كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

ما من عصر ذهبيّ على الصعيد الروحي. يرتاح الناس إلى رؤية التاريخ بمنظار أحلامهم، فيسبغون عليه ألقاباً كالذهبيّ وغيره. ثمّة أشخاصٌ ذهبيّون، وليس ثمة من زمن ذهبي. يعتبر الزمن ذهبيّاً عندما يكون الذهبيّون كثراً. هؤلاء يلعبون دوراً مشرقاً ويصيرون نوراً لغيرهم. مَنْ سمَّته الكنيسة الذهبيّ الفم واحد منهم، وكذلك أقمار الكنيسة الثلاثة وغيرهم كثر جدّاً في التاريخ الكنسي. 
لا يترك الله شعبه دونما نور. يفتقده في أشخاص ذهبييّن ينهضون بالمؤسّسة الكنسيّة ويرفعونها، لكن المؤسّسة أثبتت عبر التاريخ أنّها لا تستطيع البقاء على الوهج الروحيّ من دون أشخاص يتوهّج الروح القدس فيهم. هكذا انطفأت مدينة الرحمة الباسيليّة من بعد القدّيس باسيليوس الكبير. وكذا الأمر في الخدمات الهائلة التي أسّسها الذهبيّ الفمّ! وكم هي المؤسّسات المسيحيّة التي انحرفت عن أهدافها الأساسيّة عبر التاريخ وفي الحاضر، ومنها قبل وفاة مؤسّسها!!
أترى لأنّ المؤسّسة مغرية؟ أم لأنّ نفوس المؤمنين، شعباً ورعاة، مَيّالة إلى الانبهار بالإنجازات؟! فالإنجازات تخدّر النفس وتخلب العقل وتجعله يصدّق عظمة ما يقدّمه وأهميته. تكمن إحدى تجارب العمل المؤسّساتي في أنّها تستند إلى النظم البشريّة، وتتابع نمو المؤسّسة وتطوّرها، فينسى الإنسان مسؤوليّته بخصوص تنمية روح الإنجيل وتوهّج الروح القدس في النفوس الناشئة، لكي تُدار المؤسّسة بحسب قلب المسيح وتحقّ رسالته الروحيّة. 
تطلب العزاءَ النفوسُ المنتشية بأعمالها أو الغارقة في همومها، فلا تَعُود تلحظ الأخطاء وتتعب من التقييم الذاتي والتحليل وتستبعد الذين لا يوافقونها. فيأتي المداهنون والوصوليّون والمنبطحون ليكيلوا المديح عن جهل أوغباوة أو انخطاف أو مصلحة أوانتفاع أو خوف أواتّقاء... أسباب المداهنة كثيرة، لكنّها كلّها تصبّ في ساقية واحدة: تراكم الأخطاء وسيادة لغة السلطة وتغييب الروح؛ ويستمرّ التردّي المتجلبب بالنور حجباً للداخل المنخور. 
ويبقى الصادقون بعيدين عن التأثير، إمّا لأنّهم يتألّمون بصمت ويمنعهم حبّهم من إعلاء الصرخة، أو لأنّهم، في وسط الترهّل والانتفاخ الفارغ، يَرَون إلى توبتهم الشخصيّة وسكب الدموع والسجود عند قدمي مسيحهم المصلوب، راجين رأفاته بهم وبشعبه.
يغتذي الشعور بالظلم عند أيّ شخص،عندما لا يسير الجميع في نهجه. يكثر المقتنعون بوقوعهم تحت الظلم عندما يلقون اللوم على هذا وذاك من الأشخاص والأحداث والظروف، إلا ذواتهم. لسان حالهم: الجميع مسؤول إلا أنا. إذّاك تختلط الأمور وتتعقّد وتتشوّش النفوس والخدمات، وما من مخرج!

لماذا لا نسمع كفاية، في أوساطنا الكنسيّة، من يطالب الرعاة بكلمة الله لتحيا الرعيّة بها، بينما نسمع في المقابل، المطالبات الكثيرة بواجب تأمين الكنيسة لأمور الرعيّة الحياتيّة؟ ألا يشدّ المؤمنون رعاتهم إلى خيانة رسالتهم عندما يقسرونهم على تأمين متطلّبات الحياة الدنيويّة ويقصرون دورهم عليها؟ ممّن نسمع كلمة الله المحيية إنْ تفرّغ الرعاة "لخدمة الموائد"؟ وأين دور الشعب المؤمن في تأمينها؟ ألم يفعل الرسل هذا عندما وجدوا أنّ خدمة الموائد تمنعهم من إيصال كلمة الله، فأقاموا شمامسة يؤمّنون الموائد ليتفرّغوا هم لكلمة الله (أعمال الرسل الإصحاح 6)!
