كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

صدر مؤخّراً في باريس كتاب للبروفسور الفرنسي Cuchet Guillaume، أستاذ التاريخ الكاثوليكي في جامعة باريس، عنوانه: "كيف توقّف عالمنا عن أن يبقى مسيحيّاً: تحليل الانهيار"، (Paris:Seuil,2018).
يحاول الكاتب أن يحلّل أسباب تراجع الكاثوليكيّة في فرنسا. والحقّ يقال إنّها ليست الديانة الوحيدة التي تتراجع في فرنسا والغرب. يحصر الأستاذ كوشيه تحليله في دور المجمع الفاتيكاني الثاني وتأثيره السلبي، بحسب رأيه، على الكنيسة الكاثوليكيّة في فرنسا بخاصّة والغرب بعامّة، في حين كان الهدف من هذا المجمع الإصلاح الكنسي. ثمّة أمور تستحقّ التوقّف عندها والتمعّن فيها في معرض تحليله. 
يمكننا استخلاص ما يقوله الكتاب في العبارة التالية: حاولت الكثلكة، في المجمع المذكور، أن تواجه الدهرنة (أمور الدنيا) فتدهرنت(صار لها منطق هذه الدنيا) بدورها وفقدت خصوصيّتها. 
في عرضه للكتاب، يقدّم الأب الأرثوذكسي جان كلود لارشيه، اللاهوتي المرموق، خلاصة تخصّ العالم الأرثوذكسي؛ فيرى في تحليل الأستاذ كوشيه خبرة مفيدة لِما قد يسبّبه المجمع الكبير للأرثوذكسيّة من أضرار، فيختم عرضه بالكلمات التالية: 
"هذا التطوّر المحزن للكنيسة الكاثوليكيّة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، كما يصفه كتاب كوشيه، هو بمثابة إنذار للأساقفة واللاهوتيّين الأرثوذكس الذين حلموا، ولايزالون يحلمون، بالدعوة إلى "مجمع أرثوذكسي كبير" مشابه للذي أرادت الكنيسة الكاثوليكيّة أن تتمّمه بمثابة "إصلاح في الكنيسة"، فكان تأثيره الرئيس في أنّه حرّض على تفكّكها الداخلي وأنتج نزيفاً مأساويّاً لعدد ضخم من المؤمنين".
يطرح ما تقدّم من عرض الأستاذين كوشيه ولارشيه أسئلة لا يمكن للكنيسة التغاضي عنها، إن أرادت أن تبقى حيّة في المسيح. إنّها أسئلة جوهريّة في مسيرة الكنيسة في العالم وفي شهادتها لربّها، في عالم يتغيّر باضطراد مذهل وبات دهريّاً (دنيويّاً) إلى درجة يصعب التحرّر منها إلّا بافتقاد إلهيّ عظيم. 
في الواقع، تواجه جميع الأديان تبدّلات عالمنا الحالي بتوتّر، ولا يمكن لها ألّا تواجهها، لأنّها تفرض نفسها فرضاً.
وثمّة تيارات عديدة في كلّ الأديان تختلف في طريقة التعاطي مع هذه الثقافة الجديدة، بما تفرضه من مستجدّات في كافّة الحقول. فترى من يواجهها بالمقاطعة والاعتكاف والعودة إلى التراث، فيُسَمَّون بالأصوليين أو المحافظين. كما ترى من يقبلها أمراً واقعاً، فيتجاوب معها ويحاورها ويستنبط طرقاً وأساليب رعويّة ونظريّات لاهوتيّة فيُسَمَّون بالمتحرّرين أو الانفتاحيين، وقد يذهب بعضهم بعيداً في قبولها وتبنّيها فيُدْعَون ليبراليين! وبين أتباع هذين التيارين تتدرّج فئات عديدة متفاوتة في درجة تمسّكها بما تعتبره ثوابت لا تتبدّل أو يجب أن تُهجَر وتُستبدَل بدين عصريّ.
لم يتطرّق الأستاذ كوشيه في كتابه إلى العوامل الأخرى التي أثّرت ولا تزال في هذا التراجع الديني، كالتكنولوجيا والمجتمع الصناعي والضغط الاقتصادي والمدن الكبرى والعزلة والفرديّة وتفكّك العائلة والإعلام، بالإضافة إلى تداعيات الحرب العالميّة الثانية الأخلاقيّة والنفسيّة والروحيّة، ناهيك عن تعثّر الشهادة الدينيّة في أوقات كثيرة هنا وهناك، ومشاكل المؤسّسات الدينيّة وفضائحها أحياناً. في الغرب لا يهدأ الإعلام عن تناول هذه القضايا والتذكير بها تلميحاً أو مباشرة. 
من الطبيعي أن يتناول كاتب أكاديميّ جانباً واحداً في تحليله، لكن الجانب الواحد لا يفسّر كفاية أسباب هذا "الانهيار".
