كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

هل نحتاج إلى قادمٍ من عالم آخر ليرى مجتمعنا الحالي ويستطيع أن يتبيّن أمراضه والتغيّرات التي طرأت على أناسه؟ يبدو أنّ العائشين فيه غارقون في ما اعتادوا عليه في السنوات الأخيرة إلى درجة باتوا فيها غير قادرين على رؤية جذور مشاكلهم وتعاستهم وتعقيدات حياتهم ودورهم الشخصي في تراكمها، لأنّهم، ببساطة، قد اعتادوا عليها، لا بل قد أدمنوها في الواقع؟!!
كيف يواجه الناس، في مجتمعنا، الفقر والتوتّر والقلق والموت المتربّص بهم؟ كيف يتعاطون مع الأمراض والأوجاع الجسديّة والنفسيّة؟ علامَ يعتمدون في مواصلة عيشهم؟ ما دورهم حقيقةً في تنمية ذواتهم وتحسين معيشتهم وازدياد فرحهم وسلامهم؟ هل هم مستعدّون للتخلّي عن شيء ممّا أغرقتهم به الأيام الرديئة حتّى يذوقوا طعم الحريّة الداخليّة حقّاً؟
نظرة هادئة ومنزّهة وسريعة تفيد أنّنا مشاركون في إنتاج فقرنا. فعندما لا نقبل أن نتزّوج إلا في إطار باذخ وزينات وتصوير وأزياء باتت تكلّف الملايين، وعندما لا نجرؤ على الاستغناء عن حفلة العرس التي نستدين لنقيمها ولا نقبل إلا بالأثاث الكامل والجديد والفاخر ونحرص على أن لاينقص شيء من أدواته التكنولوجية، أَيحقّ لنا أن نتذمّر من تردّي الأوضاع الاقتصاديّة والفقر الذي يلاحقنا؟!!
وعندما تصبح النرجيلة (الأركيلة) سبيلنا الوحيد إلى التنفيس عمّا في صدورنا التي نملأها بالنيكوتين، ونفتتح صباحنا ونختتم مساءنا بها، أَيحقّ لنا أن نلعن الأمراض التي تسبّبها لنا ونرميها في وجه الله؟!!
وعندما يصبح جهاز الموبايل أنيسنَا ومغنينا عن التطلّع في وجوه الأحبّة والأصدقاء وسبيلَنا الوحيد إلى المعرفة أو بالأحرى ما يُسمَّى زوراً بالمعرفة، لماذا نستغرب إن شعرنا بالعزلة والوحدة؟ ولماذا نتساءل بدهشة: أين أحبّتُنا عندما نحتاجهم؟ أترانا نضحك على أنفسنا من كثرة سخافتنا وعمق تفاهتنا؟ ألا يجب أن نخجل لأنّنا بتنا ألعوبة في أيدي العقول الذكيّة التي تصمّم وتعمل وتبحث وتوفّر لنا ما يجعل عالم الثقافة بين أيدينا، في حين أنّنا بجهلنا نستبدله بثرثرة لا معنى لها، تزيدنا جهلاً على جهل، بدل أن تساهم في نضجنا؟!!
وعندما نتراكض إلى عمليات التجميل لنخفي علامات تقدّم العمر وننفخ شفاهنا وأعضاء جسدنا بالسيليكون ونُدخِل إليه مواداً لم يعرفها الجسم البشري من قبل، أترانا نصدق بأنّنا لن نشيخ ولن نموت؟!! كيف تُرضع الحليب النقي من نفخت ثدييها بالمواد الكيماويّة؟ وكيف يصير الرجل رجلاً إن تمحور كلّ همّه حول جسد جميل ولو بقي عقله فارغاً وخُلُقه منحرفاً ومشوّهاً؟!!
عندما ينشأ ولدنا في بيت يخلو من الكتب ولا يرى والديه يمسكان بكتاب ولو مرّةً والتلفزيون شغّال في البيت ليلاً ونهاراً، بغضّ النظر عن متابعة برامجه أم لا؛ وعندما لا يرى وسيلةً للمعرفة سوى الصور التي يزخر بها عالم الانترنت، لماذا نحزن من غبائه وقلّة معرفته وعدم نجاحه وتوازن شخصيّته؟!!
