زمننا هو: كيف نساعد الإنسان على معرفة خطاياه أو عيوبه أو نقائصه، حتّى يتخطّاها بالتوبة؟ تنبع أهميّة هذا السؤال من واقع زمننا المعاصر الذي يمحو، بوعي وبغير وعي، كلّ أثرٍ للخطيئة من ذهن الإنسان. فالثقافة المعاصرة تزيّن للإنسان شهواتِه وتعده بفرح تحقيقها، قاتلةً فيه الحسّ بالخطيئة. شعارها:"ما تراه مناسباً لك فهو الحسن". 
واقع الحياة المتسارعة يدفع الإنسان باتجاه توتّر متصاعد يجعله يقتنص فرص الفرح المتاحة أمامه اقتناصاً لا واعياً أو من دون تفكير في أغلب الأحيان. ولأنّه غارق في دوامة العمل التي تستنفذ قواه ووقته يصير مهيّأً لعدم خسارة أيّ مناسبة أو فعل يمكن أن يعده بالتغيير والفرح المنشودين.
إنّ انغماس الإنسان المعاصر في حياة العمل التي تستنفذ قواه، لا يترك له مجالاً للانتباه إلى قواه الداخليّة، ما يدفعه إلى التعويض عنها بالإفراط في استعمال قواه الخارجيّة. هذا الواقع يجعل حسّه بالجوهر يتضاءل ويتبلّد لأنّ جلّ اهتماماته منصب على ما هو خارجيّ وظاهر وملموس، مترافق مع خوف التفريط فيه وضياع فرصته منه. 
يزيد، في قسوة روحه، الدور المتعاظم الذي يلعبه الجسد بإقباله النهم على تلبية غرائزه وشهواته المختلفة بشكل جسدانيّ محض مبتور عن بعده الإنساني والشركوي.تزداد خطورة الجسدانيّات إذا ما علمنا أنّ آباءنا الروحيّين الكبار يُجمعون على أنّ خطورة خطايا الجسد كامنة في كونها تميت القلب وتقسّيه فيتبلّد حسّه بالخطيئة. 
وإذا ما لحظنا حالة التفكّك العائلي التي يغذّيها نمط الحياة الاقتصادي الحالي ننتبه إلى نمو الأنانيّة المفرط في الإنسان المعاصر. هذا كلّه، إلى جانب عوامل أخرى عديدة، يعيق الإنسان عن لوم نفسه ولا يسمح له بتحمّل رؤية نقائصه. 
استقلَلْتُ مرّةً سيارة أجرة في باريس مع صديق مزوح، وكان السائق شابّة فرنسيّة جميلة. بدأ حديثنا في السيارة بمدح صديقي لجمالها. فأخبرتها بقصّة شابّة جميلة أتت لتعترف عند الكاهن. فقاطعتني قائلة بنبرة انفعاليّة: "أنا ما عندي شيء لأعترف به!".
أقرن بين هذه الحادثة وأخرى جرت معي في الجبل المقدّس (آثوس). فقد تبرّكت في بدايات كهنوتي بزيارته، وسألت الشيخ باييسيوس (القدّيس لاحقاً) عن التوبة الكيانيّة التي من كلّ القلب والذهن والنفس. فأجابني: هذه مرحلة يصعب بلوغها ما لم يكن التائب قد نشأ منذ طفولته، في مناخ تَقَوي تغمره الصلاة وتحييه! وتحتاج إلى جهاد عظيم.
إذا كان معظم الناس لم ينشأوا في هذا المناخ الروحيّ، يصبح السؤال المطروح على الكنيسة بمؤمنيها وقياداتها: ما هي الطريقة الفضلى لاستنهاض قوى الإنسان الروحيّة؟ كيف نخاطبه ليعرف مقدار ما يكتنز في داخله من طاقات غائبة عنه؟ كيف نقنعه بأنّ الحياة السهلة ظاهريّاً هي الأثقل عليه نفسيّاً وعصبيّاً؟ 
الكنيسة مدعّوة إلى استنهاض قوى الإنسان الداخليّة وإقناعه بأنّه قادر على أن يسترجعها ويعيشها ويختبرها بملئها. هذا يتطلّب من الكنيسة محبّة شغوفة بالإنسان، الذي أوكلها إليه المسيح بخلاصه، وجرأة في مخاطبته بالكلمة والفعل معاً. 
