كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

نعيّد في هذا اليوم للقدّيس سلوان الآثوسي. قدّيس مغمور عاش بعيداً عن الأضواء، لكنّ نور الروح القدس الحالّ فيه كشفه للعالم بعد رقاده الذي تمّ في الرابع والعشرين من شهر أيلول للعام 1938. ما سرّ محبّة الناس له؟ ولماذا غزت كتاباته البسيطة أكثر من ثماني عشرة لغة خلال بضعة عقود من السنوات؟
وُلد القدّيس سلوان في قرية روسيّة بسيطة. لم يبلغ في العلم شأناً. اقتصرت علومه على القراءة والكتابة. بيته بيت إيمان عميق وتُقىً. لطالما قال عن أبيه: "هاكم مثال الستاريتز (الأب الروحي) الذي أتمنّاه لي مرشداً. لم يكن يغضب على الإطلاق؛ بل كان متّزناً دوماً في شخصيّته ودائم الرقّة". بنيته الجسديّة قويّة جدّاً. طلعته بهيّة. أخلاقه دمثة ما أكسبه محبّة الجميع في القرية.
عرف في فتوّته تجارب الشباب وجذبته حلاوات الدنيا قليلاً. أحبّ فتاة وأخطأ معها. وكاد أن يقتل معتدياً عليه بضربةٍ على صدره، بقي ذاك بسببها ملازمِاً الفراش لشهرين حتّى تعافى. أحبّ، لفترة، اللهو وأجواءه، لكن ميله لمحبّة الله كان أقوى. انتشلته والدة الإله ممّا هو فيه، بواسطة حلم، رأى فيه أنّه ابتلع حيّةً فاستيقظ كمن يتقيّأ قَرَفَاً، وأدرك خطيئته. 
بعد انتهاء خدمته الإلزاميّة في الجيش ودّع أهله وقصد جبل آثوس، حيث قضى بقيّة حياته راهباً وفيه رقد على رجاء القيامة والحياة الأبديّة. 
في كلّ مفصلٍ في حياته عبرة خلاصيّة تستحقّ التوقّف عندها. كتاباته المنتشرة اليوم وُجدت في قلّايته بعد وفاته مكتوبة على قصاصات ورق أكياس الطحين [عمل لزمن طويل في طاحونة الدير].
بعدما لمسته نعمة الله وعاين النور الإلهي في بدء حياته الرهبانيّة، تميّز بحسّه العالي بخطيئته. جعله إدراكه لخطاياه يتوجّه إلى صلاة عميقة، بحيث يقضي لياليه ساهراً يصلّي ويغفو لدقائق على كرسيّه ليعود من جديد إلى الصلاة. وعيه الشديد بحالته الخاطئة آلمه جدّاً فاختبر أقسى حالات آلام العيش بعيداً عن نعمة الله ونوره، وذاق آلام جحيم غياب الله عن حياة الإنسان حتّى كاد يقع في اليأس المطلق.
في ليلة شديدة السواد، روحيّاً وماديّاً، صرخ من كلّ قلبه: "أين أنت يا الله؟". فأتاه صوت داخليّ: "ضَعْ ذهنك في الجحيم، ولا تيأس". فغمره سلام عظيم لم يعكّره شيء وفيه قضى سنواته الباقية. 
مذ ذاك فهم القدّيس سلوان معنى جواب الربّ، وغمرته نعمته الإلهية، فعاش بحسبه. لم يعد ييأس من خطاياه، لأنّه اكتشف مقدار وسع رحمة الله. فهم أنّه كإنسان عليه أن يضع خطاياه أمامه "في كلّ حين"(مز50/5)، لكنّه عرف أيضاً أنّ عِظَم إدراكه بحاله الخاطئة يجب أن يقوده إلى رجاء عظيم برحمة الله الذي "أحبّنا حتّى أنّه بذل ابنه الوحيد من أجل خلاصنا"(يو3/16). 
