كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

ثمّة حرص واهتمام شديدان على استقامة الإيمان يتميّز بهما الأرثوذكسيّون. هذا أمر حميد. فحفظك للإيمان غير منثلم وسلوكك في استقامته، يبقيانك أميناً لما تسلّمته مرّة من "القدّيسين". لكن أن تحجر على هذا الإيمان بحجّة الاستقامة شيء آخر مختلف بالكليّة. من دواعي الأسف أنّك تجد فجوة بين التمسّك باستقامة الإيمان وبين السلوك الأخلاقي والأدبي عند كثرة من الغيارى على الإيمان. 
يعتقد بعضهم أنّ الأمانة تقتضي القبض قبضاً خانقاً على الإيمان الذي تسلّموه، جوهراً وتعبيراً، فلا يعودون قادرين على التمييز بين حفظه وطريقة تبليغه والكرازة به. وقد يصل بعضهم إلى درجة الجزع المَرَضيّ من أيّ مقاربة جديدة تبتغي إيصال الإيمان بجوهره إلى الإنسان الذي تحيا وإيّاه في مجتمع واحد. 

سأوضح كلامي باللجوء إلى قدّيسيَن كبيرَين، لأبيّن كيف أنّ التمسّك الحرفي الجامد تذرّعاً بأقوال آبائيّة مجتزأة من سياقها ومفصولة عن هدفها وروحها يوصل إلى العكس ممّا أراده هؤلاء الآباء القدّيسون. 
تميّز القدّيس نيقوديموس الآثوسي (1749-1809)، بموهبة الكتابة ولعب دوراً نهضوياً على الصعيد الروحي. يُعتبر كتابه (دليل سرّ الاعتراف Exomologetarion) مرجعاً أساسيّاً في التوبة والاعتراف. يتناول فيه ما يجب أن يعرفه الأب الروحي وكيف يجب على الخاطئ أن يعترف، بالإضافة إلى قوانين تأديبيّة للقدّيس يوحنّا الصوّام (+516م) تبدو قاسية جداً في زمننا. أذكر منها القانون الثاني عشر فقط.
يقول: "كلّ راهب أو علماني يزني، عليه ألّا يتناول مدّة سنتين، وفي كلّ يوم يعمل 250 سجدة مع طعام جافّ بعد التاسعة [3 ب ظ بتوقيتنا]. يبدو القانون، على صرامته، مخفّفاً جدّاً قياساً بقوانين القدّيس باسيليوس الكبير التي تقضي بمنع الزاني من المناولة المقدّسة سبع سنوات. 
بالمقابل يذكر القدّيس بورفيريوس الرائي (1906-1991) [رُسم كاهناً وأعطي الإذن بممارسة الأبوّة الروحيّة في سن الثانية والعشرين فقط] أنّه في بدء كهنوته اعتاد أن يضع كتاب القدّيس نيقوديموس إلى جانبه ليعطي التائب التأديب المطلوب بحسب ما ورد في الكتاب.
لكنّه انتبه في ما بعد إلى أنّ شدّة التأديب جعل المعترفين يبقون في خطيئتهم بدلاً من أن يحرّرهم منها. كان جوابهم له في الاعتراف التالي: "لقد بدأت به لكنّني لم أستطع إكماله لأنّه مجهد جدّاً، فتوقفت وقلت لنفسي لن أستطيع أن أتوب إذن، فلأبقَ في خطيئتي!".
يقول القدّيس إنّه أمام هذا الواقع وضع كتاب القدّيس نيقوديموس جانباً وبدأ يعطي المعترفين التأديب بحسب قدرتهم على تنفيذه، خدمةً للهدف المقصود، ألا وهو تربيتهم على هجر خطيئتهم. متذكراً تعليم القدّيس باسيليوس الكبير: "يمكن لمن أخذ سلطان الحلّ والربط، إذا وجد الخاطئ قد اعترف بخطاياه وانسحق عليها، أن يخفّف مدّة العقوبة؛ فالحكم ليس على المدّة بل على أسلوب العقاب".
فاضت محبّة القدّيس بورفيريوس لله حناناً خلاصيّاً على خليقته وصار من أهمّ الآباء المعرّفين والمرشدين في القرن العشرين. 
لنذكر أيضاً أنّ الله لم يمنّ عبثاً على البشريّة مؤخراً بقدّيسين توجّعوا لوجع العالم المعاصر. لقد كشف الله من خلال سيرتهم وتعليمهم، محبّته للبشر وتحنّنه عليهم ليعزّيهم، كونهم رازحين تحت آلامٍ لا تطاق وقد فقدوا الكثير من صلابتهم بسبب نمط العيش المتلف للأعصاب ودخول الآلة إلى حياتهم وكثرة الحروب والفظائع. من هؤلاء القدّيسين سلوان وباييسيوس الآثوسيين وبورفيريوس الرائي والأم غفريلا. 
