كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

جاء في الفصل الرابع من إنجيل لوقا: "وجاء يسوع إلى الناصرة حيث نشأ، ودخل المجمع يوم السبت على عادته، وقام ليقرأ، فناولوه كتاب النبي إشعياء، فلما فتح الكتاب وجد المكان الذي ورد فيه: 
روح الرب عليَّ لأنّه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأنادي للأسرى بالحريّة، وللعميان بعودة البصر إليهم، لأحرّر المظلومين، وأعلن الوقت الذي فيه يقبل الربّ شعبه". وأغلق يسوع الكتاب وأعاده إلى خادم المجمع وجلس. وكانت عيون الحاضرين شاخصة إليه. فأخذ يقول لهم: "اليوم تمّت هذه الكلمات التي تلوتها على مسامعكم".
قصد الربّ يسوع أن يقول إنّه هو الشخص المقصود بكلمات النبي إشعياء. طبّق كلمات النبي عليه وقرأ النبوءة على نور شخصه. وعلى خطاه، تقرأ الكنيسة العهد القديم على ضوء العهد الجديد وهكذا تفسّره. هذا يُسمَّى في علم التفسير "تفسير الكتاب بالكتاب"، وهو التفسير المسيحي التراثي للعهد القديم.
المسيح محور العهدين: القديم والجديد. في القديم كان مخبوءاً منتَظَراً يكشف عن ذاته بالتدريج؛ يعلن عن ذاته بقدر ما تترقّى جماعته روحيّاً لتستوعب نوره المختلف عن الآلهة الوثنية الأخرى. أمّا في الجديد، فقد ظهر بكلّيته، إلهاً وإنساناً معاً. "والكلمة صار بشراً وحلّ بيننا"(يو1/14). "الذي رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة به نخبركم"(1يو1/1).
لا يمكن للمسيحي أن يقرأ حادثة عبور البحر الأحمر ولا يرى فيها رسماً مسبقاً للمعموديّة التي تعبر بالمعتمد من الموت الروحي إلى الحياة، سواء كان حدث العبور قد تمّ كما ورد في سفر الخروج حرفيّاً أم صوريّاً. الماء في حدث العبور ماء استخدمه الربّ لنجاة موسى وجماعته والماء في المعمودية ماء الخلاص لنجاة المعتمد من سلطة إبليس. الفرق بينهما أنّ ماء البحر في العهد القديم كان مجرّد رسم للماء المقدَّس الذي يولد فيه المعتمد للحياة الجديدة في العهد الجديد. 
هذا هو النهج المتبَّع في الكنيسة لفهم العهد القديم وتفسيره. وهذا النهج التفسيري يشرح ويوضح أموراً كثيرة ما كانت واضحة ولا مفهومة كفاية آنذاك، فصارت بعد المسيح شديدة الوضوح. 
لِنبْقَ في سفر إشعياء. عندما يتكلّم النبيّ عن رؤياه للجالس على العرش والملائكة تهتف "قدّوس . قدّوس. قدّوس"، نعرف على الفور أن الملائكة تهتف "قدّوس" ثلاث مرّات لأقانيم الثالوث القدّوس: الآب والابن والروح القدس. هذا لم يكن معروفاً قبل المسيح. 
على هذا النهج نرى في العلّيقة المشتعلة بغير احتراق، التي كلّم الله النبي موسى منها، صورة مريم العذراء التي حملت نار اللاهوت ولم تفنَ كإنسان. وفي المنّ والسلوى رسماً مسبقاً لللإفخارستيّا المقدّسة، جسد ودم المسيح في المناولة الإلهيّة. وتصبح آية إشعياء "هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً يُدعى اسمه عمّانوئيل" نبوءة عن مريم العذراء. 
هذا هو التفسير التراثي المسيحيّ، الذي تعتمده الليتورجيا المسيحيّة. لا يُفهم العهد القديم بمعزل عن ضوء الجديد. تختلف الرؤى والنتائج كثيراً بين تفسير كهذا وأيّ تفسير آخر. 
لا يتعارض هذا التفسير مع الوحي الإلهي، بل بالأحرى يثبّته ويؤكّده ويوضحه بأجلى بيان. 
أمّا كيفيّة تقديم ما يرد في الكتاب المقدّس من أحداث أو روايات أو قصص قصيرة أو شعر تحمل الخلاص صوراً مسبقة أو رسماً مسبقاً بانتظار المسيح الآتي في العهد الجديد، فسؤال آخر وشديد الأهمية في هذا الزمان. كيف نروي قصّة نوح والطوفان مثلاً لأولاد هذا الزمان؟ هل نرويها فقط حدثاً تمّ حرفيّاً كما رواها سفر التكوين أم نرفقها بالعبرة التي تحملها أو الرسالة التي تقدّمها؟ هذه أسئلة ليست سهلة، على المهتمّين بالتعليم الديني مواجهتها اليوم. 