ليس عبثاً أنْ علّمنا آباؤنا القدّيسون أنّ لوم النفس هو الطريق المؤدّي إلى القداسة. نعم لوم النفس لا لوم الآخرين. لوم الآخرين مريح وسهل، يبرّر الذات ويقنعها باستقامتها. لكنّك تستطيع أن تغيّر ذاتك فقط لا غيرك. لوم الآخرين يجذب الناس إلى التعاطف معك، ويمنحك شعبيّة فارغة، لكن الواقع الذي تبتغي تغييره يبقى هو هو إن لم يزدد سوءاً، وقد يتفرّق الذين اجتمعوا إليك إذا ما تبيّن أنّ الحقّ ليس إلى جانبك.
غيّر نفسك واتعب عليها. نقّ داخلك وتُبْ عن خطاياك. اسكب قلبك دموعاً وزفرات أمام ربّك وضع بين يديه آلامك وأتعابك. آنذاك تمكّنه من استخدامك لمنفعة شعبه، أكنت راعياً أم مؤمناً عادياً. واعلم أنّ الكنيسة في نهاية المطاف هي كنيسته وليست كنيستك. المسيح يحبّها أكثر ممّا تحبّها أنت، فلا تأخذ دوره. انتبه لئلا تقع في التجربة الكبرى: الاعتماد على ذاتك ومؤهلاتك وقدراتك في خدمة الكنيسة إلى درجة الاحتكار، ونسيان دور الله فيها، وأنت لا تعي ما تفعل!!
اترك للمسؤول، أيّاً يكن موقعه وموقفه حرّية قبول أو رفض رأيك. قدّم رأيك بمحبّة وصدق، وقلْ ما يُتعب ضميرك في الموقف المناسب والوقت المناسب. ليكن كلامك للبنيان في كلّ حين. انتبه ألا تتصرّف بردّة فعل لئلا يضيع الغضب الحقّ الذي تحمله.
عندما سأل القدّيس أنطونيوس الله أن يكشف له من بلغ مستواه في النسك، بَيّنَ الله له أنّه لم يبلغ بعد قامة إسكافي في مدينة الإسكندرية!! لا تنحصر القداسة في رتبة أو مصافّ أو طغمة. الله يرى إلى القلوب الوادعة ويملؤها من نوره. ما من أحد ليس له مكان في كنيسة المسيح، وقد يبلّإك ربّك كلمته على لسان من لم يخطر ببالك البتّة.
لا يظهر مختارو الله في العلن كثيراً ولا يتلقّفهم الإعلام، وهم ينفرون منه أصلاً. الله يعمل في السكينة والصمت. انتظر النبي إيليا أن يكلّمه الله في الزلزلة فلم يفعل، وكذلك في العاصفة والنار، ما تكلّم الله أخيراً إلا في النسيم الهادئ.
العمل على دواخل البشر يغيّرهم، وما عدا هذا يلهيهم عن دعوتهم الأصيلة. من تجارب المؤسّسة الكنسيّة أنّها، تحت الضغوط المتنوّعة، قد تعطي اهتماماً للقضايا الخارجيّة أكثرمن الداخليّة. إن عدمنا مؤمنين يفيضون حبّاً وتواضعاً ووداعة وفهماً روحيّاً ولاهوتيّاً، فمن يحلّي مرارة هذه الحياة بحلاوة يسوع؟ وإن توفّر أخصّائيون في حقولهم العلميّة لكنّهم غير أخصّائيين في روح المسيح والحبّ والتواضع فكيف يستخدمهم الله في نقل حنانه إلى العالم؟
بقدر ما يكثر الممتلئون من روح الله تكثر الثمار في كنيسته وتستقيم الأمور لما فيه مرضاته وخلاص شعبه. الشهادة له تبدأ بالعيش وفق مشيئته بنكران كامل لمشيئة الإنسان القديم الذي فينا. له أن يستخدمنا في وصوله إلى أحبّائه البشر، وله أن لا يستخدمنا، ذاك شأنه هو. المؤمن طوع مشيئة الربّ أو هو مؤكِّد لذاته فيما واقع حاله يقول إنّه في وهم عظيم.
اللهمّ امنح كنيستك الصبر والحكمة. ربّي لا تصرف وجهك عنّا لئلا نهلك.