وعندما ينحصر همّنا في تزويد أولادنا بالمعارف التي تجعلهم يبدون حضاريين ولا نقوتهم بالمعارف الحقّة التي تنمّي شخصيّاتهم وتجعلهم أقوياء أمام نوائب هذا الدهر وتحدّياته، أنكون مصدِّقين حقّاً أنّنا قمنا بالواجب؟!! ألم يصر تعليم البيانو عند الكثيرين سبيلاً إلى التشاوف؟! أيمتلك ولدنا حسّاً موسيقيّاً يهذّبه ويرقيه إن كان لا يسمع في البيت موسيقى راقية؟!
وماذا نقول في البعد الروحيّ، وهو الأساس في شخصيّة الإنسان؟ الابتعاد عن الصلاة والتخلّي عن الأصوام والاعتماد على تغيير الملابس الدائم، لحاقاً بآخر صيحات الموضة ...إلخ وإغراق معيشتنا بشتّى الدنيويّات النافلة!!
ألسنا من أكثر الشعوب التي تذكر الله، لكنّها تبعده فعلاً عن حياتها وسلوكها ولا تستلهمه في شيء من ترتيبات حياتها الأساسية؟!!
ونتساءل ونتشكّى من صعوبات هذه الأيام!! ونلقي اللوم على هذا وذاك من الأسباب!! ونبقى في كلّ ذلك مقتنعين ببراءتنا ونلقي اللوم "عَ الطليان"، على قول المَثَل، وننسى أنّنا نساهم في صنع تعاستنا!!
الرفاهيّة الظاهريّة التي باتت تَسِمُ حياتنا ما هي إلا رخاوة باتت تشلّنا، يوماً بعد يوم، وتدمّر مقاومتنا. ألا تلاحظون كم بات أناسنا استسلاميّين؟! وأنّ الأجيال الصاعدة لا تقوى على مقاومة ما يوضع أمامها ولو كان سبباً في موتها؟! الرخاوة تقتل. كان الأقدمون يقولون "الرخاوة تخصي، والشدّة ترجّل". لاحظوا عدد الشباب العزّاب! ولا تسارعوا إلى القول إنّ الوضع الاقتصادي هو السبب، فليس هو السبب الوحيد؛ فرخاوة تربيتنا لهم وتدليلهم الزائد سبب أقوى وأعمق من الاقتصاد. 
لنطرح السؤال الأساس: لماذا وصلنا إلى هذا الدرك؟ وكيف السبيل إلى الخروج منه؟ صدّقوني نحن في الجحيم مهما خدعنا ذواتنا بنعيمٍ نتوهّمه ونقتل أنفسنا من أجل عدم خسارته. أنت عبد بقدر ما تملك وحرّ بقدر ما تكون حرّاً من الأشياء. أنت عبد بقدر ما تتسلّط عليك الأشياء وحرّ بقدر ما أنت تتسلّط عليها. أنت عبد بقدر ما تعجز عن تمييز اللازِم والمفيد لك وتركض وراء تقليد الآخرين وحرّ بقدر ما تميّز الصالح والأصلح وتسعى لتأكيد ذاتك على حقيقتها. أنت عبد بقدر ما تخشى قول الناس فيك.
أنت عبد بقدر ما تجعل الله وسادة ترتاح إليها وحرّ بقدر ما تملّكه على حياتك حقّاً وفعلاً لا قولاً. أنت عبد عندما تظنّ أنّك ابن هذه الدنيا فقط، وحرّ فقط عندما تدرك أنّك ابن السماء.
فلنراجع ذواتنا ولنتعاون على تحرير أنفسنا ولنتشارك في صياغة سعادتنا ولنختبر جمال ما أغمضت الرداءة المتفشّية عيونَنا عنه لندرك كم أنّنا خاسرون.
لنعد إلى تنظيم بيتنا الداخلي وإعادة ترتيب أولوياتنا.
نصحت الأم تاييسيه إحدى المبتدئات في الرهبنة هكذا: "إذا كنت تتمنّين البحث عن الفردوس فلا تبحثي عنه بين جدران الدير ولا في الغابة، بل في داخلك، في نفسك، لأنّ "ملكوت الله في داخلكم"(لو17/22).
من له أذنان للسمع فليسمع.