هذا يعلّمنا أنّ الله يخاطب البشر في كلّ زمن بأصفيائه، رجالاً ونساء، ممّن يلامسون أوجاع البشر ويهبهم موهبة إيصال كلمة الخلاص إليهم بالطريقة الفضلى التي تتناسب والواقع الذي يعيشون فيه. 
نستنتج ممّا سبق أنّ الكنيسة، آباء ومؤمنين، مضطرّة إلى امتلاك موهبة مخاطبة البشر بكلمة الخلاص بما يلمسهم ويحرّك الخير الكامن فيهم. 
هذا لا يعني تنكّراً للتراث، بل تتابعاً له وتواصلاً معه. فأدب التربية يختلف من عصر إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. وإذا ما وجدنا تساهلاً عند أب فلا نتهمنّه سريعاً بالتهاون والخروج عن استقامة الإيمان. شغفك بخلاص الناس يفترض بك أن ترافقهم لتساعدهم على ترقّي ذواتهم بلوغاً إلى النضج الروحي. 
تعرّض أحد الكهنة في أبرشيّتي لهجوم على وسائل التواصل الاجتماعي من بعض الإخوة لمجرّد وضعه، على صفحته الإلكترونيّة، تذكيراً لأبناء رعيّة كلّفته بخدمتها مؤخراً، بقدّاس يوم الجمعة الأوّل من الشهر، بعد أن كان قد أبلغهم بأنّه سيقيم القدّاس مرّة في الشهر لهم يوم الجمعة. ظنّ بعض المهاجمين أنّه لا يقيم القدّاس إلّا مرّة في الشهر وفي موقفهم هذا قصور معرفيّ وإدانة واضحة. وربط بعضهم بين الجمعة الأولى وطقس عبادي كاثوليكي يقام في منطقتهم، فاعتبروا الكاهن منحرفاً يكثلك رعيّته. بينما الحقيقة أنّ الرعيّة المذكورة لم تعتد مسبقاً على قدّاس يوم الجمعة، والكثير من أبنائها الطلبة والموظفين لا يقدرون على المشاركة في قدّاس الأحد، لأنّه يوم عمل. فسعى ذلك الكاهن ببركة وتوجيه أسقفه إلى تعويدهم على المشاركة في القدّاس على أمل الوصول يوماً إلى إقامته كلّ يوم جمعة. 
تتطلّب الرعاية مرونة وتكيّفاً تربويّاً وهادفاً بغية رفع المؤمنين إلى مستوى الإنجيل. في هذا السعي قد يصيب الراعي وقد يخطئ، لكن الفارق كبير جدّاً بين أن يخطئ عن عمد ومعرفة وبين أن يخطئ عن نيّة صالحة. يصعب إصلاح الأوّل إلا باللجوء إلى السلطة الروحيّة والتأديب القانوني الإكليريكي، بينما يسهل كثيرا إصلاح الثاني. 
ثمّة نَفَس، بات خطِراً على سلامة الكنيسة، يستشري شيئاً فشيئا بين المؤمنين. إنّه خوف على استقامة الإيمان يكاد يصل إلى حدّ الرعب والهَوَس واعتبار كل إنسان مُداناً وخائناً ومتوانياً. يستخدم الشيطان الحرب من اليمين، أيّ من الأبواب الصالحة، لكي يدمّرنا عندما يفشل في التجربة من اليسار، أي الإغواء المباشر لارتكاب الخطيئة. فتكون النتيجة أن يسقط في فخ الكبرياء والإدانة والتشكيك من ينصّبون أنفسهم رقباء ومعلّمين ويحصرون الأمانة والاستقامة بهم لا غير. فيستخدم الشيطان أمانتهم وغيرتهم في نشر الخصومة والحقد، وهم معتقدون بأنّهم يدافعون عن كنيسة الربّ. 
قليلاً من المحبّة والتواضع أيّها الأحبّة. المحبّة المتواضعة الحانية تتفهّم وتحاور وتقول الحقّ بطريقة بنّاءة. الهجوم، وإن كان مضمونه سليماً، يهدم ولا يبني، لأنّه يثير الشقاق ويستنفر وسائل الدفاع والهجوم المضادّ. المحبّة تجمع ولا تفرّق. المحبّة تربّي على الحقّ والفهم، لا على الإدانة والانغلاق، كما تميّز بين الخاطئ والخطيئة. 
أخبروا الله بانفعالكم قبل أن تهاجموا إخوتكم وآباءكم. لعلّكم إذا أفرغتم شحنة غضبكم وتشدّدكم برأيكم في الصلاة، بصدق واتضاع، تفسحون المجال للروح القدس كي يفعل فيكم ومن خلالكم. آنذاك تكونون ممّن يعمل لبنيان بيت الله.