الإنسان الحالي بحاجة إلى كلمات فيلبس: "تعال وانظر". هو يائس من وجود المحبّة الحقّة، فمن غير الكنيسة قادر على جعله يراها متجسّدةً فيها حتّى يصدّق أنّها يمكن أن تعاش؟ الشهادة المسيحيّة الحقّ هي الأفعل والأكثر تأثيراً. يتلهّف عالمنا الحالي إلى حياة حقّة وغالباً ما لا يلتقي بها. وإذا ما كان يمعن في استنباط طرق وصرعات جديدة يوميّاً، فهذا لأنّه يطلب اللؤلؤة الغالية الثمن لكنه لم يعثر بعدُ على الحقل الذي توجد فيه. 
يقول أوليفييه كليمان ما معناه إنّك لا تنجح إذا خاطبت الشباب الفرنسي بخطيئة الزنى مباشرة، لكنّك تحرّك تجاوبهم معك إذا كلّمتهم عن التفاوت الاقتصادي المذهل بين الشمال والجنوب وانعكاسه إنسانيّاً على الأفارقة ومعاناتهم. هكذا تستنهض فيهم الحسّ الإنساني ليبدأوا فيكتشفوا إنسانيّتهم ويصلوا منها إلى المسيح. 
يتلاقى كلام أوليفييه مع المطران أنطوني بلوم الذي يدعو المؤمن التائب إلى التأمّل بعمليّة ترميم أيقونة قديمة وتالفة، ليبدأ توبته على غرارها. يبدأ المرمّم بتمييز الأجزاء الصغيرة غير التالفة في الأيقونة، ومن ثمّ ينطلق منها نحو الأجزاء التالفة.
هذا يتطلّب عقليّة مليئة من روح الله لتتمكّن من فهم الإنسان المعاصر ومخاطبته بما يحرّك بقايا الصورة الإلهيّة التي فيه، على رجاء أن تلمسه نعمة الله انطلاقاً منها، لتطلقه في مسيرة خلاصه القائمة على النمو والاكتمال واستعادة الجمال المفقود. 
تحتاج لغتنا الكنسيّة إلى المثاقفة مع لغة اليوم. يختبر الإنسان المعاصر انحطاطاً في قواه الداخليّة، فإذا ما شدّدت الكنيسة فقط على كمّ الخطايا التي يرتكبها وخطرها، توقعه في اليأس، فينفر من التوبة ويرفضها. اعتاد الأب أمفيلوخيوس ماكريس (أعلنت البطريركيّة المسكونيّة قداسته في 28 آب 2018) على القول: "إن رأيت إنساناً منهكاً في روحه فلا تزد عليه حِمله وإلا خارت قواه".
على الكنيسة أن تُظهر له حلاوة العيش مع الله من دون الخطايا، وأن تقنعه بالإمكانيّات الهائلة الكامنة في داخله، والتي تجعله قادراً بنعمة الله على البلوغ إلى ذرى الكمال والصلاح والحياة الحيّة. فيصبح، على سبيل المثال، الشعور بالندم والتأسّف ذاك الشعور الذي ينتاب الفنّان بعدما ينهي لوحته، فيشعر بأنّه يريدها أفضل ممّا جاءت عليه؟
فالتوبة هي هذا التطلّع الدائم إلى الأمام وعدم الاكتفاء بالحاضر. فإن لم يوجد فينا شعور الفنّان هذا، فكيف نكبر وننمو يوماً بعد يوم؟