كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

لعلّ أقسى الاختبارات التي يجوزها الراعي، تكمن في أن يعمل ضمن وسطٍ يشعر فيه بأنّه وحده. يحمل رسالة وله رؤية، يغصبه ضميره على العمل وفقها وعلى نشرها والتعاون مع من وُضع في مسؤوليّةٍ ضميريّة في خدمتهم، حتى يرتقوا إليها، ولكنّه يصطدم بعدم اكتراثهم بها أو يكتشف أنّهم لا يفهمون عليه في أحسن الأحوال! 
قد يريحه أن يكون صوتاً صارخاً بما قد حمَّلَه الله إيّاه؛ هذا إذا اعتبر أنّ رسالته محدّدةٌ في نطاق تبليغ الكلمة عموماً. لكنّ الأمر يزداد صعوبة إذا ما كانت غاية خدمته جعل الكلمة متحقّقة ومتجسّدة في شعب لله محدّدٍ، وقد سُلِّمَ مهمّة رعايته، ويعرف أنّه مُطالَبٌ يوماً ما بالجواب عمّا فعلَ من أجل خلاصه. 
كيف تُقنِع بضرورة التعبير الحيّ عن الانتماء إلى عائلة الله من لا يشعر بأهميّة هذا الانتماء؟ وكيف تُطلق ورشة تنمية ما تبقّى من صورة الله عند من حُمِّلتَ مسؤوليّة رفعه إلى المثال الإلهي، فيما هو يرفض حتّى ترميم ذاته؟ كيف تحفّزه إذا ما كان مرتاحاً إلى ما هو عليه ومكتفياً بما هو فيه! كيف تدفع إلى القيام بأعمال المحبّة وخدمتها من لا يشعر بواجب العطاء، وقناعته راسخة بأنّه غير مطالَب به، لأنّه باعتقاده هو المحتاج، وجلُّ اهتمامه، إذا ظهر، محصورٌ بالأخذ؟ وكيف تجذبه إلى التعاون والمشاركة في الخدمة والبناء، إذا خلا حسّه من دوره في بناء بيت الله وأهله؟ 
هذه أسئلة تواجهها كلّ يوم عندما تطالب ذاتك بالأمانة لرسالتك. وتزداد حدّة المواجهة عندما تكون حارّاً فيما غيرك بارد حتّى الصقيع وهو راضٍ بما عنده ولا يرى حاجة إلى الدفء.
ومع ذلك ثمّة من لا يتوقّف عن مطالبتك بما يريده هو، لا بما يريده إلهه. أمّا أنت فواجبك أن تطالبه بحسب إنجيل الربّ وتهذّبه بتعاليمه وحدها، ليصير ابناً لله حقّاً. ماذا تعمل إن كان هو لا يريد الإنجيل ولا يرغب حتّى بالإصغاء إليه؟ ماذا تفعل إن كانت الرعيّة لا تعي حاجتها إلى ما تراه أنت في صلب رسالتك ووجودك في وسطها؟ 
ويزداد الأمر صعوبةً والاختبار عمقاً عندما ترى الرؤية معدومة أو شبه ذلك على المستوى العامّ والخاصّ، على مستوى الرعيّة المحليّة ورعيّة المسيح العابرة للرعايا والحدود. وإذا ما وُجدت (الرؤية)، وهي موجودة هنا وثمّة، فهي إمّا مقتصرة على نطاق جغرافيّ ضيّق أو جماعة بعينها، وكأنّ المسيح ما كسر حدود الجغرافيا على الصليب، وإما مرتبطة، صميميّاً، بشخص واحد، وقاصرة تالياً عن اللحاق بالمتطلّبات المرجوة منها ومعرَّضة للانهيار في أيّ وقت.