يتبيّن لنا ممّا تقدّم أنّه علينا كأرثوذكس أن نستفيد من خبرات الكنائس الأخرى التي سبقتنا، لأسباب عديدة، في مواجهة العالم الحديث وتحدّياته. لكن هذا لا يعفينا من البحث عن أسباب مشاكلنا الخاصّة أيضاً، ولا يعطينا الحقّ في أن نتعامى عن تحدّيات باتت في قلب كنائسنا ورعايانا. إن كنّا نتغنّى بالروحانيّة الأرثوذكسيّة، ويعتبر بعضنا أنّها ميزة جوهريّة فقدتها الكنائس الأخرى، ألا يتوجّب علينا، بالأحرى، أن نُحيي هذه الروحانيّة ونحياها ونواجه بها مشاكل العالم المعاصر، حتّى نجلبه إلى المسيح أو نزرع المسيح في وسطه؟
في مواجهتها للتحدّيات المعاصرة أصابت الكنيسة الكاثوليكيّة وأخطأت، غير أنّك ترى فيها مسعىً جِديّاً ومستمرّاً لمواكبة المتغيّرات، لا يمكنك، إن كنت صادقاً، إلّا أن تحترمه، بغضّ النظر عن موافقتك له أو رفضك إيّاه. هي في مسعاها هذا بحاجة إلى الروحانيّة الآبائيّة الأصيلة [تقوية الكنيسة الغربيّة بالشرقيّة كان أحد الدوافع الرئيسة لسعي البابا يوحنّا بولس الثاني إلى تحقيق الوحدة بين الشرق والغرب المسيحيّين] تلك التي يفتخر الأرثوذكس بأنّهم حافظوا عليها ولا زالت حيّة في أوساطهم. غير أنّ هذه الأمانة الإيمانيّة كثيراً ما تحجّرت عند الكثيرين منهم، فقصروها على العبادات والحياة الديرية واجترار الماضي في الشكل لا في المضمون، إلى الحدّ الذي بات فيه، بنظرهم، موضعَ شكّ إيمانيّ، كلُّ من أراد أن يُحييها ويُفسح المجال للروح القدس لأن يستمرّ في عمله الخلّاق في الكنيسة. 
لا يمكن قبول استسهال الحلول واللجوء إلى التجاوزات بسوء استعمال لمبدأ "التدبير الكنسي"[ يسمح مبدأ التدبير بتجاوز قانون وضعي ما في سبيل هدف خلاصي في ظرف استثنائي]، بذريعة التغيّرات المتلاحقة وضغوط المعيشة. وبالمقابل، لا يمكن التعامي عن التحدّيات التي تفرضها المتغيّرات الحياتيّة الكثيرة. للأسف إنّك تجد اليوم من يعتقد بأنْ ما من شيء تغيّر عن العصور التي يعتقدونها ذهبيّة. علينا المواجهة بروح الصلاة والقداسة والاتكاء إلى التراث بالتأكيد. لكن المطلوب أيضاً فتح الكنيسة على عمل الروح القدس، لا في الإطار العبادي التقديسي المباشر فقط، بل في جميع الأطر، والشهادة للمسيح منها بخاصّة. 
يعلّم آباؤنا الكبار أنّ الاكتفاء بالعبادات وإغلاق القلب عن الإنسان، المحتاج بخاصّة [وكلّ البشر محتاجون بشكل أو بآخر] إهانةٌ مباشرة لشخص المسيح. ويعتبر القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ أنّ "القدّاس يبدأ بعد القدّاس"، أي أنّ المسيح يأتي إليك في القدّاس الإلهي ليخرج معك من الكنيسة إلى العالم الذي أتى لكي يخلّصه. يعلّمنا الآباء أنّ الإنسان مذبح الله الحيّ، فلا يحقّ لنا أن نهمل خلاص الإنسان بعدم مواكبته في ما يتعرّض له من تجارب وعوائق توقف خلاصه! لقد علّمنا آباء الكنيسة بالقول والفعل، لا بالكلام فقط، مجتهدين في تأكيد إيمانهم بأنّ مجد الله هو الإنسان الحيّ. فهل يحقّ لنا أن نهمل مجد الله هذا ونتغاضى عمّا يجعل الإنسان حيّاً في الله حقّاً؟
الخوف من المواجهة يعني أنّنا لا نثق كفايةً بفعل الروح القدس، كما أنّ الحماسة في المواجهة اعتماداً على آرائنا الشخصيّة وإهمال التماس إلهام الله يعني أنّنا نستولي على دور الروح القدس، مستبدلين فعله بمشيئتنا!
يبارك الله الحوار الهادئ المحبّ الشفّاف والصريح في ما بين الإخوة. هل لنا أن ندرك كم ستكون دينونتنا عظيمة إذا ما أهملنا نَفَس المحبّة الذي هو نَفَس الله؟!!