كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

"تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين وأنا أريحكم" 
هكذا ينادينا الرّب، أيها الأحبة. ممّ نحن متعبون؟ وما الذي يثقل علينا؟ أمرٌ واحدٌ لا غير، ولو أنّه يظهر بأشكالٍ متعددةٍ، إلا أنّنا نحمله بألمٍ ووجعٍ، بطرقٍ مختلفة ومتنوعة؛ إنّه الشرّ.
الشرّ هو ما يُتعب الانسان ويحوِّل حياته إلى جحيم. يلبس الشرّ ثياباً مختلفةً لكي يخدع الإنسان ويجعله يعتقد أو يتوهم، بأنّه بعيدٌ عنه، فيما الشرّ متمركزٌ في قلبه.
كيف ولماذا يتربّع الشرّ على قلب الإنسان؟ 
يصير القلب مرتعاً للشرّير وشرّه عندما لا يسود المسيح عليه. لا يستطيع القلب البشري أن يكون فارغاً، فعندما لا نملؤه بحضور الله ومهابته، يملؤه الشرّير. عندما لا يكون القلب مهيّأً للمسيح، يصير جاهزاً للشرّير لا محالة. إمّا المسيح وإمّا الشرّير.
قد نعتقد متوّهمين، نحن المؤمنين الذين يهتمون، بالأقّل، بتتميم واجبات إيمانهم، بأنّنا مسيحيّون ممتازون، بدليل قيامنا بالفرائض والواجبات الدينيّة وإتمامها؛ فلا نعود نطالب أنفسنا بشيء آخر. هذا هو الشرّ المضلِّل يا أحبّة. هذا دليل على أنّنا لم نبلغ بعد إلى ديانة القلب الداخلي، وعلى أنّنا لا نفحص دواخلنا لنعرف كمّ الخطايا والشرّور الخفيّة والميول الرديئة والدوافع السيّئة الموجودة فيها، تلك التي تبعدنا عن فرح حياة الفضيلة، وتشدّنا نحو ارتكاب المعاصي المختلفة، ما يجعلنا تالياً، مثقلين بها ومتعبين ومهمومين ومغمومين.
من لم يعِ أهميّة وضرورة العمل على تنقية داخله، عليه أن يبدأ اليوم، وإلّا فهو لا يزال على عتبة باب المسيحيّة ولم يبلغ إليها بعد. معركة المسيحي الحقيقيّة، عمل المسيحي الحقيقي، هو في داخله أوّلاً لا على صعيد الخارج فقط. 
الخارج هو ما يبدر عنّا، ما يظهر منّا، ما نقوم به من أعمال صالحة وتصرّفاتٍ جيّدة، من مسلكيات مرضية لله. ولكن هذه يجب أن تكون تعابير طبيعيّةً، فيضاً طبيعياً لِما في الداخل. هكذا يجب أن نسلك. لماذا؟ لأنّ الإنسان يستطيع أن يعمل أعمالاً صالحة ظاهريّاً، فيما تكون نيّته رديئة: يساعد بعض المساكين، لا حبّاً بالله ولا بهم، بل لغاية ما؛ كأن يبدو فاعل خير ليحصل على احترام الآخرين أو مديحهم ويُشبع مجده الباطل. وقد يقوم بعمل الإحسان لأنّه يقصد خدمة شخصيّة، كأن يتبوّأ مركزاً اجتماعيّاً أو ما إليه، على سبيل المثال. الأمثلة كثيرة. والخبرة تعلّمنا كم أنّنا نفعل أموراً حسنة بدافع الواجب أو الخوف من العقاب أو طلباً للرضى الإلهي؛ ولكنّها في النهاية، "ما طالعة" من قلوبنا، كما نقول باللغة العاميّة.
المطلوب منّا هو أن يكون كلّ ما نعمله ونتمّمه نابعاً من الداخل، أن يكون فيض المحبّة التي تسكننا بعد أن نكون قد تنقيّنا من أهوائنا الشرّيرة. عدّد الرسول بولس في رسالته اليوم بعضاً منها. فذكر العُجْب والغرور والكبرياء والغضب والحسد وعدم امتلاك روح الوداعة والإدانة والقسوة على الآخرين. هذه بعضٌ من الشرّور الكامنة في دواخلنا، يا أحبّة. من عرف المسيح معرفةً شخصيّة يدرك أنّه لا يستطيع أن يجمع بين هذه العيوب وبين المسيح.
لذلك تراه يركّز دائماً على إصلاح نفسه، على تقويم ذاته، على أن يترقّى يوماً بعد يوم، في حياة الفضيلة، أن يصير أقرب فأقرب إلى المسيح، إلى أن يسود المسيح عليه. 
لذلك نحن نعيّد للقدّيسين الذين نسميهم أبراراً، كالقدّيس سابا الكبير المتقدّس، ونجلّهم كثيراً. من هم الأبرار؟ 
هم الذين عاشوا حياةً رهبانيّة، أي كانوا رهباناً أو نسّاكاً. نحن لا نجلّهم ولا نكرّمهم لمجرّد عيشهم في الرهبانيّة، بل لأنّهم حقّقوا هدف الحياة الرهبانيّة الذي هو جوهر الحياة المسيحيّة، التي كلمتكم عنها سابقاً. إنّها المعركة الداخليّة. البارّ هو الإنسان الذي يركّز كلّ قواه وطاقاته على تنقية ذاته من الداخل، فيصير إنساناً خالياً من العيوب، خالياً من الشرور. نسمّيه بارّاً لأنّه، بعد جهادٍ طويل، وصل، بنعمة الله وبأمانته إلى هذه البراءة. يُعتَبَر القدّيس سابا من الأبرار الكبار. ولأنّه وصل إلى هذه المرحلة وأتى إلى المسيح ووضع كلّ أثقاله أمامه، أراحه المسيح الراحة الحقيقيّة وصار سنداً كبيراً وعظيماً للكنيسة ولعب دوراً كبيراً، لم يلعبه لا بطاركة ولا مطارنة ولا مؤسّسة الكنيسة برمّتها. وحده استطاع أن ينقذ الكنيسة من هرطقات عديدة. [لذلك الذين كانوا البارحة في صلاة الغروب سمعوا التراتيل الجميلة التي رُتلت والتي كانت تختتم على الدوام بوصف القدّيس سابا بسَنَد الكنيسة وداعمها]. لأنّ المسيح كان فاعلاً فيه، وصار للمسيح بكلّيته، عمل المسيح فيه بكلّيته وصار لا إنساناً مرتاحاً فقط، بل مريحاً للآخرين أيضاً. 
عدوّنا الوحيد، أيّها الأحبّة، هو الشرّ المتمكّن فينا في الداخل. فلنتعلّم من الأبرار ومن القدّيس سابا، اليوم، كيف نركّز على عيوبنا الداخليّة، فنراها أوّلاً ونعرفها ثانياً ونقاومها ثالثاُ، حتّى نتحرّر منها. ونصبح من الذين ينشرون نور الفرح والسعادة والراحة للذين هم حولهم، لأنّهم حصلوا عليها من الربّ، بنعمة خاصّة، نتيجة إيمانهم الحيّ وأمانتهم أمانة لا تنفصل عن الايمان. تذكّروا أن لا تكونوا مؤمنين فقط، بل مؤتمنين على إيمانكم على الدوام. آمين. 

((عظة منقولة عن آلة التسجيل))