حفظ القدّيس سلوان هذا التوازن جيّداً من بعد معاناة طويلة، اختبر فيها كأس آلام "هجران الله له" أو ما نسمّيه بالجفاف الروحي. كان صادقا في معاناته هذه وفي جهاده الروحي حتّى النهاية، فاستحقّ بصبره وأمانته أن يذوق خبرة النور الإلهي الذي حوَّلَه إلى إنسان سلاميّ، داخليّاً وخارجيّاً، بالكليّة. 
كشف الله لنا عبر قدّيسه لبّ ما نسمّيه اضطراراً "الروحانيّة المسيحيّة الأرثوذكسيّة"، أو بالأدقّ لاهوتيّاً "الحياة في المسيح". تقوم هذه الحياة على جناحين: الأوّل هو إدراك حالتنا الخاطئة ومعرفة خطايانا، والثاني، الرجاء بغمر الرحمة الإلهيّة. يكون لسان حال المؤمن الحقّ، وفق هذه المعادلة، كلمة قائد المئة للمسيح: "يا ربّ لست مستحقّاً أن تدخل تحت سقف بيتي لكن قلْ كلمة واحدة فيبرأ غلامي"(مت8/8، لو/7/7). 
كيف نحفظ هذا التوازن؟ كيف نواجه خطيئتنا برجولة، ونتضّع ونقبل واقعنا المكسور كما هو، ولا نسعى إلى تبرير ذواتنا وإلقاء اللوم على هذا وكذا، ولا نيأس؟ وكيف نترجّى رحمة الله ولا نطمع بها؟ يتطلّب هذا التوازن من جهة الإنسان اتّضاعاً كبيراً، ومن جهة الله نعمته الإلهيّة، التي لا يبخل بها علينا عندما يرى تواضعنا وصدقنا. 
كشف الله للعالم هذه الخبرة على أبواب الحرب العالميّة الثانيّة التي ستكون تداعياتها الروحيّة على الإنسان وأخلاقه وحالته سيّئةً إلى درجة لم يعرفها الإنسان قبلاً في تاريخه البشري. وما تعانيه البشريّة اليوم على الصعيد الروحي من آلام وضيقات وتفكّك عائلي وإنساني وعزلة وجفاف ولا معنى واستئسار واستعباد وشواذات وانتحار لا ينجيّها منه سوى إعادة اكتشافها لله الحيّ الفاعل فيها، واستبدالها لدنياها المشوَّهة هذه بنور حضرته الفائق الفرح. 
هذه هي رسالة الكنيسة اليوم. إنّها الرسالة التي حمّلها الله إيّاها بواسطة هذا القدّيس العظيم. 
أعرف بألمٍ أنّ جدران المؤسّسة الكنسيّة كثيراً ما حجبت وتحجب هذا النور المُحيي، لكنّني أعرف أيضاً أنّ الكثيرين من قادتها وشعبها يحيون هذه الخبرة حقّاً. لا يترك الله شعبه مهما ضلّ وتاه. يترك له آثاراً لحضوره الحيّ، هنا وهناك، ليتذوّق حلاوتها ويسعى في إثر ربّه الواقف على الباب يقرعه بانتظار أن يُفتح له. 
المناخ المسيحي مشبعٌ اليوم بفكر هذه الدنيا ومنطقها وهواجسها، لذلك تراه يستصعب كثيراً اكتشاف خطيئته، ومتكّلٌ جدّاً على رحمة الله، بعاطفيّة رخوة تكاد تصل إلى ميوعة لا تُطاق. تفعل رحمة الله في الإنسان التائب، أمّا القاسي القلب فلو أحاطته رحمة الله، فلا تدع قسوته نورها يدخل إليه فيبقى في الجحيم.
ما من مخرج آخر سوى الله. هو النعيم إن عشت في كنفه، وهو الجحيم إن أغلقت نفسك عنه ورفضت نوره المحيي. الطريقان أمامك والخيار لك. فلا تتعلّل بعلل الخطايا. 
لينفعنا الله بشفاعة قدّيسه سلوان لنعرف مكمن صالحنا فنسعى إليه. آنذاك تمتلأ شباكنا بالصيد الوفير ونأتي بالثمر الكثير.