كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

سألني: كيف نجعل بهاء طقوسنا ملموساً، فينشدّ المؤمنون إليه؟ ما هي السبل التي لنا أن نفتحها أمام المؤمنين لكي يتحسّسوا بهاء العبادة وفائدتها؟ 
ليس الجواب صعباً ولكنّه ليس سهلاً أيضاً. والجواب القصير المختصر هو أن مَنْ امتلك روح الصلاة ينقلها طبيعيّاً إلى غيره. غير أنّ القضية بقدر ما هي هامّة متشعّبةٌ وواسعة. لم أشأ أن أدخل فيها كثيراً لئلا أُنَظِّر في ما لا يمكنني فعله ضمن نطاق أبرشيّتي، ولكنّني رضخت أمام إصراره. لعله نداء إلى تناول هذا الحقل الأساسيّ ولو سريعاً.
عبادتنا السماوية الطابع فائقة الجمال وسماويّة البهاء ومُغنية للروح، لكنّها تحتاج إلى أداء جيّد. فأنت، لكي تقيم خدمة ما ببهائها الأصيل، تحتاج إلى جوقة مرتّلين يؤدّون الخدمة بروح الخشوع والترتيل المنضبط موسيقيّاً. إيقاع رشيق لا سريع فلا تُفهم الكلمات ولا بطيء لا تحتمله أعصاب الإنسان المعاصر. لا غناء ولا نواح. لا فوضى موسيقيّة ولا استعراض للمقدرة الموسيقيّة أو الصوتيّة... هذا يتطلّب أناساً يمتلكون حسّاً روحيّاً وموسيقيّاً، ولو بالحدّ الأدنى. كما يتطلّب أن يكونوا متدرّبين على النطق السليم وذوي معرفة مقبولة بالقراءة وقواعدها. ليس كلّ من تقدّم إلى منبر الترتيل قادراً على أداء الدور المطلوب. الأمر يتطلّب علماً ومعرفة وتدريباً. 
ثمّة دور أساسي للصوت: وصوله، صفاؤه، وضوحه، هدوؤه. الصراخ ممنوع في الكنيسة. فالقوانين الكنسيّة تمنع المرتّل من الصراخ والطبقات العالية التي تثقب الأذن. أنت في الكنيسة تصلّي لا تؤدّي ولا تُطرِب. القول الشائع: "نحن نرتّل لنصلّي ولا نصلّي لنرتّل" صحيح تماماً.
للحركة مكان هامّ في الطقس. لكنّها حركة مدروسة لها قصد محدّد. كثرة الحركة تعيق المؤمنين عن الصلاة وتشتّت انتباههم. الحركة في وقتها ومكانها تساعدهم على قطع الشرود والمشاركة في العبادة. نحتاج إلى أن تتنظّف هياكلنا من الكثيرين ممّن يدخلونها في أثناء الخدم، ولا لزوم لهم. حتّى الأولاد الذين يخدمون! لماذا لا يكون لهم مكان في المقاعد الأولى الجانبيّة في صحن الكنيسة، فيدخلون إلى الهيكل، كلٌ في وقته ولا يبقون داخله يضجّون أو يتسامرون.
جمال الكنيسة يساعد كثيراً في رفع المصلّي إلى العلويات. ليس الجمال المطلوب هو الصارخ و"المعجَّق" والمُكلِف، وإنما الذي يعكس بهاء الملكوت السماوي. هنا نحن بحاجة إلى فهم الإنسان المعاصر ووضعه النفسي والعصبي. كان الشيخ صفروني زخاروف، وهو رسّام لامع قبل ترهّبه، ينصح برسم الأيقونات بخطوط غاية في الشفافيّة وبألوان هادئة وخلفيّة درجة لونها خفيفة. فإنسان اليوم مُتْعَب عصبيّاً من كثرة الأضواء واللوحات والألوان التي تلاحقة. 
لا يقوم الجمال اليوم على الزخرف والتعشيق بقدر ما يقوم على انسجام الخطوط والألوان. لماذا نلجأ، على سبيل المثال، إلى الثريّات الضخمة في زمن بلغت فيه الهندسة الضوئيّة تقدّماً عظيماً؟ ألا يجب أن نشعر عند دخولنا الكنيسة بأنّنا ندخل إلى عالم الملكوت؟! وهل التعبير عن الملكوت مقتصر على ذوق جماليّ اتّسم به عصرٌ ما فأسبغنا عليه بمرور الزمن ثوباً قدسيّاً؟!