لقد تغيّرت عقلية الإنسان بعد انخراطه في تحصيل العلم منذ الصغر، وأقصد بالعلم الحقل المُسمَّى علميّاً أكثر من المُسمَّى أدبيّاً. يعتاد عقل الإنسان اليوم منذ الطفولة على المنطق الرياضي والتحليل والتركيب والاستدلال والبحث عن الأصل وكيفيّة تطور أيّ أمر ودقّة ترابطه مع ما قبله وما بعده ... لم يعد المنطق الحدسيّ هو السائد. يحتاج إنسان اليوم إلى أن يعرف التفاصيل ولا يكتفي بالعبرة. 
هذا يقتضي على الأقل ألا نفرض فهماً حرفيّاً واحداً للنصّ الموحى به. والكتاب المقدّس ذاته يروي لنا غير حدث بنسختين مختلفتين كالخلق والعبور على سبيل المثال ... ثمّة سرد قصصيّ وآخر شعريّ. ومن البدهي أنّ فنّ الشعر يختلف عن فنّ القصّة. ويزداد الأمر تبايناً عندما يدخل التاريخ عنصراً أساسيّاً فيها، كون الله حقّق مقاصده الخلاصيّة في التاريخ!
لنأخذ رواية المنّ والسلوى مثالاً. بدءاً نقول: إنّ الله قادر على إمطار الطيور وغير الطيور، فمن أوجد الخليقة من العدم قادر على كلّ شيء. كما أنّنا بالإيمان نرى يده وقدرته في هذا الإمطار. لكن ما الذي يمنع الله من استخدام الطبيعة لتحقيق مقاصده، وعدم لجوئه دائماً إلى المعجزة التي تفوق المنطق البشريّ؟ أليس الله قادراً على التلاعب بالطبيعة التي خلقها؟ إن أراد أحد أن يفهم كيف أمطرت منّاً وسلوى [المنّ نبات موسميّ والسلوى طائر] ووجد الجواب منطقيّاً في أنّ قدرة الله رتّبت جوع الجماعة التائهة في صحراء سيناء بالتزامن مع فترة هجرة الطيور من الشمال إلى الجنوب، أيكون قد ألغى دور الله وقدرته على تسخير الطبيعة لمقاصده الإلهيّة؟ 
هل يجب أن نتعاطى مع الله دوماً باعتباره ساحراً يُخرج من قبّعته ما يشاء؟ لماذا يصرّ بعض المؤمنين على حصر عمل الله بالطريقة المسمَّاة عجائبيّة بالأسلوب الذي يريدونه هم. بالعودة إلى المثال الأخير، أليست العجيبة بهذا المفهوم واردة في التحليل القائل بتقاطع زمن الجوع مع زمن الهجرة؟ 
لطالما كانت البشارة بلغة وثقافة البشر الموجَّهة إليهم. لم يتهيّب آباء الكنيسة العظماء من استخدام الفلسفة اليونانيّة في شرح اللاهوت المسيحي، بل وصل بعضهم إلى استخدام بعض المصطلحات الفلسفيّة الوثنيّة بعد أن أعطوها مضموناً مسيحيّاً كلفظة "أوموأوسيوس" اليونانيّة التي تعني بالعربيّة 
"المساوي في الجوهر" كما نستعملها والأدقّ هو "من الجوهر ذاته"! واجه الآباء ثقافة زمانهم وطوّعوها لخدمة البشارة. 
إيصال كلمة الله وخلاصه يحتاج إلى خطاب يلامس إنسان اليوم في واقعه وثقافته، دون أن يتنكّر المبشِّر للتراث الأصيل الحامل للمضمون الأصيل. هذا يقودنا إلى ضرورة إعادة النظر في أساليب التعليم المسيحي، فلا نحصر رسالة الله ومضمونها في حدود عقليّتنا الضيّقة وثقافتنا المتغيّرة واكتفائنا بصحّة ما نقرأه حرفيّاً أكثر من دخولنا إلى مضمونه. 
كيف أمّن نوح طعام الأسد والنمر والفيل أربعين يوماً في السفينة؟ هذا سؤال وجّهه لي مؤخراً أحد الأطفال!! إنّه مجرد مثال لا أكثر.