سترميك رسوليّتك في التعب والإحباط من وقت إلى آخر. وقد يقودك غياب من يتعاون معك في بناء بيت الله الحيّ إلى اليأس، خاصّة إذا ما كنت ترمي إلى جعل الرعيّة عائلة متكاملة متكافلة متضامنة وتلتهب بالغيرة من أجل إشراك شعب الله معك في شؤون كنيسته ولا تجد من يشجّع أو يتجاوب! ستتعمّق غربتك، على الصعيد الروحي، عمّن تعيش وإيّاهم وسيستغلّ إبليس تعبك ليوشوش لك بهمسات شرّيرة ويذيقك شيئاً من جهنّم. ستكتشف أنّك معلّق مع سيّدك على صليب بلادة الحسّ واللامبالاة وأمراضك الروحيّة وأمراض مجتمعك الكثيرة. فتزداد، داخليّاً، اغتراباً على اغتراب، إذ ترى نفسك مقيماً في وحشة قاتلة.
وقد يهمس لك الشرّير بأنّ ثمّة من يتوق في مكان آخر إلى ما تسعى أنت إليه، فيما أنت، حيث أنت، لا تسمع إلا صدى صوتك، فيثقل الحِمْل وترى نفسك على حافة العجز، فيداهمك الإحباط وتخشى اليأس والبرودة وخيانة الرسالة.
وأنت في قعر هذه اللجّة فقط، تكتشف، بنعمة من ربّك، حقيقة مرّة؛ أنّك كنت تعتمد على ذاتك أكثر ممّا تعتمد على الله. ولأنّك قد ذقتَ معنى الفشل على الصعيد البشري، تدرك أنّك صرتَ، كيانيّاً، مهيأً لسماع صوته بصفاء، فيأتي ويلمسك ليفتح فيك القنوات التي سبق وأغلقتها عنه. فلا يبقى لك إلّا أن تسلّم أمرك له وتسكب معاناتك دموعاً وصلاة عفويّة حارّة أمامه وتودعَه قطيعه، يوميّاً، بأسمائه، وتسأله الغفران لك قبل قطيعك.
إذ ذاك، وأنت في خيبتك هذه، تصرخ إليه سائلاً إيّاه: وماذا بعد؟ خذني من هذا الجحيم، فلم تعد بي طاقة على التحمّل. خذني إلى وجهك الصبوح وأرحني. فيجيبك: هذا شأني يا ولدي، ولا أزال أرجو منك!
عندما تصل إلى القناعة التامّة بعجزك عن النهضة المطلوبة، وتدرك أنّ ما كنت تظنّه قدرات وطاقات فيك تؤهلك لتحقيق الحلم، ليس إلا وهم كان يسكنك، تتكسّر كبرياؤك الداخليّة، تلك التي كانت تدفعك لخدمة أهل بيت الله وأنت تظنّها حماسة وغيرة، وتعي أنّك ما تركت لله دوراً لأنّك أخذت الدور كلّه.
آنذاك تكون قد تهيّأت لاستقبال منطق الله. فيأتيك ربّك بعزاءٍ ما كنت تراه أو بالأحرى كنت ترفض، عن غير وعي، أن تراه. وبمقدار ما يكون قلبك قد تهيّأ للتواضع الذي كنت تجهله، تمّحي لتعطي ربّك الدور كلّه. فيذيقك بعضاً من حلاواته ويفيض عليك بعضاً من نِعَمٍ ممّا لم تكن تتصوّره. تشعر آنذاك بصغارتك أمام طول أناته عليك، وتصرخ ثانية: أخطأت يا ربّ. أخطأت إليك وإلى نفسي. يكفيني أنّك معي. 
تدرك أنّه ينحتك بالآلام نحتاً، كما يفعل النحّات في الصخر، ليصيّرك إلى ما هو لخلاصك وكما تشتهي أنت، وتكتشف أنّك كنت تسلك في السبيل المعاكس لشهوتك هذه. فتعود إلى رسالتك شاكراً، محَمَّلاً بعطاياه ومكتفياً بها ومدركِاً أنّ دورك يكمن في أن تبقى شاهداً لحبّه للعالم الذي خلقه، سواء أصبت وأتيت إنجازات أو فشلت وما حقّقت منها ما كنت قد رسمت. يصير لسان حالك: تكفيني نعمتك ربيّ. حقاً إنّك في الضعف تظهر وتثمر. 
آنذاك تقيم في السلام وتعرف قيمته لك ولمن أنت مؤتمن عليهم.