الكثيرون من المؤمنين لا يداومون إلا على القدّاس الإلهيّ. وباتت كثرة من الرعاة، لأسباب عديدة، في أماكن عديدة، لا تقيم السَحَر في أيّام الآحاد ولا الغروب في السبوت. هذه كارثة لأنّ طقسنا لا يحمل في القدّاس الإلهي من العيد ولاهوته ومعناه إلا الطروباريّة (نشيد العيد). والذي لا يتابع الغروب والسَحَر يبقى خارج الدورة الليتورجيّة السنويّة ولا يغتذي بها. وقد يقتصر العيد عنده على ما يرافقه من طقوس أو فولكلور. كما يسّهل له هذا الجهل الانخراط في ممارسات تتناقض ودعوة العيد وروحانيّته وأخلاقيّته. أليس هذا ما يحدث في أحيان كثيرة!!! مثال آخر: "بمناسبة عيد ... تقام حفلة ساهرة ..."!!! طبعاً حفلة دنيويّة بكلّ معنى الكلمة.
في البلدان الأرثوذكسيّة يقيمون، في الأعياد الكبيرة، زياحات، فتراهم يقطعون مسافات طويلة بأعداد غفيرة والجميع ممسكون بسُبحاتهم، وهم يتلون صلاة يسوع أو تراتيل العيد. أمّا عندنا، فقد استبدل الكثير من الروحانيّات بالمهرجانات والأسواق الشعبية وما إليها!!!
ثمّة خدمة جميلة جدّاً، هي صلاة الغروب الكبير التي تقام فيها خدمة تبريك الخبزات الخمس. يمكننا أن نقيمها مساء كلّ عيد. يوفّر المساء للمؤمنين إمكانيّة المشاركة في الصلاة، أيّاً يكن اليوم ال ذي يقع العيد فيه. تتكلّم خدمة الغروب عن العيد ولاهوته ومعناه. ويتمّ فيها الزياح بأيقونة العيد في داخل الكنيسة، ومن ثم طلبات ابتهاليّة وتبريك الخبزات الخمس التي يوزّعها الكاهن على المؤمنين في نهاية الخدمة. فقدنا هذه الخدمة في الكثير من الرعايا بسبب لجوئنا الدائم إلى القدّاس المسائي من دون دراسة وافية، "تماشياً مع السوق"، واستسهالاً استنسابيّاً.
يلزمنا دفع المؤمنين إلى المشاركة في القدّاس الإلهي، لا حضوره. بعض الطرائق التربوية استلهاماً من تراثنا الليتورجي، أكثر من ضروريّة. خبرة توزيع صلوات ما قبل المناولة (المطالبسي) على المؤمنين قبل التقدّم من المناولة وتلاوتها جماعيّاً أثبتت نجاحاً وإقبالاً. يقفون، أقلّه، في أثناء تحضير المناولة المقدّسة، بدل أن يجلسوا في الوقت الذي يتطلّب منهم أن يكونوا في وضعيّة الاستعداد القصوى، تهيّؤاً لاقتبال جسد الربّ ودمه.
ثمّة أسئلة على الراعي أن يطرحها انطلاقاً من متابعته لأبناء وبنات رعيّته، والتشاور فيها مع إخوته الكهنة ومطرانه بالأخصّ. على سبيل المثال لا الحصر: ماذا يعني إقبال المؤمنين على المناولة المتواترة في كلّ قدّاس، وعدم تقدّمهم من سرّ الاعتراف ولو مرّة في السنة؟ ما هي نسبة الذين يصومون قبل تقدّمهم من سرّ الشكر الإلهيّ، ولماذا لا يصومون؟ كيف نتعامل مع الذين يرفضون مصالحة أخ لهم بالجسد ويطلبون المشاركة في القدسات؟ ....إلخ.
للمؤمنين الواعين دور كبير في استنهاض الرعيّة إلى بهاء الليتورجيا وحيويّتها. اهتمامهم بكنيستهم بشراً وحجراً هو الأساس. 
أتكفيك هذه الأفكار يا أخي السائل؟